| 1 |
هل تكفي رسالة الضمانات الفصائلية لإجراء الانتخابات البلدية؟ |
<p>أرسلت الفصائل الوطنية والإسلامية رسالة الضمانات التي طلبها السيد محمد اشتية رئيس الوزراء في رام الله، من خلال رئيس لجنة الانتخابات المركزية السيد حنا ناصر لدى لقائه مع تلك الفصائل في غزة، وقد عبرت الفصائل مجتمعةً عن رغبتها في إجراء الانتخابات، وقدمت للسيد اشتية الضمانات التي أقرت جميعها في رسالة الضمانات تلك أنها توافق على إجراء الانتخابات البلدية وفقاً لما تم الاتفاق عليه سابقاً عند الاتفاق على إجراء الانتخابات التشريعية في 2021م التي لم تجرِ بقرار من أبي مازن. رسالة الضمانات تلك التي طلبها اشتية لم يكن يقصد بها الفصائل الفلسطينية كافة، وإنما كان يقصد حركة حماس على وجه التحديد، باعتبارها من يحكم قطاع غزة فعلياً رغم أنه لم يكن بحاجة لمثل هذه الرسالة فيما لو أصدر قراراً وفقاً للقانون الذي يعطيه هذا الاختصاص، وكانت ستلتزم به لجنة الانتخابات المركزية، وتبدأ العملية دون أي مشكلة، ولكن ما السبب الذي من أجله طلب اشتية هذه الرسالة؟ أزعم أن السبب لا يرجع لاشتية، ولكنه يرجع لأبي مازن الذي هو بحاجة دائماً لأن يعزز شرعية وجوده في كرسي الرئاسة الذي مضى عليه نحو ثمانية عشر عاماً دون أي انتخابات، وعليه يستطيع أن يتقدم بمثل هذه الرسالة للإدارة الأمريكية وللاحتلال على أنه يمثل الشعب الفلسطيني كافة، ولديه شرعية في هذا السياق تعززها من وجهة نظره رسالة الضمانات تلك، خاصة وأنه يجابه دائماً من قبل الاحتلال والإدارة الأمريكية بأنه لا يملك الشرعية التي تؤهله للتحدث باسم الشعب الفلسطيني، وعلى كل الأحوال وبعيداً عن مرامي أبي مازن السياسية من رسالة الضمانات تلك، فإن ما يلفت النظر -حتى كتابة هذا المقال- هو أن مجلس الوزراء الفلسطيني ممثلاً برئيسه محمد اشتية لم يصدر عنه أي قرار رغم حصوله على ما يريد، وأظن أن السبب في ذلك معروف لعموم الفصائل والقوى الفلسطينية، ذلك أن صاحب القرار في الأساس هو أبو مازن وليس اشتية، ويبدو أن اشتية ينتظر القرار من أبي مازن ليتصرف على نحو ما يريد الأخير. <br />
ولكن من حقنا أن نتساءل في الأصل: من الذي يريد ضمانة ممن؟ ألم يطلب أبو مازن رسالة ضمانات عندما تم التوافق الوطني على إجراء الانتخابات التشريعية، وتم إرسال الرسالة حسب طلبه، لكنه نكص على عقبيه وضرب بعرض الحائط كافة التوافقات الوطنية وقرر من طرف واحد ودون التشاور مع الفصائل إلغاء الانتخابات التشريعية رغم مناشدة الكل الوطني له بالسير قدمًا فيها؟ ثم ألم يقم هو نفسه بإلغاء الانتخابات البلدية في عام 2016م عقب الطعن في بعض القوائم المرشحة المحسوبة على حركة فتح بدعوى أن القضاء والشرطة في غزة غير شرعيين رغم الاتفاق المسبق على أن تكون محاكم البداية في كل منطقة هي المحكمة المختصة بالنظر في الطعون الانتخابية، وأن الأمن في كل منطقة هو المسؤول على تأمين العملية الانتخابية؟ ألم يستنكف أبو مازن عن تنفيذ قرار المحكمة الدستورية التي أصدرت قرارًا بحل المجلس التشريعي (رغم تجاوز المحكمة في قرارها للنص الدستوري الصريح بعدم جواز حل المجلس حتى في حالات الطوارئ) وإجراء انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر، وذلك منذ عام 2018م، حيث نفذ الجزء الذي يرغب فيه من قرار المحكمة وحل المجلس التشريعي واستنكف عن تنفيذ الجزء الثاني وهو الأهم، بإجراء الانتخابات خلال ستة أشهر؟ في ظل هذه المعطيات أتساءل مرة أخرى: من هو الذي يحتاج إلى رسالة ضمانات، هل هو الشعب الفلسطيني المحروم من حقه الدستوري بقرار من شخص انتهت مدة ولايته منذ عام 2009م وما زال رغمًا عن إرادة الشعب الفلسطيني يتحكم في القرار السياسي والإداري والأمني والمالي والقانوني، ويهيمن على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية دون وجه حق، أم أن الذي يحتاج إلى الضمانات من يحتكر كل تلك السلطات ويعطل الانتخابات؟<br />
أظن أن أبا مازن ليس في وارد إجراء أي انتخابات سواء بلدية أو تشريعية أو رئاسية، لكونه يعلم يقينا أن الانتخابات تعني بداية مرحلة الأفول لعصر مصادرة القرار الوطني لحسابه الشخصي الذي يحتكره منذ عام 2005م، ويأبى حتى اللحظة أن يفرط فيه، وما تلك المناورات إلا ليحصل منها على ما يريده، وهو كعادته يضرب بعرض الحائط ما يريده الشعب الفلسطيني وفصائله، وهذا ما مارسه طوال الفترة السابقة دون أن يرف له جفن.</p>
|
| 2 |
"التطبيع بمقابل".. سوق رائج لدى العرب |
<p>كان واضحًا حديث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حديثه مع شبكة فوكس نيوز بخصوص التطبيع مع (إسرائيل)، حيث قال إن المملكة تقترب كل يوم أكثر فأكثر للتطبيع مع (إسرائيل)، وأن لا صحة للمعلومات التي تقول إن السعودية أوقفت حواراتها أو مفاوضاتها مع (إسرائيل) بهذا الشأن، نظرًا إلى عدم قبول (إسرائيل) بأن يكون التطبيع مقابل دولة فلسطينية، ولكن ذكر ولي العهد السعودي أن المفاوضات مع (إسرائيل) تشمل تحسين وتسهيل حياة الفلسطينيين. حديث ولي العهد السعودي كان متسقًا مع خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما عرض خارطة للتطبيع مع الدول العربية، ولم تكن هذه الخارطة تشمل أي حدود لدولة فلسطين أو "الأراضي الفلسطينية" بالمصطلح المستخدم أمريكيًا.<br />
السعودية حينما تسير في مسار التطبيع مع الاحتلال هي تسعى بشكل أساسي لتحقيق مصلحة سعودية تتمثل في حصول المملكة على موافقة (إسرائيل) لتشغيل مفاعلات نووية، والحصول على أسلحة أمريكية متقدمة وضمانات أمنية أمريكية للسعودية.<br />
سوق التطبيع الرائج هذه الأيام عربيًا يشير بوضوح إلى أن الدول التي تسعى أو أنها سعت للتطبيع مع الاحتلال إنما تقايض التطبيع بمكاسب خاصة بكل دولة، وذلك على حساب القضية الفلسطينية التي كانت تعد يومًا القضية المركزية للعرب، ويتم ذلك تحت شعار كاذب من قبل أن السعودية أولًا أو المغرب أولًا أو السودان أولًا وهكذا، وأصبح الأمر بمثابة سوق تحكمه قواعد العرض والطلب، فالعرض العربي هو التطبيع، والطلب عليه هو "إسرائيلي" أمريكي بالدرجة الأولى وغربي بعد ذلك، وما بين العرض والطلب تتم المفاوضات والمقايضة، ولا بأس بأن يؤتى على ذكر الفلسطينيين على هامش الصفقة كنوع من ذر الرماد في العيون، كي لا يقال إن "قضية العرب" الأولى قد نُسيت. بل إنني أزعم أن القادة العرب أصبحوا ينظرون إلى قضية فلسطين على أنها قضية ليست على تلك الأهمية التي "يدعيها الفلسطينيون"، وبأن الحلول المعروضة من قبل الاحتلال والإدارة الأمريكية يجب القبول بها للخروج من حالة الصراع المستمر منذ سبعين عامًا بلا جدوى، وإن شئت بسبب تعنت الفلسطينيون -من وجهة نظرهم طبعًا، ولذلك تجدهم يوافقون على كل مبادرة تطلقها الإدارة الأمريكية أو (إسرائيل) من خلال الإدارة الأمريكية مهما انخفض سقفها. وصفقة القرن مثال واضح على ذلك التوجه العربي، حيث حاولت بعض الدول الخليجية أن تسوق لها وتقنع بها الفلسطينيين، وفي سبيل ذلك عقدت ورشة عمل في المنامة في يونيو 2019 نظر فيها مستشار الرئيس الأمريكي السابق كوشنير لصفقة القرن بحضور معظم الدول العربية. <br />
سوق التطبيع العربي المفتوح حصل فيه المغرب على اعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة على الصحراء الغربية، وحصلت فيه السودان على شطب من قائمة الدول الداعية للإرهاب وإقامة علاقات طبيعية مع مجلس السيادة السوداني ووعود بدعم الاقتصاد، وحصلت فيه الإمارات والبحرين على الحماية الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران، وهكذا تدخل الدول العربية سوق التطبيع خلسة وبسرية تامة، وتبدأ المفاوضات ومن ثم يعلن عنها حينما تنضج، وبعد أن تحصل الدولة العربية المعنية على مكتسباتها الخاصة، ثم حينما يُعلَن عن الاتفاق، تُطلَق التصريحات التي تدّعي أن التطبيع هو في مصلحة الفلسطينيين؛ على اعتبار أن العلاقات الطبيعية مع "إسرائيل" ستجبرها على احترام الحقوق الفلسطينية، رغم أن قادة الاحتلال ما فتئوا يصرحون ليل نهار أن التطبيع لن يكون على حساب أمن "إسرائيل"، ذلك الأمن الذي يرفض فكرة وجود دولة فلسطينية، كما صرح نتنياهو مؤخرًا، أنه يجب اجتثاث فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها. <br />
طبعًا من نافلة القول أن التطبيع العربي على هذا النحو المتسارع لم يكن ليحدث لولا الاعتراف الذي قدمته قيادة منظمة التحرير للاحتلال على طبق من ذهب؛ الأمر الذي فتح باب التطبيع على مصراعيه تحت شعار: لن نكون ملكيين أكثر من الملك. <br />
قديمًا كانت الحكومات العربية تأتي للحكم تحت شعار تحرير فلسطين، باعتبار أن القضية الفلسطينية معزِّز لشرعية الحكم لأي نظام عربي، أما اليوم فقد انقلب الحال ليصبح التطبيع مع الاحتلال هو المعزز لشرعية الحكم العربي في ظل غياب الحكم الديمقراطي الذي يمثل الشعوب تمثيلًا صحيحًا وحقيقًا. <br />
ولكن بالرغم من سوق التطبيع المفتوحة أبوابه واسعًا هذه الأيام، لا بد من تأكيد حقيقة واضحة؛ أن التطبيع مهما سُوِّق له إنما هو تطبيع مع حكومات بل مع أشخاص بعينهم ينتهي بانتهاء دورهم، لأن الشعوب دائمًا تنبض بحب فلسطين، ولنا في الشعب الليبي عبرة.</p>
|
| 3 |
هل يمكن أن تكون التضحية عبثية؟ |
<p>بقلم المستشار/ أسامة سعد<br />
تتعدد وتختلف أشكال التضحية وفقًا للهدف الذي يُضحى من أجله، وغالبًا ما تسمو قيمة الهدف سواء أكانت معنوية أو مادية على قيمة ما يُضحى به، وفي سبيل ذلك تكون التضحية قيمة إنسانية رفيعة قد لا يصل إلى مقامها كثير من الناس، وقد يكون الدافع لهذه التضحية غريزيًّا كأن تضحي الأم من أجل فلذة كبدها، ولذلك حينما تقدم على التضحية فإنها لا تقيم وزنًا لمقدار الربح أو الخسارة الشخصية لها مقابل ما تضحي به؛ فغريزة الأمومة لديها تدفعها إلى التضحية، وبالضرورة تكون هذه التضحية مصحوبة بالرضا التام الناتج عن عمق الحب الذي يكتنف الأم تجاه فلذة كبدها، ولذلك نجدها تضحي دون مقابل، وهناك صورة أخرى للتضحية يُقدِم فيها الإنسان على التضحية، ولكن هذه التضحية يراد منها مقابل متوقع، مثل أن يضحي الإنسان بوقته وجهده وماله من أجل بناء مستقبله، وفي هذه الحالة أيضًا تكون التضحية مشمولة بالرضا التام وأحيانًا الشغف، لأن المقابل المنتظر هو حلم أو أمل يسعى له الإنسان، وتتملكه السعادة الغامرة والفرح الشديد عند تحقيقه حلمه، وتتصاغر في سبيل هذا الحلم المتحقق التضحية التي بُذلت، ولا ينتاب الإنسان أدنى مقدار من الندم أو الحزن على ما قدم من تضحية عند تحقق الهدف، وفي المقابل يكون مقدار الألم والندم شديدًا على ما قُدِّم في حال عدم تمكن الإنسان من تحقيق هدفه، وهناك أيضًا نوع آخر من التضحية التي لا تكون إلا بمقابل معين ومحدد، ومثالها العامل أو الموظف الذي يبذل وقته وجهده وعرقه وعمله وخبرته مقابل الحصول على أجر ما اتفق عليه، وفي هذه الحالة يدخل غالبًا حساب مقدار التضحية مع مقدار الهدف أو الأجر المتحقق لقاء بذل هذه التضحية، وغالبًا ما تنتاب هذه الشريحة عوامل الشك في جدوى التضحية التي يقدمها إذا ما شعر بأن الهدف المتحقق لا يتناسب مع مقدار التضحية المقدمة، وتزداد نسبة الشك كلما قلت قيمة الهدف في عين المضحي، وقد تستفحل هذه الحالة لتصل إلى الشعور بعدم جدوى التضحية، ومن ثم الفتور الشديد في الإقدام عليها؛ الأمر الذي يؤثر بلا شك في معادلة التضحية والهدف؛ ما يؤدي إلى وجود حالة من الإحباط المركز الذي يؤدي بدوره إلى ضعف الإنتاجية وتراجع الأداء.<br />
وهناك شكل من التضحية هو الأهم والأعظم؛ وهو التضحية من أجل فكرة سامية، كالتضحية من أجل الوطن أو العقيدة أو القيم الإنسانية النبيلة، وتلك التضحية غالبًا ما تكون عظيمة القيمة قد تصل إلى حد التضحية بأعز ما يملك الإنسان، مثل روحه وحريته وماله وأبنائه، ويكون ذلك هينًا على نفس المضحي ما دام إيمانه راسخًا بالهدف الذي يضحي من أجله، ولذلك يجب أن يكون السعي إلى الهدف في هذا النوع من التضحية واضح المعالم دقيق الخطى واثقًا، ولا تتحقق هذه المعاني إلا بدراسة عميقة وقرارات رصينة وإرادة صلبة، لأن التضحية في سبيل تلك الأهداف عزيزة وغالية، بل هي الأغلى على الإطلاق، وعليه فإن سوء التخطيط أو عشوائية القرارات أو ضعف الإرادة، ستؤدي بلا شك إلى إهدار تضحيات غالية دونما جدوى، وقد تكون التضحية في هذه الحالة بلا معنى، فقد تصل إلى مرحلة التضحية العبثية، كمثال من يخوض حربًا وهو يعلم يقينًا بأنها خاسرة على الصعيد المادي أو المعنوي، فالحرب يجب أن تخاض وهي محسوبة النتائج، إما لنصر حاسم وإما لتعديل قواعد اشتباك وإما التمهيد لاتخاذ قرارات مصيرية، وقد تكون القيمة في خوض المعركة بحد ذاتها هي الهدف لهذه الحرب إذا ما فرضت على صاحب الرسالة، وهنا يراد الجانب المعنوي المتمثل في الصمود والتصدي في الدفاع عن قيمة عظمى يكون الموت في سبيلها بحد ذاته شرفًا. والتضحية في سبيل الوطن والعقيدة والفكرة لا يمكن أن تكون عبثية حتى لو ظن البعض أن الهدف فقد أي قيمة مادية أو معنوية، وهنا تكمن أهمية القيادة الحكيمة ذات الرؤية الثاقبة القادرة على اتخاذ القرارات الصحيحة في اللحظات الحاسمة، فإذا فقدت القيادة هذه الرؤية وهذه القدرة لا سمح الله، فقد تؤدي قراراتها إلى كوارث لا يمكن تدارك آثارها. <br />
أظن أن شعبنا الفلسطيني أكثر الشعوب تضحية وأكثرها جراءة وإقدامًا وإصرارًا وتحملًا، ويجب على قيادته أن تكون دائمًا على قدر هذه المسؤولية العظيمة، وتكون مسؤوليتها أعظم وأكبر في اتخاذها القرارات في اللحظات المفصلية لكي تستثمر كل تضحية عظمت أو صغرت وتجعل منها سهمًا في التقدم نحو الهدف البعيد ألف ميل ولو بخطوة واحدة. <br />
</p>
|
| 4 |
أوسلو وكذبة الاعتراف المتبادل |
<p>كان من أعظم خطايا اتفاق أوسلو، الاعتراف بحق (إسرائيل) في الوجود وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، وفي المقابل وافقت (إسرائيل) على الاعتراف باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، تلك الصيغة التي سميت كذباً الاعتراف المتبادل، ووصفها أمين سر منظمة التحرير في ذلك الوقت ياسر عبد ربه بأنها لم تكن صيغة عادلة ولا منصفة، ورغم ذلك وافقت عليها منظمة التحرير على الرغم من أنها لم تتضمن الاعتراف بدولة، ولم تتضمن الاعتراف بحدود للفلسطينيين وفقاً لتعبير عبد ربه. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كانت منظمة التحرير حريصة كل هذا الحرص على الاعتراف بالعدو وملكيته للأرض الفلسطينية "كلها حتى ذلك الوقت"، مقابل فقط أن يعترف العدو بالمنظمة ممثلاً للفلسطينيين رغم أنها منذ عام 1974 عضو مراقب في الجمعية العامة، وفي ذلك العام ألقى ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير خطابه الأول فيها، باعتبار المنظمة ممثلاً للشعب الفلسطيني أمام العالم بأسره، أم أن المنظمة كانت تخشى أن تفقد هذه الصفة بحكم الأمر الواقع، حيث كان هناك وفد مفاوض من الأراضي المحتلة برئاسة الراحل حيدر عبد الشافي الذي كان يصر على انسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة عام 67 بالكامل واعترافها بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. <br />
يدَّعي بعض المحللين أن لأوسلو بعض الإيجابيات، منها المحافظة على الكيانية الفلسطينية، وتشكيل كيان سياسي فلسطيني يمثل الفلسطينيين أمام العالم، ولكن يُرَدُّ على هذا الطرح بأن منظمة التحرير أُنشئت في عام 64 استجابةً لقرار مؤتمر القمة العربية المنعقد عام 64 في القاهرة، ومنذ ذلك الوقت والمنظمة تمثل الشعب الفلسطيني رسمياً أمام المحافل الدولية، وتحظى باعتراف العرب والدول الإسلامية وكثير من دول العالم، حتى إن إعلان دولة فلسطين بالجزائر عام 1988 حظي باعتراف عدد من دول العالم أكثر من تلك الدول التي تعترف بـ(إسرائيل) في ذلك الوقت، منها دولتان عظميان هما روسيا والصين. <br />
إذن لم يكن ينقص الشعب الفلسطيني كيان سياسي يمثله أمام العالم لتتنازل منظمة التحرير عن أصل الحق الفلسطيني بأرض فلسطين لتنال اعترافًا "إسرائيلياً" بها ممثلةً للفلسطينيين، وكأن اعتراف كل الدول العربية والإسلامية والأجنبية التي اعترفت بفلسطين، لم يكن كافياً أو مهماً لدى المنظمة لتسعى أن تعترف بها (إسرائيل) وتقوم في سبيل ذلك بالتنازل الأهم للاحتلال بالاعتراف به، وبذلك فتح الباب على مصراعيه لاعتراف دول العالم التي كانت تتضامن مع الشعب الفلسطيني وتحجم عن الاعتراف بـ(إسرائيل) احتراماً لهذا التضامن وبذلك حققت (إسرائيل) مكاسب سياسية واقتصادية عظمى لم يكن لها أن تحققها لولا الاعتراف الفلسطيني بها، بل وإقدام عدد من الدول العربية على الاعتراف بـ(إسرائيل) وتطبيع العلاقات معها استناداً للاعتراف الفلسطيني الرسمي بها، فقد زعموا أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك. اليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً على اتفاق أوسلو، لم تعد الحكومة الإسرائيلية الحالية تنكر حل الدولتين فقط، بل تدعو لاجتثاث فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها، كما قال نتنياهو تلك الفكرة التي قامت عليها اتفاقية أوسلو، كما يدعي منظروها بزعم أن المفاوضات كانت على أساس القرارين الدوليين 242 و 383، رغم أن هذين القرارين لم يشيرا من قريب أو بعيد لإقامة دولة فلسطينية، وإنما كانا يدعوان (إسرائيل) إلى الانسحاب من "الأراضي العربية" بالنص العربي و"أراضٍ عربية" بالنص الإنجليزي التي احتلتها عام 1967، ولاحظ أن القرارين الدوليين لم يتحدثا عن أرض فلسطينية، وإنما عن أرض عربية، والفرق بينهما كبير وكبير جداً، وبالتالي لم تكلف (إسرائيل) نفسها عناء التوصل إلى إقامة هذه الدولة. والأمر الغريب أن المنظمة التي ارتكبت هذه الخطيئة التاريخية بأن منحت للمحتل كل شيء مقابل الحصول على وعود غير مكتوبة، وإنما وعود شفهية من رعاة عملية السلام وخصوصاً الإدارة الأمريكية التي لم تمارس يوماً ضغطًا حقيقيًا على الاحتلال ليوافق على دولة فلسطينية، وكما يقول ياسر عبد ربه: لقد قدمنا كل شيء وننتظر الحصول على ما وعدنا به، وطوال هذه المدة فإن المنظمة لم تحاول أن تُكفِّر عن خطيئتها بعد هذا الفشل الممتد لثلاثين عاماً بسحب الاعتراف، وإنما لا يزال هناك إصرار غير مفهوم على الاستمرار في السير في نفق أوسلو ورفض كل دعوات التحلل من هذه السقطة التاريخية. ولعلي لست مخطئاً عندما أقول إن السبب الذي دفع منظمة التحرير في عام 93 إلى ارتكاب خطيئة الاعتراف بالاحتلال ما زال قائماً ويمنع قيادة المنظمة من سحب الاعتراف الذي أظنه أصبح يشكل لها نوعًا من الشرعية المكتسبة من الاحتلال والإدارة الأمريكية، وتخشى في حال سحب الاعتراف أن ينتهي دورها بفعل الأمر الواقع على الأرض، والتفاف الشعب الفلسطيني حول المقاومة، وفقدان الثقة تمامًا بمسار السلام، وهو ذات السبب الذي جعلها تقبل الاعتراف عام 1993م رغم أن صيغته غير عادلة وغير منصفة كما قال ياسر عبد ربه.</p>
|
| 5 |
السعودية تُعِدّ صفقةً ضخمة للفلسطينيين! |
<p>في عام 2002 قدمت المملكة العربية السعودية المبادرة العربية باسم الراحل الملك عبد الله التي أعلن عنها للمرة الأولى من خلال لقاء صحفي بين الملك الراحل والصحفي الأمريكي الشهير ديفيد فريدمان، وكانت الصفقة تتحدث عن تطبيع كامل مقابل دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 1967، دون ذكر قضية اللاجئين.</p>
<p>ثم بعد ضغط من الراحل ياسر عرفات أُضيف بند عودة اللاجئين للمبادرة، وقد تبنتها القمة العربية المنعقدة في بيروت وأصبحت قراراً عربياً متبنًى من جميع الدول العربية، إلا أن شارون -رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت- رفض المبادرة واعتبرها عبارة عن مزحة لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتب فيه، وكان رده عليها اجتياح كامل الضفة الغربية بعملية السور الواقي وما نتج عنها بعد ذلك من اغتيال ياسر عرفات بالسم، ولكن رغم هذا الرد الإسرائيلي المهين والمذل لكل العرب ممثلين بالجامعة العربية، فإن العرب لم يسحبوا هذه المبادرة، وظلت المبادرة العربية للسلام هي الموقف العربي الرسمي حتى هذه اللحظة.</p>
<p>اليوم وبعد نحو عشرين عاماً من تقديم المبادرة العربية، تتحدث السعودية بقيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد عن صفقة جديدة وُصفت بالضخمة "حسب موقع إكسيوس الأمريكي" للقضية الفلسطينية، وحسب ما ذكر الموقع فإن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي بايدن في الشرق الأوسط "بريت ماكفورك" سيسافر إلى السعودية للقاء كبار المسؤولين الفلسطينيين لمناقشة "عنصر فلسطيني" محتمل في صفقة ضخمة محتملة بين الولايات المتحدة والسعودية و(إسرائيل). وكان موقع إكسيوس قد أعلن أسماء "القادة الفلسطينيين" الكبار الذين سيشاركون في هذه المحادثات، وهم: حسين الشيخ وماجد فريح والمستشار الدبلوماسي لأبي مازن مجدي الخالدي. وقد صدقت تسريبات موقع إكسيوس؛ فقد توجه الأشخاص الثلاثة الذين ذكرهم الموقع إلى السعودية للقاء مسؤولين سعوديين حسب ما صرح به مصدر فلسطيني لوسائل إعلام عربية بتاريخ 4/9، وبالطبع تزامن وصول الوفد الفلسطيني مع وصول "بريت ماكفورك" مستشار بايدن.</p>
<p>ما صرحت به المصادر الفلسطينية أن الوفد الفلسطيني سيناقش" أفكارًا" سيتقدم بها المسؤولون السعوديون وعلى رأسهم وزير الخارجية فيصل بن فرحان.</p>
<p>طبعاً هذه الأفكار هي التي تتعلق -كما ذكر موقع إكسيوس- بـ"العنصر الفلسطيني" في الصفقة الأمريكية السعودية الإسرائيلية؛ أي إن الصفقة التي تنوي السعودية القيام بها سيكون للفلسطينيين نصيب منها، عبارة عن "تفصيل بسيط" سماه الأمريكيون "بالعنصر الفلسطيني" في الصفقة.</p>
<p>الأمر الغريب فيما يحدث أن السعودية حينما تقدم على هذه الخطوة وهي بلا شك خطوة التطبيع، فإنها تلغي تماماً المبادرة العربية التي تقدمت بها قبل عشرين عاماً، والتي كان أساسها التطبيع الكامل مقابل دولة على حدود 1967م وعودة اللاجئين. إلا أن الموقف السعودي تحول الآن إلى تطبيع سعودي لقاء حصول السعودية على امتيازات مقابل هذا التطبيع ليس أقلها سعي السعودية للحصول على ضوء أخضر أمريكي بموافقة إسرائيلية بتشغيل مفاعلات نووية بالمملكة، في محاولة لإيجاد نوع من التوازن مع إيران. ويبدو أن الإسرائيليين غير مقتنعين بهذا الموقف حتى الآن، ناهيك بإعلان نتنياهو قبل فترة أنه ليس على استعداد لقبول قيام دولة فلسطينية مقابل التطبيع مع السعودية.</p>
<p>وجه الغرابة فيما يحدث أيضًا أن المبادرة العربية للسلام التي داسها شارون بجنازير دباباته في عام 2002 تدوسها اليوم السعودية بعجلات قطار التطبيع المتنقل بين العواصم العربية دون حصول الفلسطينيين على دولتهم وهي التي قدمتها للعرب وللعالم ولم تكلف نفسها حتى عناء سحب هذه المبادرة عن طاولة العرب، بل ها هي تسعى إلى عقد صفقة خاصة بها مع (إسرائيل)، وعلى هامش هذه الصفقة تحاول إرضاء الفلسطينيين ببعض الفتات الذي للأسف يبدو أنهم قبلوا به، وقد سربت بعض وسائل الإعلام الطلبات الفلسطينية المتواضعة مقابل التطبيع السعودي، والتي لم تزد على استئناف الدعم المالي السعودي للسلطة واستجداء (إسرائيل) بتحويل بعض مناطق ج إلى مناطق ب في الضفة الغربية، وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، وتقوية السلطة على الصعيد الأمني ودعمها في هذا الإطار، طبعاً لم توافق الإدارة الأمريكية على طلب السلطة انضمام فلسطين بعضوية كاملة إلى الأمم المتحدة، وهذا ما صرحت به "باريرا ليف" كبيرة الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الأمريكية.</p>
<p>إذن، كما عودتنا قيادة السلطة الفلسطينية، فقد انخفض سقفها من المبادرة العربية التي تدعو إلى إقامة دولة على حدود 67 مقابل التطبيع، إلى مجرد استجداء تحويل بعض مناطق (ج) إلى (ب) وبعض الدعم المالي وإعادة فتح قنصلية كانت مفتوحة حتى قبل عامين مقابل التطبيع! وهذا ما سمي "بالصفقة الضخمة".</p>
<p> كنت قد توقعت في مقال سابق أن إعادة العلاقات السعودية الإيرانية ستكون مقدمة للتطبيع بين المملكة و(إسرائيل) خلافاً لتوقعات الكثيرين الذين اعتبروا إعادة العلاقات بين البلدين في وقتها عبارة عن إعادة تموضع للسعودية في المنطقة. وعلى كل الأحوال ألم يدُر في خلد أبي مازن مشاركة الشعب الفلسطيني-ولو من باب ذر الرماد في العيون- بعرض الأمر على تلك اللجنة (فاكرينها) وهي الناتج الوحيد عن مؤتمر الأمناء العامين الذي عقد في القاهرة على ما يتم بحثه خلف الكواليس بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني؟ أم أنه كعادة قيادة المنظمة، ستقدم لهم الاتفاق على الطريقة الأوسلوية بعد إتمامه كي لا ترهقهم بالتفاصيل؟... ربما. </p>
|
| 6 |
ويبقى للشعوب كلمة |
<p>"الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس"، ذلك قول محمد صلى الله عليه وسلم في معرض تعرفيه للإثم.<br />
إذن الإثم شيء مخزٍ ومخجل يكره الإنسان أن يعلم به الناس، لأنه أمر تأباه الفطرة السليمة وتنفر منه النفس الزكية. حكومة الدبيبة مارست الإثم الوطني من خلال وزيرة الخارجية المنقوش، وأُريدَ لهذا الإثم <br />
-ككل إثم– أن يمارس في الخفاء، وألًّا يَطَّلع عليه الناس لشدة العار والخزي والذل الذي يصاحبه إذا ما أُعلن أو كُشف ستره، ولكن أتت رياح الشعب الليبي العظيم بما لا تشتهي سفينة الدبيبة وهي تجري صوب ميناء التطبيع المدنس الذي سبق لبعض السفن العربية أن رست فيه. <br />
وكانت رياح الشعب الليبي عاتية، فأغرقت سفينة التطبيع تمامًا، فحاولت حكومة الدبيبة عبثاً تدارك آثار جريمتها فأقالت الوزيرة المنقوش ثم هرّبتها إلى تركيا، وقام الدبيبة نفسه بزيارة استعراضية بلهاء لمقر السفارة الفلسطينية ليُعبِّر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، ولكن لا أظن تلك المحاولات البائسة للتغطية على الإثم الذي ظهر للعلن قد تجدي نفعاً؛ فرَدَّة فعل الشعب الليبي فاقت كل التوقعات، وكانت بمثابة انتفاضة ضد العار الذي لحق بسمعة شعب عانى بسبب الاحتلال والاضطهاد لعقود، وربما كان من أسباب الغضبة الهائلة التي عبر عنها الشعب الليبي أن اللقاء الآثم الذي تم بين المنقوش ووزير خارجية الاحتلال كوهين كان بوساطة إيطالية -أجل وساطة إيطالية-، وكأن الدبيبة قد فقد بصيرة العمل السياسي والدبلوماسي تماماً، فلم يجد سوى البلد الاستعماري الذي أذاق الشعب الليبي علقم ومرارة الاستعمار بممارسة أبشع الجرائم ومرارة الاستعمار بحق الشعب الليبي، التي لم يكن أقلها اعتقال الشعب الليبي كاملاً في معسكرات محاطة بالأسلاك الشائكة ثم تتويج جرائمه بإعدام عمر المختار بطل المقاومة الليبية، ولشدة عمى بصيرة الدبيبة جعل من المستعمر السابق وسيطاً للقاء المحتل الحالي للأرض العربية الذي لا تقل جرائمه بشاعة عن جرائم المستعمر الإيطالي، فكان إثم حكومة الدبيبة مركباً.<br />
كان يظن الدبيبة أن الإثم الوطني الذي يمارسه في الخفاء -أملاً في تثبيت حكمه برضى السيد الأمريكي- سيبقى مخفياً إلى حين ظروف موائمة ليعلن إثمه كما سبقه زعماء آخرون فقدوا بصيرة العمل الوطني لصالح عمى التطبيع الذي لم يجلب لهم سوى التبعية المذلة وغياب الإرادة الوطنية الحرة، ولكن تشاء إرادة الله أن يكشف الاحتلال عن هذا اللقاء من قبل بعض أغرار السياسة من حكومة الاحتلال تباهياً بالإنجاز؛ الأمر الذي دفع نتنياهو إلى وصفهم بالصبية، وما لحق ذلك من غضب شديد من قبل الإدارة الأمريكية التي تسعى جاهدة لتمرير عملية التطبيع دونما ضجة، ومحاولة ممارسته خلسة في غفلة من الشعوب المغلوبة على أمرها. <br />
ما قام به الشعب الليبي هو التصرف الطبيعي للشعوب العربية الحرة، التي لو أتيح لأي شعب عربي أن يعبر عن مشاعره وتوجهاته فإن ردة فعله لن تكون أقل من ردة فعل الشعب الليبي الذي خرج في مظاهرات عارمة، واقتحم مبنى وزارة الخارجية الليبية، وكذلك مبنى رئاسة الوزراء مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الوطنية، فكل الشعوب العربية تنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين على أنه عار يجب محوه، ولكن الحكومات المطيعة التي صادرت حرية الشعوب وحكمتها بالحديد والنار منعت شعوبها من التعبير عن مشاعرها كما عبر عنها الشعب الليبي الذي لا يزال يملك حريته التي انتزعها بعد عقود من حكم دكتاتوري قمعي، وأظنه يأبى أن يساوم عليها مرة أخرى. <br />
هبة الشعب الليبي تعطي كل زعيم ذي بصيرة عبرة بأن ممارسة إثم التطبيع في الخفاء عواقبه وخيمة من قبل الشعوب، وممارسته في العلن ستكون عواقبه أشد وأنكى، فإذا صمتت الشعوب مكرهة حينًا فإنها لا شك ستنفجر يومًا في وجه الإثمين، وسيكون مصير كل مطبع مثل مصير المنقوش، التي نُقِش اسمها في قائمة العار.</p>
|
| 7 |
الأمور في القارة السوداء لا تبشر بخير |
<p> </p>
<p>مجموعة إيكواس تستعد للتدخل العسكري في النيجر بعد تعنت العسكر الذين انقلبوا على حكم الرئيس بازوم ورفضهم إعادته للسلطة بل والتهديد بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى.</p>
<p> إيكواس نجمع، هي مُنظمة سياسية واتحاد اقتصادي إقليمي يتكون من خمس عشرة دولة تقع في منطقة غرب إفريقيا. تُغطي هذه البُلدان مُجتمعة مساحة 5,114,162 كيلومتر مربع (1,974,589 ميل2)، في حين يُقدر عدد سكانه بأكثر من 349 مليون نسمة. أُسست المنظمة في 25 مايو 1975 بموجب اتفاقية لاغوس، ويقع مقرها في أبوجا عاصمة نيجيريا. وبالمقابل أعلنت عدة دول مؤازرتها لقادة الانقلاب في النيجر مثل تشاد وكوتديفوار، الأمر الذي يوحي بأن الحرب إذا ما اشتعلت فقد تشتعل معها القارة السمراء بأكملها، خصوصاً وأن هناك أزمات داخلية كثيرة لدى عدد من دول القارة ما زالت تداعياتها تتفاوت بين دولة وأخرى، وأكثرها سوءًا هي السودان التي تشتعل فيها الحرب منذ أشهر بين قوات الدعم السريع وقوات الجيش السوداني.</p>
<p>الأحداث التي تمر بها القارة السمراء هي نتاج صراعات القوى العظمى التي ما زالت تتعامل مع بعض دول العالم كإرث استعماري ومناطق نفوذ لا يجوز لأي دولة أخرى أن تنازعها فيها، ويتجلى شكل هذا الصراع في عمليات تمرد أو نزاعات إقليمية أو حروب يدفع ثمنها المواطنون الأبرياء الذين فشلت حكوماتهم الوطنية في توفير أبسط متطلبات الحياة لهم خلال عقود.</p>
<p> الصراع في أصله صراع على النفوذ بين فرنسا وما تمثله من إرث استعماري، وروسيا التي تحاول أن تفرض نفسها في القارة كأمر واقع على أجندة المجتمع الدولي، في محاولة منها لتكريس رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، في حين تقاوم الولايات المتحدة بشراسة هذا التوجه الذي يسعى لإزاحتها عن مقود التحكم العالمي الذي يحتكره منذ عام 1991، ذلك العام الذي تهاوى فيه الاتحاد السوفيتي.</p>
<p>إذن فالقارة السمراء توشك على الاشتعال، في حين أن أوروبا تشتعل فعليًّا فيها الحرب، ولكنها تنحصر حتى اللحظة في الأرض الأوكرانية حيث تشارك أوروبا كلها تقريباً في الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر أحياناً ضد روسيا. وآخر تجليات هذه الحرب دعم أوكرانيا بطائرات إف 16 الأمريكية من هولندا؛ الأمر الذي سيحدث فارقًا لا شك في ميزان القوى بين روسيا وما تمثله من قوة عظمى وأكرانيا التي ما كان لها أن تصمد حتى اللحظة لولا الدعم الغربي الهائل الذي تتلقاه تباعاً.</p>
<p>في آسيا ما زالت العلاقات الصينية الأمريكية متوترة رغم الحكمة الصينية الكنفشيوسية المتأنية التي لا تحبذ الحرب في حل النزاعات، وتنحو دائمًا إلى المفاوضات، إلا أن تلك الروح الصينية التقليدية في التعامل مع الأزمات الدولية قد لا تفلح في الصمود أمام التحديات الهائلة التي تفرضها الولايات المتحدة في بحر الصين وجزيرة تايوان والاحتكاك الخشن بين القوات الصينية والأمريكية في أحيان كثيرة في هذه المنطقة. أما منطقة الشرق الأوسط فهي منطقة مشتعلة بطبيعتها لم تكد تهدأ فيها حرب حتى تندلع أخرى، وما زالت الحرب مشتعلة في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين، وما زالت (إسرائيل) تشكل حالة توتر مستمرة منذ نشأتها بقرار لا يمت للواقع ولا المنطق ولا التاريخ بصلة، ويتعارض مع أبسط مبادئ العدالة والحق التي ينادي بها العالم الذي يصف نفسه بالمتحضر.</p>
<p>العالم بقاراته القديمة الثلاث التي كانت دائماً الميدان الذي تشتعل فيه الحروب، يوشك أن يدخل في حرب عالمية ثالثة، ولا شك أن هذه الحرب لو وقعت فلن تترك العالم كما كان، ولن تكون نتائجها مجرد بعض التغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب، كما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأظن أن الحرب العالمية الثالثة لو وقعت فإنها ستنهي فكرة الدولة الوطنية، وستنشئ نظاماً عالمياً جديداً كقوة حكومة واحدة مسيطرة متحكمة تمتلك من وسائل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ما يمكنها من التحكم بكل تفاصيل الحياة البشرية بكل دقائقها، بدءًا من صياغة نمط جديد لحياة الفرد في مأكله ومشربه وتعليمه وصحته وتعليمه، مروراً ببناء حضارة عمرانية قائمة على أساس الانسجام التام مع الطبيعة وتسخير طاقة الكوكب لخدمة الحياة الإنسانية، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء البشري الذاتي من الموارد المتاحة على الكوكب والاستغلال الأمثل لهذه الموارد، ثم الانطلاق لاكتشاف الفضاء الخارجي والتعرف على مصادر جديدة للحياة خارج كوكب الأرض.</p>
<p>رؤيتي هذه ليست رؤية حالمة، ولكنها حقيقة لا بد لها أن تحدث بعد ما يقارب قرنًا على نهاية الحرب الكونية الثالثة وفشل الدولة الوطنية في تحقيق رسالة الإنسانية التي صيغت في الجمعية العامة للأمم المتحدة عقب الحرب الكونية الثانية، أقول ذلك إذا سادت قوى الخير وتغلبت الروح الإنسانية في الحرب المتوقعة، وإلا فإن الله وحده يعلم أي مصير مظلم ينتظر البشرية.</p>
<p> </p>
<p> </p>
<p> </p>
|
| 8 |
لجنة الانتخابات الشعبية هي البديل |
<p> </p>
<p>أبدت لجنة الانتخابات المركزية جهوزيتها لإجراء الانتخابات المحلية عقب اللقاء الوطني التشاوري الذي جرى في غزة، وأكد فيه جميع الحضور ضرورة إجراء انتخابات محلية، وذلك بعد أن "عجز الجميع" عجزًا غير مبرر على الإطلاق، عن إقناع أو إجبار أو حتى تجاوز أبي مازن الذي يرفض إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وكأن إرادة الشعب الفلسطيني وحقه الدستوري في اختيار رئيسه وممثليه في البرلمان أصبح مرهونًا بإرادة شخص واحد اعتلى كرسي الرئاسة منذ ثمانية عشر عامًا، رغم أن القانون الأساسي وقانون الانتخابات العامة ينصان على أن مدة الرئاسة هي أربع سنوات، ويحق للرئيس ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية على ألّا يشغل منصب الرئاسة أكثر من دورتين متتاليتين. إلا أن أبا مازن يرفض ترك كرسي الرئاسة بأي حال من الأحوال رغم أنه قد بلغ من الكبر عتيًا.</p>
<p>على كل الأموال وعودًا على بدء، فقد أبدت لجنة الانتخابات المركزية جهوزيتها لإجراء الانتخابات، ولكنها علقت مباشرة الإجراءات على صدور قرار من مجلس الوزراء، وهذا موقف صحيح وفقًا للمادة (4) فقرة (1) من قانون انتخابات مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة (2005) الذي نص على أن "تُجرى الانتخابات المحلية في جميع المجالس في يوم واحد، كل أربع سنوات بقرار من مجلس الوزراء"، وقد عدلت هذه المادة بموجب القرار بقانون رقم (8) لسنة (2012) الصادر عن أبي مازن في المادة (2) فقرة (2) التي تنص على: "في حال تعذر إجراء انتخابات المجالس وفقًا للفقرة (1) يجوز لمجلس الوزراء إصدار قرار بإجراء الانتخابات على مراحل وفقًا لما تقتضيه المصلحة العامة.</p>
<p>على كل الأحوال، فإن إعلان لجنة الانتخابات جهوزيتها لإجراء الانتخابات، يعطي إشارة جيدة ولكنها ليست كافية، لأن القرار بإجراء الانتخابات المحلية يبقى في يد مجلس الوزراء الذي لا يستطيع أن يتخذ أي قرار على هذه الشاكلة دون الرجوع لأبي مازن، وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم تصدر أي إشارة عن مجلس الوزراء حول هذه القضية الوطنية، ويبدو أن السيد سنينة ينتظر قرار أبي مازن بالخصوص، وأنا شخصيًا لست متفائلًا كثيرًا، لأن أبا مازن عوّدنا أن يتخذ كل ما هو محبط للشعب الفلسطيني من قرارات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى خشيته من نجاح تجربة الانتخابات المحلية قد يؤدي إلى تحريك المياه الراكدة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهذا ما لا يريده. وأظن أن الحراك الوطني الفعال الذي عبر عن رغبة عارمة في إجراء الانتخابات المحلية ينبغي أن يُحترم من مجلس الوزراء، وألا يصُم السيد اشتية أذنيه عنه، لكونه يُمثل الإرادة الشعبية التي يجب أن تسمو وتُقدَّم على إرادة الأشخاص، أيًا كانت المناصب التي يتبوؤونها، وبغض النظر عن شرعية أم عدم شرعية وجودهم في تلك المناصب.</p>
<p>الحراك الوطني الذي عبر عنه اللقاء التشاوري والذي أفضى إلى ضرورة إجراء الانتخابات المحلية، يجب ألّا يكرر مأساة أو مهزلة "تعطيل الانتخابات التشريعية" التي افتعلها أبو مازن بقرار فردي جاء بإيحاءات من حكومة الاحتلال وبعض من الحكومات الإقليمية والغربية، ولكن برغبة جامحة شخصية من أبي مازن. وعليه أظن أن الحراك الشعبي والفصائلي يجب ألّا يتوقف كثيرًا عند قرار مجلس الوزراء إذا لم يصدر بالامتثال للإرادة الشعبية، والذي سوف تلتزم به بلا شك لجنة الانتخابات المركزية برئاسة السيد حنا ناصر التي للأسف رغم النص في القانون على استقلاليتها إلا أنها حادت عن هذه الاستقلالية واستجابت لقرار أبي مازن في مايو 2021 وأوقفت الانتخابات التشريعية قبل يوم واحد من بدء الدعاية الانتخابية، رغم أن أبا مازن قانونًا لا يملك إصدار مثل هذا القرار، وكان عليها بموجب استقلاليتها المنصوص عليها في القانون أن تحترم هذه الاستقلالية وتمضي قدمًا في إنقاذ رغبة وإرادة الشعب الفلسطيني، ولكنها لم تفعل. وأمام هذه الحقائق وما أتوقعه من عدم الاستجابة للرغبة والإرادة الشعبية بإجراء الانتخابات، فإنني أكرر اقتراحي الذي ذكرته في مقال سابق بأن يُنفذ الشعب الفلسطيني إرادته التي تسمو على كل إرادة وفقًا للقانون الأساسي الذي ينص في المادة الثانية على: "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في القانون الأساسي".</p>
<p>فإذا كان الشعب هو مصدر السلطات، فيستطيع هذا الشعب باعتباره مصدرًا لكل سلطة، أن يقرر تشكيل لجنة انتخابات شعبية توافقية تشرف على عملية الانتخابات وتديرها تحت رقابة محلية ودولية ليشهد العالم كله بنزاهتها ويفرض بذلك أمرًا واقعًا يكسر به قيد التفرد الذي يمارسه أبو مازن منذ ثمانية عشر عامًا. فإذا ما أراد الشعب فاستجابة القدر لا بد أن تكون حاضرة.</p>
|
| 9 |
أيها القادة.. لم يعد لديكم مزيد من الوقت! |
<p>في آخر مقابلة صحفية لنتنياهو، كرر موقفه الذي كان قد سُرب قبل اجتماع للحكومة الإسرائيلية بأنه يجب اجتثاث فكرة الدولة من جذورها، ولذلك يبدو أن ذلك التسريب كان متعمداً الهدف منه هو التدرج في إعلان الموقف وجس نبض الجهات التي كان متوقع منها رفض هذا التصريح، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية التي ما زالت تعلن أنها مع حل الدولتين، لكن دون ممارسة أدنى ضغط على الاحتلال لتنفيذ هذه الرؤية. نتنياهو رفض "منح" دولة للفلسطينيين -بتعبير المذيعة- حتى مقابل إقامة علاقات طبيعية مع المملكة العربية السعودية، معللًا ذلك "أن هذا الأمر يؤثر في أمن (إسرائيل)، بأنه لن يُقدِم على أي أمر من شأنه المساس بأمنها، معتبراً أن (إسرائيل) هي القوة المهيمنة على المنطقة، وإقامة دولة فلسطينية سيعني انهيارهم وانهيارنا نحن العرب، وكأن وجود (إسرائيل) وقوتها هو الضامن لأمن المنطقة واستقرارها، وأن الدولة الفلسطينية ستكون سببًا في تداعي هذا الاستقرار.</p>
<p>تصريح نتنياهو هذا يعني أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تخفي أبدًا برنامجها السياسي القائم على العودة إلى الأصول الأولى التي قامت عليها "دولتهم"، وذلك بإنكار وجود الشعب الفلسطيني ابتداء، وبالتبعية إنكار حق الشعب الفلسطيني بأن يكون له كيان سياسي مستقل، رغم أن (إسرائيل) نفسها وُجدت بناءً على قرار التقسيم الذي قسم فسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، والأمر الغريب أن القرار الأممي الذي ينبغي أن يكون نافذاً بإدارة المجتمع الدولي أصبح نفاذه متوقفاً على إرادة الحكومة الإسرائيلية، وهذا هو العجب العجاب.</p>
<p>الأمر لا يقتصر فقط على رفض الحكومة الإسرائيلية لفكرة الدولة الفلسطينية، ولكن تدمير إمكانية إقامتها من خلال إقامة المستوطنات بشكل مكثف وفرض إجراءات تمنع الفلسطيني من العيش كأي مواطن في أي دولة في العالم، بل إن بعض الدول تمنح اللاجئين إليها حقوقاً أكثر بكثير من الحقوق التي تمنح للفلسطينيين تحت الاحتلال، ويواكب كل ذلك استمرار فرض الحصار على قطاع غزة ومراكمة الأزمة الإنسانية في جوانبها المتعددة التي تتدرج بانفجار قد يؤدي إلى أن يأكل المجتمع الفلسطيني نفسه، وبذلك تصل الحكومة الإسرائيلية الفاشية إلى مبتغاها. وأمام هذا وذلك، ما زال القادة الفلسطينيون يعيشون ترف النقاش المستفيض لكل شاردة وواردة في الشأن الفلسطيني، وعقد لقاءات ليست ذات قيمة بين الحين والآخر بدعوة من دولة شقيقة تارة وبداعي "الظروف الخطيرة" تارة أخرى، حتى "اللجنة الهزيلة" وهي المُخرَج الوحيد لمؤتمر الأمناء العامين للفصائل، الذي عقد في القاهرة بدعوة من أبي مازن، لم تُشكَّل ولا أظنها ستُشكَّل، ولو شُكلت فلن يكون لتوصياتها قيمة مثل بقية التوصيات التي صدرت عن مراجع سياسية وقانونية أهم وأعلى شأنًا.</p>
<p>الوقت يمر سريعًا، وليس في صالح شعبنا البتة، وكل لحظة تمر على شعبنا في ظل حالة الانقسام هي لحظات من ذهب لصالح الاحتلال، سنتحسر جميعا على هدرها دون جدوى في قادم الأيام، وقد تتخذ قرارات في وقت ما، ولكن لن يكون لهذه القرارات أدنى قيمة، لأنها جاءت متأخرة جداً، فعوامل الانهيار الداخلي لدينا التي يعمل عليها الاحتلال بكل قوة وعلى مدار الساعة، تتراكم سريعًا وتتعدد أوجهها، وستؤدي بالضرورة إلى انعدام قدرة العائلات الفلسطينية على بناء أسر جديدة لعدم مقدرتها على توفير أدنى متطلبات الحياة للجيل الجديد الناشئ من مسكن وتعليم وصحة وتفشٍّ مريع للبطالة وتدني مستويات الطموح الفردي للشباب الفلسطيني إلى حد كبير يصل لمرحلة انعدام الأمل في بعض الأحيان، ليس لعجز الشعب الفلسطيني، ولكن لانعدام الإمكانيات على أرض الواقع بفعل إجراءات الاحتلال وحالة الانقسام السياسي، فلا مجال مفتوحًا للعمل ولا رقعة أرض كافية ولا عملية اقتصادية طبيعية، من خلال شل قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستيراد والتصدير، مع تناقص مستمر في الدعم الدولي والعربي، وما إلى ذلك من أسباب أسهب في شرحها المختصون.</p>
<p>إذن لم تعد الحلول الترقيعية تجدي نفعاً؛ فقد استنفدت تمامًا، والقضية تحتاج إلى حل جذري آن أوانه، ولم يعد هناك مزيد من فائض وقت لديكم أيها القادة.. فانتبهوا. </p>
|
| 10 |
ألا يستطيع الشعب تجاوز القيادة الفاشلة؟ |
<p>كما كان متوقعًا من قبل الكثير من المحللين والقيادات المجتمعية، فشل اجتماع الأمناء العامين للفصائل في تلبية طموح وتطلعات أبناء الشعب الفلسطيني الذي ألِفَ وربما سئم في الغالب مثل هذه اللقاءات التي تعقد دون أن يلمس المواطن الفلسطيني لها أدنى أثر، الأمر الغريب أن المجتمعين منذ سبعة عشر عامًا هم نفس الشخصيات التي تجاوزت لقاءاتها العشرات من المرات، وأظن أن مواضيع النقاش وتفاصيله أصبحت بمثابة النصوص المحفوظة لديهم لكثرة ما ناقشوها وبحثوها ودرسوها، ولم أعد أفهم حقيقة كيف يمكن لهؤلاء "القادة" أن يذهبوا بكل هذه الجسارة لمثل هذه اللقاءات دون أن يحسبوا أدنى حساب لعواقب الفشل، وكأن الفشل الذي يصاحب هذه اللقاءات المتكررة في عرفهم بلا ثمن، نعم فلا ثمن لحالة الإحباط واليأس والتردي التي أورثتها هذه اللقاءات في نفوس أبناء شعبنا، وإلا لما تعامل المجتمعون بهذا القدر من الاستهتار مع هذه اللقاءات، وبغض النظر عن تبريرات من ذهب لهذا اللقاء الذي كان الكثيرون يعرفون نتائجه سلفًا، خصوصًا بعد لقاء أنقرة بين أبي مازن وإسماعيل هنية. فالحقيقة الثابتة أن المؤتمر فشل فشلًا ذريعًا، وهذا الفشل يضاف إلى رصيد حالة الإحباط واليأس والتردي التي أصبحت حالة مَرَضِية مزمنة يعانيها شعبنا، أضف إلى ذلك ما يصاحب هذه الحالة من نتائج كارثية على مجمل القضية الفلسطينية. قديمًا قالوا لنا إن من أسباب سقوط روما أنها كانت محاصرة بجيوش الأعداء، في حين كان نخبها ومثقفوها في حالة جدل سفسطائي حول جنس الملائكة هل هم ذكور أم إناث. ولا أظن أننا -نحن الفلسطينيين- بعيدون عن تلك الحالة، فحكومة اليمين الفاشي تتخذ إجراءات وقرارات حاسمة ومصيرية وغاية في الخطورة على قضيتنا الوطنية، في حين أن الأمناء العامين يجتمعون من أجل الاتفاق على لجنة مهمتها الخوض في الجدل الذي أصبح بمثابة النصوص المحفوظة لكل مشتغل بالشأن السياسي الفلسطيني، كما أسلفت. أمام هذه الحالة المستعصية التي جعلت من طموحات الشعب وآماله رهينة لدى قيادة غير عابئة البتة بهذه الآمال والطموحات، لا بد من أن يقرر الشعب تجاوز هذه القيادة التي أصبحت سدًّا يحول دون وصول الفلسطينيين إلى مبتغاهم. فهل يمكن للشعب أن يتجاوز قيادته العاجزة؟ أجل ممكن، فما يُكسب هذه القيادة "شرعيتها المزعومة" أنها تدّعي تمثيلها الشعب الفلسطيني، وهي في ذات اللحظة تمنع الشعب من اختيار قيادته بدعاوى واهية تلبس ثوب الوطنية تارة والانقسام تارة والأوضاع الميدانية على الأرض تارة أخرى. دعونا نتساءل: ما المانع أمام هذا الواقع المؤلم أن يأخذ الشعب زمام المبادرة ويبدأ باتخاذ خطوات عملية ذات طابع شعبي لتغيير هذا الواقع بتجاوز هذه القيادة، ومن ثم الاتفاق على برنامج وطني جامع تحمله قيادة ذات رؤية وطنية نابعة من نبض الشعب وليست معزولة عنه، نخاطب به العالم كشعب فلسطيني، ويمكن أن يتم ذلك من خلال فرض انتخابات شعبية تشرف عليها لجنة انتخابات شعبية توافقية، وتقوم هذه اللجنة بكل ما يمكن أن تقوم به "لجنة الانتخابات الرسمية" -تلك اللجنة التي لا تستطيع اتخاذ أي إجراء دون قرار من أبي مازن- من تحديث السجل الانتخابي ثم إعلان فتح باب الترشح والإشراف على عملية الدعاية الانتخابية، والطلب من مراقبين دوليين ومحليين مراقبة شفَافِيَة الانتخابات، وتنظيم عملية الاقتراع من خلال وضع صناديق الانتخابات في الجامعات والمتنزهات ومفترقات الطرق العامة، وتكليف لجان شعبية للإشراف على عملية الاقتراع والفرز، ومن ثم إعلان النتائج للعالم، لنثبت أن الشعب الفلسطيني قد اختار قيادته بطريقة ديمقراطية شعبية وبرقابة دولية ومحلية، وسيكون لهذه القيادة التي انتخبت بقرار شعبي، قوة تأثير وممارسة على أرض الواقع رغم أنف الاحتلال، ورغم أنف كل من يرغب في إبقاء الشعب الفلسطيني غارقًا في حالة التشظي التي لا تخدم إلا الاحتلال. فهل يفعلها الشعب ويتجاوز القيادة المفروضة عليه فيختار قيادته بنفسه؟</p>
|
| 11 |
هل يدرك اليمين الصهيوني مآل التعديلات القضائية على الدولة؟ |
<p>وُصفت المظاهرات التي اجتاحت المدن الإسرائيلية بأنها الأشد وطأة على البعد الوجودي للدولة بصفة عامة، ذلك بأن الأمر لم يقتصر على التظاهرات المدنية التي تحدث في كل دول العالم تقريبًا، ولكن ما صاحبها من استقالات على وجه التحديد لضباط وجنود جيش الاحتلال الذي يُعد العمود الفقري لاستمرار وجود الدولة، ورغم كل تلك التظاهرات الصاخبة التي أشعلتها المعارضة فإن التعديلات في نهاية المطاف مُرِّرت وصدَّق الكنيست بالقراءتين الأولى والثانية على مشروع القانون، وأصبح جاهزًا للإصدار من قبل رئيس الدولة.<br />
التعديلات التي قام وسيقوم بها الكنيست استرعت انتباه الراعي الأول للاحتلال، بل أعلى رأس الهرم القيادي فيه وهو الرئيس بايدن الذي وجه نداءً لرئيس الحكومة بضرورة الوصول لأوسع توافق قبل إقرار القوانين، إلا أن هذا النداء لم يجد له صدًى لدى الائتلاف الحاكم الذي سار قدمًا في تعديل منظومة التشريعات القضائية، الأمر الذي وصفه بعض المعارضين أو حتى بعض المحللين بأنه تفكيك للدولة. <br />
ما يحدث في دولة الاحتلال، والإدارة الأمريكية من إبداء كل هذا الاهتمام بما يحصل، يؤشر بوضوح إلى أن المجتمع الصهيوني عامة وقادة الرأي والفكر والنخب خاصة، وكذلك أصدقاء الكيان من الدول والمنظمات، يدركون جميعهم أن المس بدعائم دولة القانون التي أرساها بن غوريون سيكون نذير شؤم؛ ذلك أن تلك الدعائم سبب أساس في استمرار هذا الكيان الهجين من القوميات والإثنيات والثقافات، ولولا وجود هذا النظام القانوني والقضائي الصارم لما أمكن جمع كل هذه التناقضات القائم عليها الكيان في دولة واحدة. وإذن لحاولت منذ البداية كل إثنية أو عرفية أو طائفة أن تستأثر بالحكم دون غيرها، ولَأدى ذلك بالطبع إلى التناحر بين شتات القوميات والإثنيات والثقافات المكوِّنة للكيان وصولًا إلى الاقتتال والتفكك، وتلك حالة سائدة تعتري معظم الدول التي تتكون من طوائف وإثنيات وعرقيات مختلفة، وشاهدنا عبر التاريخ أمثلة على تفكك دول ونزاعات أهلية أدت إلى كوارث ومصائب ما زالت آثارها قائمة حتى الآن.<br />
ما سبق بيانه يضعنا أمام تساؤل كبير: هل عجز اليمين الصهيوني عن إدراك هذه الحقائق حتى يمضي قدمًا في تلك التعديلات التي أحدثت كل هذا الصخب الداخلي لدى الاحتلال؟ وهو الذي كان يسعى أولًا وقبل كل شيء إلى تأمين جبهته الداخلية ودعم صمودها حتى لا تهتز الدولة من الداخل خصوصًا في دولة قائمة على الحروب وتعيش وسط بحر معادٍ لوجودها في المنطقة. <br />
الجواب الذي أعتقده أن نتنياهو يعلم خطورة ما أقدم عليه جيدًا، هو والثنائي سموترتش وبن غفير؛ قادة الائتلاف الحاكم.<br />
أجل إنهم يدركون تمامًا أنَّ تغيُّب القانون والعبث بميزان القضاء وتركيز الحكم بيد السلطة التنفيذية سيؤدي إلى غرس بذور الفرقة وسط المجتمع الإسرائيلي، ولكن يبدو أن اليمين قد حسم أمره بالسيطرة تمامًا على الدولة وإقصاء بقية القوة الليبرالية واليسارية باعتبارها من تسبب في زعزعة استقرار الدولة بعقد اتفاقيات مع الفلسطينيين، وتبني حل الدولتين، والانسحاب من المستوطنات -رغم أن من قام بذلك كان شارون وهو من قادة اليمين، ولكن بدعم من اليسار- الأمر الذي أسفر عن وجود مشكلة حكم وقوة حماس في قطاع غزة، واستلهام المقاومين في الضفة لنموذجها، وتآكل قوة الردع التي قام عليها الكيان، وذلك كله يعد من وجهة نظر اليمين خيانة لعهد الآباء المؤسسين، كما ورد غير مرة على لسان بن غفير وقادة اليمين الديني الصهيوني.<br />
إذن المسألة بالنسبة إلى اليمين أصبحت تتجاوز قضية القيم الديمقراطية التي أُسست عليها الدولة، ولكنها قضية الحفاظ على وجود الدولة نفسها من خلال العودة للفكر الصهيوني الأول الذي نشأت عليه دولة الاحتلال، وهو إنكار وجود الشعب الفلسطيني، وتبني خيارات الترحيل والوطن البديل وما صاحبها من أفكار اعتنقها مؤسسو الكيان للتعامل مع الشعب الفلسطيني. <br />
صحيح أن بعضًا من زعماء اليمين قد يكون لهم استفادة شخصية من التعديلات التي تجري على المنظومة القضائية مثل نتنياهو ودرعي، ولكن ما يُشرِّعه الكنيست من قوانين لم تنحصر فقط في التشريعات القضائية، ولكنها تشريعات تشمل تثبيت الفكر اليميني على الصعيد الداخلي للدولة وعلى الصعيد الخارجي في العلاقة مع الفلسطينيين والعالم، وهو الأمر الذي تسبب في إزعاج الإدارة الأمريكية التي ما زالت تدعو إلى حل الدولتين رغم عدم اتخاذها أي خطوات لدعم هذا التوجه منذ مدة طويلة. <br />
خلاصة القول أن اليمين بشقيه الديني والقومي، يحاول العودة بالدولة فكريًا ودستوريًا ودبلوماسيًا وعسكريًا وأمنيًا إلى بدايات نشأتها، باعتبار أن ذلك العامل الأهم في استمرار وجودها والحفاظ على رسالة مؤسسيها.<br />
فهل نعود نحن الفلسطينيين إلى بداياتنا الثورية كما يعودون هم لبداياتهم الصهيونية؟</p>
|
| 12 |
فكذبوه فعقروها |
<p>تمثل ناقة صالح عليه السلام فكرة الحق المعجز الذي لا يمكن للباطل أن يصاوله بالفكر والمنطق والحجة والرهان، وعند لحظة عجز الباطل هذه يعمد إلى تجاوز حالة الحوار الفكري والعقلي إلى استخدام وسائل الإكراه القائمة على القوة العمياء المسيرة على غير هدى، اللهم بعضًا من مال أو مزايا يتوق لها من غاب عقله وكثر سلاحه. <br />
الفريق الذي عقر ناقة الإجماع الوطني على المقاومة في جنين وتنكر للتوافق الذي عبر ضيق الفصائلية إلى رحابة المقاومة الوطنية الجامعة التي هزمت العدو في جنين، هذا الفريق كذب ذلك الإجماع وشق التوافق ونحا إلى الفرفة وبث الخلاف رغم يقينه بأنه على الباطل، هزمت جنين العدو بصدق التوافق والتلاحم الاخوي بين المقاتلين، فانبعث أشقاها، فعقر هذا التوافق الذي لا يروق أبدًا لمن تنكر سابقا لمخرجات مؤتمر الأمناء العامين للفصائل، ثم دعاها اليوم مرة أخرى ليغطي بتلك الدعوة سوءة نكوصه الوطني عند اقتحام الاحتلال لجنين بتحييد أجهزته -التي طالما استخدمها عصا غليظة يضرب بها مخالفيه في التوجه السياسي- عن القيام بالحد الأدنى من واجبها في الدفاع عن جنين، وبدلًا من تضميد جراح جنين النازفة ودعم صمودها، عمد إلى نكأ جراحها ولاحق مجاهديها، وطعن الإجماع الوطني بإثارة النعرات الفصائلية المقيتة، وتجاهل كل الدمار والخراب الذي تركه العدو في جنين ليركز على مركز شرطة أحرقه بعض الثائرين غضباً من نكوص أفراد الأجهزة الأمنية على أعقباهم إبان هجمة الاحتلال، وتركوا المخيم يواجه مصيره، وجعلوا من حرق مركز الشرطة قميص عثمان وراحوا يلوحون به في وجه الأبطال الذين صدوا اجتياح العدو وجعلوا من جنين أيقونة صمود وتحدٍّ عالمية.<br />
كان بإمكان ذلك الفريق أن يتغاضى عن هذه الحادثة المعزولة، ويعلي من قيمة التوافق الذي ساد جنين وأثمر هذا الصمود الرائع، ولو لم يكن من أجل إبقاء جذوة التوافق الوطني القائم في جنين، فلأجل إنجاح مؤتمر الأمناء العامين الذي دعا إليه أبو مازن في إثر اقتحام الاحتلال لجنين، وذلك حتى يبقى لهذه الدعوة صدى في قلوب وعقول المعنيين رغم التجربة البائسة لهم في تعامل أبو مازن مع مخرجات المؤتمر الأول، ولكن يبدو أن الأشقياء الذين ما زالوا يفضلون منهج التنسيق الأمني والتساوق مع مخططات العدو الهادفة إلى ضرب الوحدة الوطنية القائمة على أساس مقاومة الاحتلال يجدون من يقوم دائمًا بالمهمة القذرة التي يأباها كل حر. </p>
<p>أتساءل: كيف يمكن لفلسطيني أن يُقدِم على اعتقال من بذل روحه رخيصة في سبيل الوطن وتصدى للعدو بسلاحه الطاهر وأقسم على صون شرفه وقدسيته؟ كيف يمكن أن يلاحق من دافع عن نساء وأطفال مخيم جنين، وبأي وجه يمكن لمن يقوم بهذه الجريمة أن ينظر إلى عيون أطفاله، وأي دم ذلك الذي يجري في عروقه، حتى لو برر جريمته هذه بدعاوى مزيفة كإعادة النظام أو فرض القانون، التي لا تعني إلا شيئًا واحدًا، وهو قيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بما عجز عنه الاحتلال خلال اقتحامه جنين، ولا أظن أن تلك المحاولات تفلح، كما لا أظن أن العدو الذي أقدم على اقتحام جنين بهذه الوحشية والهمجية ما زال يثق بقدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على القيام بالدور الذي يرضاه لها، إذن لَما أقدم على اقتحام جنين بهذه القوة الغاشمة، وكذلك لا أظن أن الذي تصدى لجبروت قوة الاحتلال وهزمها يرضى بعد ذلك بالخضوع لبرنامج التنسيق الأمني الذي يأباه كل ثائر.<br />
جنين تقاوم الغاصبين منذ عام 1936م وثورة القسام التي تتجدد في أجيال مخيم جنين هي مآثر الأجداد التي يتناقلها أبناء جنين كثقافة شعبية تشكل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، جنين لا تُكسر ولا تهزم، ومن عقر ناقة توافقها ومقاومتها وعزها ومجدها سيدمدم ثوار جنين بجريمة التنسيق الأمني ويسوون بالأرض بناء هذا النهج الذي تطاول بالباطل على أرض الحق</p>
|
| 13 |
دعوة الأمناء العامين وقرارات المجلس الوزاري المصغر |
<p><a name="_Hlk140063148">ليست بعيدة الفترة الزمنية التي فصلت بين دعوة أبو مازن لاجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وبين قرارات المجلس الوزاري المصغر للاحتلال الذي أقر فيه جملة من التسهيلات للسلطة الفلسطينية وأوقفها على شرط التزام السلطة بوقف سياساتها ضد "إسرائيل" أمام المحافل الدولية، ووقف صرف مخصصات الشهداء والجرحى والأسرى. </a></p>
<p>دعوة الأمناء العامين للفصائل لم تكن على جدول أعمال أبو مازن؛ فلم يكن الرجل مكترثًا البتة بجمع كلمة الشعب الفلسطيني من خلال الأمناء العامين، بل كان يفضل العمل منفردًا كما هو الحال منذ عام 2005م، رغم كل المناشدات والمطالبات الشعبية والفصائلية لأبو مازن بوقف سياسة التفرد بالقرار، وإشراك الشعب الفلسطيني ممثلًا بفصائله، لا سيما تلك الفصائل الفاعلة على الساحة الفلسطينية في اتخاذ القرار، والكف عن ممارسة القيادة المنفردة من خلال إطار شكلي لا قيمة له يسمى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير -حتى ذلك الهيكل المتداعي همشه أبو مازن وجعله مجرد هيئة استشارية ليس لها سلطة اتخاذ القرار-.</p>
<p>بل إن القرارات التي اتخذها المجلس الوطني الفلسطيني ممثلًا بالمجلس المركزي لمنظمة التحرير، وهو أعلى هيئة قيادية للشعب الفلسطيني، قد ضُرب بها عُرض الحائط، ولم ينفذ أي قرار منها، على كل الأحوال فإن دعوة أبو مازن لاجتماع الأمناء العامين للفصائل جاءت عقب اقتحام العدو لمخيم جنين وتصدي الـمقـاومة بكل بسالة لهذا الاقتحام وإفشاله؛ الأمر الذي أظهر العجز التام للسلطة عن القيام بأي دور لها في حماية المخيم، وأظهرها بمظهر العاجز الذي لا يملك إلا أن يكون وكيلًا أمنيًا للاحتلال، وهذا بالمناسبة ما صرح به غير مرة قادة العدو؛ الأمر الذي استشعرت معه قيادة السلطة خطر تفلت قبضتها على الضفة الغربية بعد أن كفر بها وبدورها المواطن الفلسطيني، وهو ما عبر عنه أبناء مخيم جنين بطرد ممثلي حركة فتح والسلطة الفلسطينية من المخيم، ورشق مقر المقاطعة في محافظة جنين بالحجارة.</p>
<p>بالعودة قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا في 3-9-2020م، وهو تاريخ انعقاد الاجتماع الأول للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بين رام الله وبيروت، حيث حضر الاجتماع ممثلون عن 14 فصيلًا فلسطينيًا بينهم رئيس حركة حماس السيد/ إسماعيل هنية ورئيس حركة الجهاد الإسلامي السيد/ زياد النـخالـة، وربما كان هذا الاجتماع الأول الذي جمع كل الفصائل الفلسطينية سواء تلك المنطوية تحت لواء منظمة التحرير أو تلك التي ما زالت خارجها، وبما تمثله حركتا حماس والجهاد الإسلامي من ثقل في الساحة الفلسطينية، وقد ترأس الاجتماع أبو مازن شخصيًّا، وكان من أبرز قرارات هذا الاجتماع ما يلي:</p>
<p>1- أدان البيان الختامي للاجتماع "المؤامرات والمخططات التي تقوم بها حكومة الاحتلال وإدارة ترامب، من خلال "صفقة القرن" ومخططات الضم، وتمرير التطبيع المجاني.</p>
<p>2- أكد البيان الختامي التمسك بهدف إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967، وعاصمتها القدس المحتلة، وأن لا دولة في غزة ولا دولة من دونها، وحل قضية عودة اللاجئين على أساس القرار 194.</p>
<p>3- توافق المجتمعون على ضرورة التأسيس لنظام سياسي ديمقراطي واحد، وسلطة وقانون واحد، على قاعدة التعددية السياسية والفكرية، والتداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل.</p>
<p>4- شدد البيان الختامي على أن تحقيق الأهداف الإستراتيجية لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، يستوجب إنهاء الانقسام، وإنجاز المصالحة، وتجسيد مبدأ الشراكة الوطنية الفلسطينية.</p>
<p>5- تقرر تشكيل لجنة تضم شخصيات وطنية وازنة تقدم رؤية إستراتيجية لإنهاء الانقسام، والشراكة في ظل منظمة التحرير الفلسطينية، على اعتبار أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، خلال مدة لا تتجاوز خمسة أسابيع، على أن تقدم توصياتها للجلسة القادمة للمجلس المركزي الفلسطيني.</p>
<p>6- ناقش المجتمعون قواعد الاشتباك مع الاحتلال، بما في ذلك تفعيل العاملَيْن الإقليمي والدولي، وأكدوا حق الشعب الفلسطيني في ممارسة كل أساليب النضال المشروعة، وتوافقوا على تفعيل وتطوير الـمقـاومة الشعبية الشاملة بصفتها "خيارًا أنسب للمرحلة".</p>
<p>7- اتفق المجتمعون على تشكيل "قيادة وطنية موحدة تقود فعاليات الـمقـاومة الشعبية الشاملة"، على أن توفر اللجنة التنفيذية لها جميع المستلزمات لاستمراريتها.</p>
<p>إلا أن تلك المقررات لم ترَ النور أبدًا، وتم التنصل منها تمامًا، وذلك بمجرد أن حدث تواصل بين الاحتلال وحسين الشيخ الذي يرأس وزارة الشؤون المدنية المختصة بالتواصل مع الاحتلال، وأبدى الاحتلال له استعداده لتقديم بعض التسهيلات للسلطة الفلسطينية.</p>
<p>بعد مرور ثلاثة أعوام على الاجتماع الأول الذي لم تتحقق أي من مقرراته، تأتي دعوة أبو مازن لاجتماع آخر، ولكن هذه المرة سبقت تسهيلات العدو المشروطة الاجتماع ليطرح السؤال المشروع: ما الضامن لتنفيذ مقررات الاجتماع المزمع عقده ما دامت مقررات الاجتماع السابق لم تنفذ بعدُ؟ وما دام أن توجه أبو مازن ما زال يميل إلى الإصرار على مد جسور التواصل مع الاحتلال بأي ثمن وقطع جسور التواصل مع فصائل العمل الوطني تحت ذرائع واهية؟</p>
<p>وهل يمكن لاجتماع الأمناء العامين القادم أن يفضي إلى انتخابات فلسطينية رئاسية برلمانية عامة كحق معطل بقرار من أبو مازن للشعب الفلسطيني؟ علمًا أن ساعة كتابة هذا المقال كان هناك حديث يبث عبر قناة الجزيرة للسيد/ محمد اشتية رئيس الوزراء قال فيه بصراحة إن "إسرائيل" تضع فيتو على الانتخابات الفلسطينية، ذلك باعتبار رفضها لإجراء الانتخابات في القدس.</p>
<p>من الجيد أن يعقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل، ولكن يجب أن يحاط هذا الاجتماع بضمانات كافية لتنفيذ مقرراته حتى يصبح لهذا الاجتماع قيمة في نظر الشارع الفلسطيني الذي لم يعد قادرًا على استيعاب أو تحمل المزيد من الاجتماعات الفارغة.</p>
<p>غزة في 12/7/2023م</p>
|
| 14 |
في جنين بيت وحديقة |
<p>الاسم الرومنسي الذي اختاره الجيش الصهيوني لعمليته العسكرية في جنين لا يوحي أبدًا بالهمجية والوحشية التي يمارسها العدو في اجتياحه البربري للمخيم، ربما كان الاسم يوحي بأن جنين لقربها من قلب كيان العدو تعد الحديقة الخلفية لبيت لهذا الكيان، الأمر الذي يوجب عليه أن يُؤمِّنها كي يتسنى له العيش بهدوء، ولكن والحال هذه على العدو أن يعترف أن هذه الحديقة لم تكن يومًا آمنة أو يمكن للاحتلال أن يتفيأ ظلالها، ذلك أن جنين على مدار التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني كانت وقودًا للثورة الفلسطينية منذ ثورة الشيخ عز الدين القسام وحتى اليوم، والحديث يدور عن نحو مئة عام من الثورة، العدو الصهيوني يدفع اليوم بألف جندي مستخدمين أحدث الآليات العسكرية مدعومين بالطيران المروحي المسير والحربي وأحدث وسائل التكنولوجيا العسكرية، وذلك للسيطرة على مخيم مساحته نحو نصف كيلو متر مربع وعدد سكانه قرابة 27 ألف نسمة، وهذا الكم الهائل الغير المتناسب من القوة العسكرية المفرطة التي يستخدمها العدو، وإن كان يريد من خلالها إظهار القوة وتحقيق حالة ردع كما يدعي، إلا أنها تشي بحالة من الرعب الشديد الذي يعتري هذا العدو، فالخائف دائمًا يستخدم كل ما في يده من قوة وسلاح دون وعي ليشعر نفسه لا إراديًا بالأمن، وهذا الذي يحدث الآن في جنين بين المقاومين والعدو، حتى حالة تضخيم القدرة البسيطة للمقاومين الفلسطينيين الذين لا يتجاوز عددهم على أبعد تقدير نحو 100 إلى 150 مقاومًا في المخيم، والزعم بضبط مختبرات أسلحة وذخائر هي مهزلة، فالشباب الثائر في جنين لا يستخدم إلا بعض المواد الأولية البسيطة التي يضعها في بعض الأنابيب المعدنية البسيطة، محاولًا صناعة مواد متفجرة يقاوم بها كل هذه الترسانة العسكرية، فالادعاء أن وجود بعض هذه المواد في غرفة منزل تعد مختبرًا لتصنيع الأسلحة هو عبارة عن "مسخرة" يحاول جيش الاحتلال أن يداري بها العار الذي يجلل عسكريته المدعاة، فالعسكري الذي يحترم عسكريته يأبى عليه شرفه العسكري وتاريخه أن يستخدم سلاحه ضد عُزَّل أو يستخدم قوة هائلة في مواجهة شباب مدني يقاتل ببعض الوسائل البدائية ويتحدى هذه الترسانة العسكرية، وهذا ما يحاول العدو أن يداريه بإطلاق بعض المصطلحات التي من شأنها أن تجعل لعسكريته معنى، هذا إن اعتبرنا أن لهذا الجيش شرفًا عسكريًّا أصلًا بالنظر إلى تاريخه المكتوب بالعار.</p>
<p>ما يحدث في جنين هو نفسه الذي حدث في مناطق غزة تمامًا، وكأن هذه العملية نسخة مكررة تمامًا عن تلك الممارسات التي مورست في مناطق قطاع غزة، فنبش الشوارع بالجرافات العسكرية خوفًا من العبوات الأرضية، وهدم جدران البيوت وفتح ثغرات بها ليتنقل من خلالها الجنود خوفًا من القناصة، واستهداف البيوت من الجو للقضاء على المقاومين المتحصنين فيها، كل ذلك حدث في غزة، لكن لم يُجدِ ذلك نفعًا ولم ينَل العدو من إجراءاته هذه إلا بث روح الجسارة والتحدي في نفوس المقاومين، التي انعكست في كل مرة على قوة أداء في الميدان واكتساب خبرة وتجربة، بعد ذلك تحررت غزة وأصبحت حرامًا على الاحتلال، وستكون جنين والضفة حرامًا على الاحتلال، وستنتهي هذه العملية العسكرية، ولكنها لن تنتهي كما انتهت عملية السور الواقي، لأن واقع اليوم يشير بوضوح إلى أن ما يحدث سيفضي إلى نفس النتائج التي انتهت إليها الأحداث في غزة نظرًا إلى تشابه بل تطابق المقدمات.</p>
<p>إذن، ستبوء هذه العملية بالفشل، وستبقى جنين وسيبقى الثوار في جنين وستبقى المقاومة تمتد وينحسر العدو بعد أن يستنفد كل إمكانياته حتى يعجز ولا يبقى لديه وسيلة تهديد أو إرهاب ليستر بها ذلك العجز ثم لا يجد أمامه إلا الانكفاء، ليبقى الثبات في الأرض للفلسطينيين والزوال والرحيل للاحتلال، هذه هي الحقيقة التي تؤكدها شواهد التاريخ والواقع الذي يجري على الأرض، وهي أن الفلسطيني هو الثابت والاحتلال هو المتغير الزائل.</p>
<p>05/07/2023م.</p>
|
| 15 |
هجمات العدو وإعداد المقاومة.. إلى أين؟ |
<p><br />
خلال السبعة عشر عامًا الماضية خاضت المقاومة (وإسرائيل) نحو عشرين جولة صراع، منها خمس حروب كان آخرها حرب ثأر الأحرار قبل أيام قليلة، وبعد كل حرب أو تصعيد من جولات الصراع، لم تكن المعادلة بين الطرفين تتغير كثيرًا، اللهم إلا ادعاء الاحتلال أنه حقق أهدافه من العملية الحربية، وإعلان المقاومة أنها أفشلت أهداف العدو وحافظت على قواعد الاشتباك التي حاول الاحتلال تغييرها لصالحه. <br />
المحللون العسكريون والسياسيون المحسوبون على الاحتلال تذهب تحليلاتهم إلى أن (إسرائيل) ما زالت تنتهج أسلوب جزّ العشب تجاه المقاومة؛ بمعنى إضعاف قدرات المقاومة كلما وجدت من خلال معلوماتها الاستخبارية أنها تعاظمت، ويشمل ذلك طبعًا التخلص من بعض القيادات سواء العسكرية أو السياسية كلما أمكن ذلك.<br />
وفي الوقت ذاته يعلن المحللون والمتابعون المحسوبون على المقاومة أن المقاومة خرجت بعد كل جولة تصعيد أكثر قوة وأشد عزمًا ومضاءً وإصرارًا على تحقيق الأهداف، وبين هذا وذاك تبقى رحى الصراع دائرة. لا شك أن الصراع الدائر هو صراع حق وباطل، ولا شك أن الشعب الفلسطيني ومقاومته على الحق والعدو على الباطل، ولا شك أن حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال لتحرير أرضه مدعوم بالقرارات الدولية وحقائق التاريخ والمنطق والضمير الإنساني، ولا شك أن وجود الاحتلال قائم على غطرسة القوة ولغة المصالح وتغييب القانون الدولي وموت الضمير، ويبقى المواطن الفلسطيني الذي يعاني منذ مئة عام واقعًا تحت المعاناة الإنسانية التي تتعدد أشكالها ما بين الموت وتدمير البيوت واعتقال الأبناء والآباء وتجريف الأراضي وحرق الأشجار، ناهيك بالفقر والعوز الناتج عن الحصار المجرم الذي يفرضه العدو على المواطن الفلسطيني في غزة، وأساليب القهر الإنساني والفصل العنصري المفروضة على المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وداخل الخط الأخضر 1948م، ولكن الحق يبقى قائمًا لا يمكن لكل قوى الأرض أن تسلبه أو تغيبه أو تلغيه ما دام صاحبه يتمسك به، ولا يمكن للباطل أن يشرعن حتى لو وقفت كل قوى البغي خلفه، وسيبقى وجوده باطلًا لا أصل له، وأمام هذه الحقائق يجب على القيادات التي ترعى مصالح شعوبها أن تعمل بحكمة الأنبياء والصديقين من أجل تحقيق ما يمكن تحقيقه من تلك المصالح، دون الغلو في استنزاف طاقات الشعب المستنزفة أصلًا، ودون رفع شعارات ذات أسقف عالية تدغدغ عواطف المواطن لمدة، ولكنها في الوقت ذاته تزيد استنزاف طاقاته دون طائل، ثم تصبح هذه الشعارات بمنزلة قيد يكبل من رفعها وتغنّى بها، ولا يجد سبيلًا للتنازل عنها فيصبح أسيرًا لها، وكذلك دون تفريط يضيع الحقوق التي سالت في سبيلها الدماء، وضُحِي من أجلها بالحريات، وخِيضَتْ في سبيلها المعارك بدعوى الواقعية التي هي في أصلها استسلام، فالمقاومة حق وواجب، وهي تعني التضحية في أبهى صورها، ولكن العمل وفقًا لها لا ينبغي أن يكون على حساب استنزاف الوطن والمواطن دون أي نتيجة تتحقق، وإلا كنا كمن يهدم ما تبقى من البيت من أجل بناءٍ أحدث وأقوى وهو لا يملكه، ونصبح كالذي لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع. <br />
فالمقاومة هي وسيلة الشعوب لتحقيق آمالها وتطلعاتها ونهضتها ورفاهيتها، من أجل ذلك تكون التضحية التي تُقدم للحصول على الحق فلا تضحية بدون هدف وإلا كانت تضحية عبثية، علمًا بأن التمسك بالحق بحد ذاته هو مقاومة، بل وأصل المقاومة وما يصاحب هذا التمسك من مفاعيل ميدانية وسياسية هو انعكاسات لشكل التمسك بالحق كموقف مبدئي. <br />
إذن أخلص مما سبق إلى نتيجتين: الأولى أن شعبنا يرفض التنازل عن حقه، ويرفض مسارات التسوية الوهمية مع العدو بعد أن ثبت خِداعه هو والمجتمع الدولي، ولقد عبر عن ذلك جليًّا بشكل قانوني في الانتخابات التي جرت وتجري في الجامعات والنقابات والتي لا تزال معطلة للمجلس التشريعي والرئاسة بقرار ممن تشبث بالسلطة دون وجه حق، كما عبر شعبنا عن ذلك ميدانيًّا من خلال الالتفاف الجماهيري الواسع حول قوى المقاومة ونبذ وعزل بل وازدراء الفريق الضئيل الذي ما زال يتشبث بمسار التسوية وهمًا أو مصلحةً.<br />
والنتيجة الثانية هي أن شعبنا متمسك بحقه، ويساند كل من يتمسك بهذا الحق، ومستعد للتضحية من أجل الحق، ولكن على من يقود هذا المسار أن يتحلى بحكمة السير في طريق الأشواك الدامي، بحيث يجعل للمواطن فسحة يلتقط أنفاسه منها حتى تبقى لديه القدرة على المواصلة، فلشعبنا الحق في أن ينال بعضًا من العيش الكريم والآمن، وأن نفتح أمامه آفاق المستقبل، فالمقاومة لا تعني العدمية، ولا تعني إغلاق الأفق، ولا تعني وجوب أن يعيش الفلسطيني بشكل دائم بين رائحة الموت وطعم الدم ولهيب النار، وهذه مسؤولية القيادة وحكمتها التي أولاها شعبنا راغبًا واثقًا شرف القيادة.<br />
31/05/2023م</p>
|
| 16 |
هل تسعى (إسرائيل) من خلال تهديداتها لإنتاج حرب 67 جديدة |
<p>أسرفت (إسرائيل) خلال الأيام الماضية في إطلاق جملة من التهديدات غير المعهودة لمحور المقاومة بصفة عامة وإيران بصفة خاصة، وذلك على لسان عدة قادة صهاينة أبرزهم نتنياهو وغالانت ورئيس الأركان هاليفي ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساهي هنغبي، ذلك الأخير أعلن في مؤتمر هرتسيليا للأمن القومي الإسرائيلي أنه ينبغي القيام بحملة شبيهة لما حدث في عام 1981 حينما قصف بيغن مفاعل تموز العراقي، وعام 2006 حينما شن أولمرت حملته ضد لبنان، ثم عام 2008 حينما شن حملته ضد غزة، في حين صرح الآخرون أن لديهم القدرة على ضرب إيران.<br />
والملاحظ في هذه التهديدات أنها تأتي في سياق إظهار القدرة على ضرب محور المقاومة وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية، بِعَدِّها أساس هذا المحور والقوة الرئيسية فيه، رغم أن الخطاب الإعلامي الصهيوني دأب خلال السنوات الماضية على تبني خطاب دفاعي يرتكز على أساس التهديد الوجودي للكيان الصهيوني، وكان عادةً ما يواكب تصريحات لقادة من المحور حول مشروع المحور في القضاء على دولة الاحتلال أو يواكب وتيرة عمل المفاعلات الذرية الإيرانية وقدرتها على تجاوز نسب محددة في تخصيب اليورانيوم تمثل بالنسبة إلى (إسرائيل) خطًا أحمرَ.<br />
التهديدات الإسرائيلية المتلاحقة ربما تأتي في سياق تهيئة الرأي العام العالمي والإقليمي على قبول عزم (إسرائيل) المزعوم لضرب القدرة الإيرانية المتصاعدة لإنتاج السلاح النووي، وهي محاولة في السياق ذاته للخروج من العباءة الأمريكية في التعامل مع الملف النووي الإيراني على اعتبار أن هناك تباينًا أصبح يتسع مع الوقت بين الموقف الأمريكي والإسرائيلي في التعامل مع هذا الملف، إذ لا تزال الولايات المتحدة تحبذ العمل بالطرق الدبلوماسية وصولًا إلى اتفاق جديد، في حين ترى الحكومة الإسرائيلية الحالية أن الحل العسكري هو الأجدى باعتبار أن الدبلوماسية لم تؤدِّ إلا إلى تطور القدرة الإيرانية من خلال استغلال إيران عامل الوقت.<br />
وربما تحاول (إسرائيل) من خلال إطلاق جملة التهديدات للمحور الاستعداد لإنتاج "حرب أيام ستة" جديدة أو ما يطلق عليه بالعبرية "شيشت هياميم"، تلك الحرب التي سماها العرب النكسة التي ما زلنا نعيش آثارها حتى اليوم من تدمير السمعة العسكرية العربية وعلو كعب (إسرائيل) في المنطقة، والتعامل معها عالميًا على أنها قوة إقليمية مهيمنة بعد أن كان وجودها في نظر العالم على المحك قبل يوم واحد من تاريخ 5 يونيو 1967م.<br />
(إسرائيل) تشعر أنها بحاجة ماسة اليوم إلى حرب شبيهة تعمل على تثبيت جذورها مرة أخرى ربما لخمسين سنة قادمة أو أكثر، ولذلك تأتي التصريحات الصهيونية التي تشير إلى أن (إسرائيل) مقبلة على حرب كبيرة وصعبة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل (إسرائيل) قادرة على إنتاج "حرب ستة أيام" جديدة، بمعنى حرب قصيرة خاطفة وحاسمة كما كانت حرب عام 1967م؟<br />
أظن أن ذلك صعب للغاية على (إسرائيل) في الوقت الحالي، فلا الجيوش هي الجيوش ولا القيادات هي القيادات ولا التكتيكات العسكرية هي ذاتها ولا العقيدة القتالية التي يتمتع بها الفريقان المتقابلان هي العقيدة ذاتها.<br />
فحرب الأيام الستة التي حسمتها (إسرائيل) بضربة جوية لا يمكن أن تحسم حربًا في 2023 بالطريقة ذاتها، إذ إن سلاح الجو الصهيوني يقصف غزة ولبنان وسوريا منذ 2006، وحتى اللحظة لم يحقق أي حسم لأي معركة، وفي كل مرة كانت قوة الردع الإسرائيلي تتآكل أكثر، أما بالنسبة إلى الجيوش العربية التي استغلت (إسرائيل) في الـ67 انتشارها الكثيف وحركتها الثقيلة فتصيدتها بطائرات الهليكوبتر بعد أن كشفت غطاءها الجوي بضرب سلاح الجو المصري والسوري، وأصبحت لقمة سائغة سهلة المنال لم تعد كما كانت، فليس هناك جيوش ظاهرة مكشوفة ذات حركة ثقيلة، وإنما مقاومة مسلحة مخفية سريعة الحركة ومرنة التواصل قوية الضربات.<br />
أما العقيدة القتالية فقد انعكست باتجاه تمتع المقاتل لدى محور المقاومة عمومًا والفلسطيني خصوصًا بعقيدة قتالية راسخة جعلت منه مقاتلًا لا يعرف طريق التراجع والاستسلام، ويُقبل على الشهادة ومعتزًّا مفتخرًّا، ولم يعد ذلك الجندي الذي يبتر سبابته للتهرب من الجندية. وفي المقابل أصبح الجندي الصهيوني يعتريه ضعف وهوان واضح، ولا يمكن له القتال إلا إذا توفرت له حماية مؤكدة تحميه من الإصابة والقتل؛ الأمر الذي جعل منه جنديًّا هزيلًا غير أهل للحرب البرية، وهذا ما صرح به عدد من قادة جيش الاحتلال.<br />
الأمر الأهم في هذا السياق أن (إسرائيل) خلال عشرين جولة صراع منذ عام 2002 حتى اللحظة لم تستطع حسم المعركة مع فصائل المقاومة، فكيف لها أن تحسمها الآن مع رأس محور المقاومة، وهي الجمهورية الإسلامية بكل القدرات والإمكانات التي لديها؟ بمعنى أن (إسرائيل) التي لم تقدر على حسم المعركة مع حلفاء إيران المدعوين منها، والتي تعُدُّهم (إسرائيل) أذرع لها، كيف لها أن تحسم المعركة مع القوة الأكبر والأكثر تأثيرًا؟<br />
كل ما سبق يدفعنا إلى التفكير بأن (إسرائيل) ربما قررت أن تقوم بـ"حرب ستة أيام" جديدة من خلال استخدام سلاح غير تقليدي آن أوان استخدامه لحسم المعركة مرة أخرى لخمسين عامًا قادمة وربما أكثر، وإذا ما أقدمت (إسرائيل) على استخدام سلاحها غير التقليدي، فهذا يعني أنها وصلت إلى قناعة راسخة بأن وجودها مهدد وعلى المحك كما كان عشية حرب 1967، ولكن هل يمكن لسلاحها غير التقليدي -لو استخدم- حسم المعركة فعلًا، وهل هي قادرة على تحمل تبعية استخدام هذا السلاح إذا ما امتصت إيران الضربة؟<br />
غزة في 25/5/2023</p>
|
| 17 |
نكبونا ثم يحتفلون بنكبتنا - الأمم المتحدة 1948م – 2023م |
<p><br />
في 29 نوفمبر 1947م صدر القرار الشهير عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 المعروف بقرار التقسيم الذي بموجبه قسمت فلسطين إلى ثلاثة كيانات جديدة: الكيان الأول دولة عربية مساحتها 42.3%، ودولة يهودية مساحتها 57.7%، وبقاء القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة لهما تحت الوصاية الدولية، وفي 14 مايو 1948م أعلن بن غوريون قيام "دولة إسرائيل" وعودة "الشعب اليهودي" إلى ما أسماه أرضه التاريخية، وفي 11 مايو 1949م صدر قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقبول "إسرائيل" عضوًا في الجمعية العامة للأم المتحدة بعد أن رُفض ثلاث مرات، وقد ورد في شرط قبولها عضوًا في الجمعية العامة أن تلتزم "إسرائيل" تطبيقَ قرارَي الجمعية العامة رقم 181، وهو قرار التقسيم والقرار 194، وهو القرار الخاص بعودة اللاجئين، وقد جاء النص على هذين القرارين واضحًا على النحو التالي: "وإذ تشير -يقصد الجمعية العامة- إلى قراريها الصادرين في 29 نوفمبر 1947م وفي 11 ديسمبر 1948م، وإذ تحيط علمًا بالتصريحات والإيضاحات التي صدرت عن ممثل حكومة (إسرائيل) أمام اللجنة السياسية المؤقتة فيما يتعلق بتطبيق القرارات المذكورة".<br />
طبعًا لم تلتزم (إسرائيل) تطبيق أي من تلك القرارات، بل لقد أمعنت في الذهاب بعيدًا في مخالفتها لتلك القرارات من خلال القوانين التي أصدرها الكنيست الصـמـيوني، التي من أبرزها قانون ضم القدس الصادر عام 1980م. <br />
طبعًا الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما قررت تقسيم فلسطين، كانت تعلم جيدًا أن عدد اليهود في فلسطين عام 1914م لم يكن يتجاوز 8%، وأن تدفق اليهود إلى فلسطين تركز بين عامي 1932م و1939م وصولًا إلى عام 1948م، إذ وصلت نسبة اليهود نحو 31.5%، وذلك بتسهيل وتواطؤ من سلطات الانتداب الإنجليزي تنفيذًا لوعد بلفور الباطل.<br />
وعلى الرغم من ذلك فقد قررت الجمعية العامة منح هذه الأقلية -التي لم يمر على وجود الأغلبية العظمى منها على أرض فلسطين نحو عشر سنوات فقط- قرابة 57% من مساحة فلسطين، في حين أبقت للشعب الفلسطيني قرابة 42% فقط، علمًا بأن المدة التي زادت فيها وتيرة الهجرة اليهودية لفلسطين كانت مشتعلة بالثـورö احتجاجًا على هذه الهجرة، وهي ثـورö 1936م التي قمعها الانتداب البريطاني بكل قسوة، وعلى الرغم من كل الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني من هذه القرارات الباطلة الظالمة الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن الجمعية العامة التي منحت (إسرائيل) العضوية استنادًا لقرارها بتقسيم فلسطين لم تمنح فلسطين -حتى لحظة كتابة هذا المقال استنادًا لنفس القرار- نفس الحق، بغض النظر عن الإجراءات القانونية المدعاة"، بل لقد تنازلت القيادة الفلسطينية الرسمية وقبلت بنصف المساحة التي قررها قرار التقسيم تقريبًا إلا أن (إسرائيل) ما زالت ترفض ذلك على الرغم من التزامها قبولَ قرار التقسيم وقرار عودة اللاجئين شرطًا لقبولها عضوًا في الجمعية العامة، ثم تأتي الجمعية العامة بعد 75 عامًا من نكبة الشعب الفلسطيني الذي كانت الجمعية العامة سببًا رئيسيًا وأساسيًا فيه لتعقد جلسة خاصة بمناسبة النكبة ليسمع الشعب الفلسطيني بعض عبارات التعاطف دون أن يكون هناك أي إجراء عملي على الأقل لتنفيذ قرار التقسيم نفسه الذي قررته الجمعية العامة أو إعادة النظر في عضوية (إسرائيل) لكونها لم تنفذ شروط قبولها عضوًا.<br />
الجمعية العامة وهي تعقد الجلسة الخاصة بمناسبة النكبة، التي عدَّها كثيرون "الجلسة التاريخية"، هي عبارة عن مسرحية هزلية تشبه إلى حد كبير حزن الذئب على الحمل الوديع الذي سبق أن مزقه بأنيابه إربًا. <br />
بل ما زال العالم يصمت على كل الجرائم التي تمارس بحق الشعب الفلسطيني وفقًا للقوانين التي أقرتها الجمعية العامة نفسها، ولم تملك هذه الجمعية العامة سوى التنديد الخجول أو إصدار توصيات لا قيمة لها. <br />
الجمعية العامة تضم اليوم نحو 196 دولة، تصوت معظم هذه الدول حاليًا لصالح القضية الفلسطينية، لكنها لم تجرؤ في يوم من الأيام أن تصوت لصالح طرد (إسرائيل) وإنهاء عضويتها من الجمعية العامة بعدما ثبت أنها كيان عـ.ـدواني استيطاني فاشي خلافًا لما ورد في قرار قبول عضويتها من أنها محبة للسلام، الجمعية العامة تحجم عن السير في هذا المسار، على اعتبار أن العضوية وإنهاءها لا يكونان إلا بتوصية من مجلس الأمن الذي تهيمن عليه الدول الخمس دائمة العضوية، التي يوجد منها ثلاث دول مؤيدة تأييدًا مطلقًا لـ(إسرائيل)، هي: أمريكا وفرنسا وبريطانيا. <br />
والغريب أن هذا النظام الظالم الذي لم يمنح على الأقل دولة إفريقية واحدة حق العضوية الدائمة بصفته نوعًا من التمثيل القاري، لم تجرؤ دول العالم الممثلة في الجمعية الدولية والمتضررة من هذا النظام على تفكيكه من خلال الانسحاب الجماعي منه والذهاب لتشكيل جسم عالمي بديل يقوم على مبادئ الحق والعدل بعد أن ثبت أن النظام العالمي الذي تشكل عقب الحرب الكونية الثانية يقوم على الظلم والمصالح التي لا تقيم وزنًا لمبادئ العدالة والإنسانية. <br />
صحيح أن أمريكا ومعها 4 دول تمتلك حق النقض في النظام العالمي من خلال مجلس الأمن، ولكن دول العالم تمتلك حق إنهاء هذا النظام بمجمله لو كان لديها الإرادة، فهل يمكن لمنطق الحق والعدل أن يعلو على منطق المصلحة والظلم والابتزاز؟<br />
17/05/2023م</p>
|
| 18 |
سنرد في الزمان والمكان المناسبين عبارة إستخدمت في زمنين |
<p><br />
كانت العبارة التي تثير حالة من التندر في الأوساط الشعبية العربية، إذ كانت تعبيرًا لطيفًا أو دبلوماسيًّا عن حالة العجز العربية مقابل حالة الاستعلاء والغطرسة الصهيونية، وما جعل تلك العبارة إحدى لوازم الخطاب السياسي العربي هو أن الأنظمة العربية تعودت استخدامها في مواجهة الجمهور العربي الذي يطالب بالثأر من العدو أكثر منه لتحدي العدو المعتدي، من نافلة القول طبعًا أن تلك العبارة لم تكن تثير لدى العدو أدنى اهتمام أو اعتبار، فلم يكن يسارع العدو عند إطلاق ذلك الشعار إلى الإعلان عن أي إجراءات أو إصدار تعليمات لجبهته الداخلية أو الإيعاز لوحداته وتشكيلاته العسكرية برفع درجة الاستعداد إلى الحالة القصوى، بل لربما كان يحدث العكس تمامًا؛ إذ كانت هذه العبارة دليلًا على أن الجهة العربية المستهدفة لن تفعل شيئًا، وذلك ما دفع (إسرائيل) إلى ممارسة هوايتها بالاعتداء على الدول العربية وهي واثقة أنها في مأمن من أي رد اعتمادًا على ما أسمته بعد ذلك بقوة الردع الإسرائيلية التي ألجمت الجيوش العربية وكبلتها، فلم تعد تملك لشعوبها ضرًا ولا نفعًا أمام الجيش الصهيوني، الأمر الذي هيأ الكيان للعيش في ظل حالة من الأمن غير المسبوق والتباهي من قبل الشعب المصطنع للاحتلال بأن يد الجيش الإسرائيلي قادرة على الوصول لكل نقطة في العالم العربي بل والإسلامي اعتمادًا على نظرية الردع، تلك التي استمرت سنين طويلة، وما كان لهذا الأمر أن يتغير لولا أن المقاومة الفلسطينية أخذت على عاتقها تغيير هذه المعادلة التي شكلت ندبة سوداء في الذاكرة العربية والفلسطينية على وجه الخصوص، خاصة وأن الشعب الفلسطيني تعرض لعديد المذابح والمجازر على يد الجيش الصهيوني، ولم يكن يجد الشعب الفلسطيني من يرد كيد العدو عنه، اللهم من بعض البيانات العربية الهزيلة التي كانت دائمًا تبدأ بعبارة أن الرد سيأتي في الزمان والمكان المناسبين، فيدرك حينها الشعب الفلسطيني أن دمه ذهب هدرًا، وأنه لا سبيل للثأر لدماء الأطفال والشيوخ؛ الأمر الذي شكل التزامًا وطنيًّا وأخلاقيًّا لدى المقاومة الفلسطينية لترد دائمًا على اعتداءات الاحتلال فورًا بل وفي كثير من الأحيان حتى دون أي تخطيط للرد، وكأنها تريد التخلص من تلك الندبة السوداء التي ضربت الوعي العربي مدةً من الزمن، وشكلت عقدة نفسية لدى المواطن العربي الذي تاقت نفسه لوجود قوة مهما كان حجمها للرد على الاحتلال، فكانت المقاومة التي اعتمدت الرد الفوري لسنوات ورفعت شعارها الأثير "الدم بالدم والقصف بالقصف والرعب بالرعب"، ولقد استطاعت المقاومة أن تصوغ هذه المعادلة بالدم والعرق والجهد وارتقاء الشهداء من القادة والجنود، حتى تغير الحال وأصبح الحديث المتداول إعلاميًّا منذ سنوات عن تآكل قوة الردع الإسرائيلية، وأصبح الشغل الشاغل للحكومات الصهيونية هو استعادة قوة الردع المفقودة، بل لقد أصبح هذا الشعار مجالًا خصبًا للمزايدة الانتخابية بين الأحزاب الصهيونية، ومن عجائب صنع الله في خلقه أن تصاغ العقيدة القتالية للجيش الصهيوني في أدائه القتالي على أن الرد الفلسطيني يكون فوريًّا على أي حماقة ترتكبها (إسرائيل) فأُعِدت الخطط العسكرية للعدو على هذا النحو، على اعتبار أن الرد سيتم على جريمة اغتيال قادة سرايا القدس في غزة فورًا، إذ ستنطلق الصواريخ مباشرة نحو أهدافها، وكان العدو قد وضع في حساباته ذلك، ففتح الملاجئ، وأخلى مدن الغلاف، وأوقف حركة القطارات، وغيّر مسارات حركة الطيران المدني انتظارًا للرد الفلسطيني، ولكن يا للعجب! كانت المفاجأة بأن المقاومة تضع تكتيكًا جديدًا هذه المرة؛ بأنها سترد في الزمان والمكان المناسبين، ولكن شتان شتان بين هذا الشعار الذي رفعته المقاومة اليوم، وذلك الشعار الذي كانت ترفعه الأنظمة العربية سابقًا، فإذا كان ذلك الشعار يمثل عجزًا وذلًّا وهوانًا للأنظمة العربية، فإنه في السياق ذاته يمثل قدرةً وعزًّا ورعبًا لدى المقاومة، وإذا كان العدو قديمًا يركن إلى الهدوء والدعة والراحة عند إطلاق ذلك الشعار قديمًا فإنه اليوم يقف على ساق واحدة وتتسارع أنفاسه ويعُد الدقائق قبل الساعات انتظارًا للرد، وكأن لسان حاله يقول: حبذا لو رددتم علينا وأرحتمونا من حالة القلق والرعب القاتل التي نعيشها. بل إن بعضهم يقول إن عدم الرد حتى لحظة كتابة هذا المقال بحد ذاته رد.<br />
إذن، هي الإرادة والعزيمة والعقيدة الصادقة التي تجعل للشعارات روحًا وقيمة وتحولها من كلمات جوفاء فارغة إلى نار تلظى تحرق قلب العدو وتحيل خططه العسكرية التي أراد بها استعادة "قوة الردع" المفقودة إلى كوميديا بائسة ترتد عليه بأثر عكسي، فالردع الذي سعى إليه تحول إلى رعب منتظر يشل حركة دولته دون طلقة واحدة، رغم أن الطلقة بل الطلقات قادمة لا محالة، وهو يدرك ذلك وما يملك حلية إلا الانتظار المهين.<br />
غزة في 11/5/2023م</p>
|
| 19 |
بعد اغتيال عدنان.. قانونيون يدعون إلى رفع قضيته إلى “الجنائية ” الدولية |
<p>بعد اغتيال عدنان.. قانونيون يدعون إلى رفع قضيته إلى “الجنائية ” الدولية</p>
<p>الاعتقال الإداري للأسير خضر عدنان منافٍ للقانون الدولي والإنساني وكل التشريعات الداخلية للدول، بمعنى أنه اعتقال دون أي مسوغ قانوني، ويقوم على إصدار أمر اعتقال من ضابط عسكري دون أي تهمة أو ملف، وهو بحد ذاته جريمة. الإهمال الطبي المتعمد الذي مورس بحق الشهيد خضر عدنان، ووضعه بغرفة لا يقدم بها أدنى مقومات العلاج، يمثل جريمة ضد الإنسانية، حسب ميثاق روما، وانتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وكل المبادئ والقيم القانونية. قضية الشهيد عدنان تعد وطنية، وهذا يتطلب من قيادة السلطة أن تمارس فيها مسؤولياتها الوطنية، بصفتها الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية ومعاقبة الاحتلال. أطالب السلطة بإحالة الملف إلى الجنائية الدولية كأبسط إجراء يجب عليها القيام به ضمن المسؤولية الوطنية، وتفعيل الأمر دبلوماسيًا من خلال السفارات الفلسطينية، ودعوة الدول إلى استنكار تلك الجريمة. الإدارة الأمريكية توفر غطاء للاحتلال، من خلال ممارسة الضغوطات السياسية والاقتصادية على السلطة بهدف عدم إدانة الاحتلال.</p>
|
| 20 |
ربح البيع شيخ خضر |
<p>سبعة وثمانون يومًا كان كل يوم فيها بل كل ساعة بل كل دقيقة تمثل انتصارًا،ً حتى كان يوم الارتقاء الذي توج انتهاء المعركة، فعلت إرادة الشيخ خضر عدنان بالشهادة، وهوت إرادة الاحتلال بالفشل في قهر تلك الإرادة العابرة لإنسانية الإنسان، فكانت في سموها وطهارتها كأنها إرادة ملائكية لا تعتريها أي من شهوات الإانسان التي تمثل حالات ضعفه. <br />
خضر عدنان غادر ضيق زنزانته الباردة المظلمة إلى رحابة ملكوت لا ينتهي بجلال الشهادة التي مهادها حب الوطن، مضى خضر عدنان نحو عليائه، ولكن قبل مغادرته التي تجاوزت حدود الزمان والمكان ترك إرثًاً ووصية، أما إرثه فهو إرث الثائر الذي صاغع نموذجًا للثائر الذي لا تكسر إرادته مهما تعالى جبروت الاحتلال ليسقط في النهائية تحت قدميه بالشهادة التي تغيظ العدى وتقهر السجان وتحطم الأغلال.<br />
إرث خضر عدنان يتجاوز بلا أدنى شك الحالة الفلسطينية إلى الحالة العالمية، ليمثل تراثًا إانسانيًّا بطوليًّا يضيف إالى قيم الكرامة الإنسانية بعدًا صادقًا ونموذجًا ملهمًا لعظمة الروح الإنسانية الحرة التي تأبى الضيم، ولو كان لدىي هذا العالم أدنى احترام وتقدير للنضال الإنساني لوقف على قدم واحدة وانحنى إجلالاًًا واحتراماًًا وإكباراًًا لهذه الروح العظيمة التي جسدت بتمام الصدق والإخلاص الكرامةً الإنسانية التي يدّعيى "العالم الحر" أنه يسعى لصونها. <br />
تتصاغر اليوم أمام عظمة روح خضر عدنان كل المسميات العالمية التي وُضعت على لوائح شرف النضال العالمي والإنساني، ويعلو نجم خضر عدنان الفلسطيني الذي خاض الحرب الأصعب واستخدم السلاح الأقسى على النفس وانتصر الانتصار الأجل والأسمى.<br />
إرث خضر عدنان سيبقى مصدر إلهام ومعين صمود ومنهل تحدٍّى للاحتلال حتى يزول، وسيبقى اسمه قمراًًا بارزاًًا على مدى الزمن لامعاًًا في سماء الوطن التي تزينت بنجوم وأاقمار لا تزال تشع نوراًًا يهدي السائرين في طريق الحق والعدل والحرية. <br />
أما وصية الشيخ خضر فأظنها واضحة تختصر كل الكلمات وتتجاوز كل المعاني، كلمة ستبقى ما بقيى الاحتلال تقول " لا تساوم"<br />
رسالة ووصية خضر عدنان لكل شاب وشبل وزهرة ورجل واإمرأة وشيخ وحاجة فلسطينية لكل قائد لكل مناضل لكل ثائر، أن العلاقة مع الاحتلال هي علاقة "لا تساوم" والنصر حليف الذي لا يساوم، والانكسار والذل والهوان لمن يقبل المساومة على الوطن وعلى الحق وعلى الحرية.<br />
خضر عدنان يلخص اليوم قضية الوطن السليب والشعب الشريد والمقاومة الباسلة، لتتجلى تلك المعاني في أبهى وأانقى صورها مقابل صورة سوداء بائسة متهتكة منتهكة للمساومة التي غرقت في ماء الاحتلال الآأسن حتى أصبحت والعفن سواء.<br />
لن نقول اليوم المجد والخلود لك يا خضر عدنان؛ فأنت بارتقائك المتجاوز حدود الزمان والمكان أصبحت أنت من تهب المجد وتهب خلود السيرة لمن يقتفيى أثرك ويلتزم إرثك ويعمل بوصيتك.<br />
3/5/2023م</p>
|
| 21 |
هل هان السودان على العرب إلى هذا الحد؟ |
<p>السودان هذا البلد العربي العزيز الذي تبلغ مساحته "بعد الانقسام" نحو مليون وثمانمئة وستين ألف كليو متر مربع تقريبًا، ويبلغ عدد سكانه نحو 45 مليون نسمة، يتعرض اليوم لحرب طاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ودون الخوض في مواقف كلا الطرفين، لا بد من الوقوف مطولًا عند موقف العرب وجامعتهم مما يجري في السودان، إذ تتعامل الجامعة العربية مع أحداث السودان كما لو كانت السودان جزيرة معزولة في المحيط الأطلسي ولا تمت بصلة للعرب، ولا يعدو موقفها عن ذر للرماد في العيون، ولا يزيد عن المواقف التي تبديها تجاه أزمات دولية لا تمثل للعرب أي أهمية، ذلك الصمت أو البيانات الخجولة أتاحت المجال لـ(إسرائيل) أن تدعو الأطراف المتحاربة إلى (تل أبيب) لحل الأزمة، وتلك بادرة لا تخطئ العين دلالتها، إذ تسعى (إسرائيل) عبرها لأن تكون رأس المنطقة أو كبيرها الذي يضبط إيقاع توازناتها، ويتدخل كلما كان التدخل ضروريًّا لإعادة الأمور إلى نصابها، وذلك أمر متوقع في ظل غياب التأثير الرسمي العربي وفقًا لنظرية "الحلول في الفراغْ"، يصمت العرب على سلة الخبز العربية ويتركونها نهبًا لـ (إسرائيل) تارة والصين تارة ورسيا تارة، وكل من يأتي للمنطقة من وراء البحار لينهب خيرات العرب ومقدراتهم، والعرب يتذرعون بأنهم ينأَون بأنفسهم عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهم بعضًا وفقًا لتفسير ضيق لميثاق عفا عليه الزمن يسمى ميثاق الجامعة العربية، ينص في مادته الثامنة على: "تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعُده حقًّا من حقوق تلك الدول، وتتعهد بألا تقوم بعمل يرمي إلى تغيير ذلك النظام فيها"، وكان يجب على الجامعة العربية أن يكون لها موقف في نزاعات داخلية عربية حينما يغيب شكل النظام السياسي في أي من الدول العربية وتصبح الدولة على المحك وانهيارها وارد وإرادة شعوبها تتجلى في أبهى صور الثورات التي تنادي بالحرية، وإلا فما قيمة التضامن العربي والأمن القومي العربي إذا كانت نصوص الميثاق وتفسيرها الضيق تحول دون الحفاظ على هذين المبدأين؟</p>
<p>الجامعة العربية التي تملك 22 جيشًا مدججًا بالسلاح يُعد بعضُها من أقوى الجيوش على مستوى العالم، تُحجِم عن حسم الصراع لصالح الشعب السوداني، وتترك الأمر لعصابات فاغنر أو أي مرتزقة من هنا أو هناك ليعيثوا فسادًا في السودان تحقيقًا لمصالح أعداء العرب، قد نفهم بوضوح إحجام القيادات العربية عن التدخل خوفًا من أن يصبح التدخل العربي لصالح الشعوب سابقة أو "سنة حسنة" فيأتي يوم وتتدخل فيه القوة العربية لتفرض إرادة الشعوب على تلك القيادات التي لم تُراعِ في شعوبها إلًّا ولا ذمة، ولذلك تنظر القيادات الرسمية العربية إلى هذا الأمر على أنه بدعة لا بد من محاربتها، لأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما يزعمون. ولكن ليس كل أمر يمكن أن يُتعامل معه على أنه حدث أو شأن داخلي على علة هذا الحديث، فما يجري في السودان قد يؤدي إلى تقسيمه مرة أخرى، وقد يتشتت إلى أجزاء متناثرة بكل ما يعنيه هذا التشرذم من خطر على الأمن القومي العربي.</p>
<p>الشعب السوداني الشقيق له حق علينا نحن العرب أن ننصره، وأن نُخلِّصه من محنته، وأن نساعده على اجتياز هذه الأزمة، وكان ينبغي للجامعة العربية أن تنعقد على الفور لتخرج بقرارات حاسمة باتجاه فرض حل يضمن للسودان الاستقرار ولشعب السودان الرفاهية من خلال التمتع بكل هذه الموارد المنهوبة والمهدورة، والخروج من هذه الكبوة العربية التي طال أمدها، فحدث ما حدث في سوريا وليبيا واليمن، وما زال يُراد للعرب الكثير من البلاء الذي قد ينال من الهوية العربية عمومًا ومكانة العرب على الخارطة السياسية للعالم بين الأمم إذا استمر الأداء الرسمي العربي بهذا القدر من الهزال والضعف.</p>
<p> </p>
<p> </p>
|
| 22 |
وما أدراك ما ليلة القدر |
<p>هي ليلة الشرف العظيم الذي أراده الله سبحانه وتعالى لهذه الليلة العظيمة، فجعل شرفها وعِظمها بنزول القرآن الكريم فيها، فكان اتصال الأرض بالسماء وهبوط الوحي لتتشرف الأرض كلها بعد ذلك بنزول القرآن الذي ما زال يُتلى في أصقاعها حتى يوم القيامة، وكانت هذه الليلة هدية كبرى للمؤمنين بأن جعل الله خيرها وفضلها أعظم من ألف شهر تكريماً لكل من وقف بين يدي الله في هذه الليلة العظيمة إيماناً بالله واحتساباً للثواب والأجر في ليلة الشرف العظيم، كأن الله سبحانه يدلنا ويخبرنا بأن طريق الفوز يبدأ من العمل الدؤوب والسهر والتعب الإصرار والعزيمة، والمقابل لن يكون على قدر التعب والسَّهر والعمل فقط، ولكن سيكون أعظم من كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان.</p>
<p>ليلة القدر ترسم معادلة النجاح وتقول أن من عمل بصدق فإن جزاءه النجاح العظيم الكبير الذي سيظهر أمامه العمل الذي بذل من أجله ضئيلاً بسيطاً، ولكن لن يأتي ذلك النجاح إلا من بعد العمل، ولذلك لا يُظننَّ أحد أن الركون للراحة والتسليم بالأمر الواقع والاستكانة وإقناع النفس بأن الجدوى غير ذات قيمة، وانتظار الفرج من الله هو الحل فإن مفهوم وفلسفة ليلة القدر تخبرك أن بؤسك لن يزول وقلقك لن ينتهي وحياتك لن تتغير، ولا سبيل لتغييرها إلا بالاجتهاد ذاته الذي يجتهده المؤمن بقلب حاضر وعقل واعٍ ويقين بالله، وعند ذلك فقط ستجد مقابل تعبك نجاحًا عظيمًا تذهل أنت نفسك من عِظمه، فهذا هو عطاء الخالق الذي يعطي بلا حساب، فلا تقِس الأمور بمنطق البشر.</p>
<p>ولم تكن قصص النجاح والانتصارات والابتكارات إلا مضاهاة عملية لليلة القدر ليلة الشرف العظيم والقدر العظيم والثواب العظيم، وهذا ما تخبرنا به سير الأبطال والعظماء والمبتكرين، فأديسون أجرى عشرة آلاف تجربة للمصابيح كلها فشلت ثم نجحت واحدة، ولكن انظر إلى قيمة العشرة آلاف تجربة أمام عظم النجاح الذي غير وجه البشرية، انظر إلى نصر خالد بن الوليد في اليرموك الذي لم يكن ليتحقق لولا عبوره الصحراء من طريق وعر قليل الماء غير مطروق مفضلاً إياه على طريق سهل موفور الماء موفور الأرزاق، لكنه مزدحم بالسكان، وما كان لخالد أن يخاف قتال هؤلاء السكان ولكنه كان حريصاً على الوصول بأسرع وقت إلى حشد المسلمين في اليرموك، ولذلك اتخذ القرار الصعب بعدم سلوك الطريق السهل رغم إغرائه وميل النفس للسفر عبره، فلما بذل الجهد والتعب والسهر مصحوباً بالعزيمة والإصرار كان الانتصار التاريخي الحاسم في اليرموك الذي ما زال صداه يتردد عبر الأزمنة حتى يوم الناس هذا، وانظر إلى نيكولا تسلا الذي اخترع التيار الكهربائي المتردد الذي غير وجه العالم بانتشار الكهرباء بكل فوائدها في كل أصقاع المعمورة.</p>
<p>كان يعمل هذا التسلا من الساعة الثانية فجراً حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، حتى اضطر أساتذته في الجامعة التي يعمل بها إلى مخاطبة والده بأنه إذا لم يسحب ابنه من الجامعة فإن ابنه سيموت من الإجهاد، علماً أنه دخل الجامعة بمنحة لتفوقه.</p>
<p>إذن هي رسالة ليلة القدر الخالدة "خير من ألف شهر"، تلك الليلة التي ستجتهد فيها لساعات وسيكون مقابلها ألف شهر، وكل قصة نجاح أو انتصار تؤكد الحقيقة ذاتها؛ أن بذل الجهد ولو كان مضنياً إلا أن المقابل سيكون أعظم من كل جهد بذل بلا مقارنة بين الجهد المبذول والنجاح المتحقق.</p>
<p>ليلة القدر وإن كانت في أصلها تزكية للروح وسمو للنفس وتطهير للإنسان من المعاصي، إلا أنها في الوقت ذاته درس عملي في بذل الجهد للحصول على النتيجة، فكما يبذل ملايين المسلمين في أنحاء العالم كافة الجهد في هذه الليلة للحصول على المنحة الربانية، لكم أن تتصوروا لو أن قيمة البذل والجهد هذه انتقلت من الجانب الروحي وهو الأصل إلى الجانب المادي في الحياة، وبنفس العزيمة والصدق، أترى حال المسلمين كان سيكون على ما هو عليه الآن؟</p>
|
| 23 |
هل يمكن أن تتبنى المقاومة خيار الدولة الواحدة؟ |
<p>يبدو أن الحكومة الصهيونية الحالية ما زالت سادرة في غيها رغم كل الانتقادات التي وجهت وتوجه لها من قبل المجتمع الدولي، وإن كان هذا الانتقاد يأتي على استحياء لا سيما من الدول الغربية التي ما زالت توفر غطاءً دبلوماسيًّا وقانونيًّا للكيان الصهيوني، وترفض باستمرار إدانة الاستيطان في مجلس الأمن على الرغم من الفجاجة والوقاحة التي تصدر بين الفينة والأخرى من أعضاء هذه الحكومة ضد ما يعدونه "تدخلات في الشأن الداخلي الإسرائيلي" من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية لدى انتقادها للاستيطان.<br />
في عام 1990 حينما انطلق مؤتمر مدريد للسلام برعاية الولايات المتحدة "والاتحاد السوفيتي" في حينه، كان انعقاد المؤتمر تحت شعار الأرض مقابل السلام؛ أي إن العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً سيمنحون "إسرائيل" السلام مقابل أن تتخلى عن جزء من الأرض التي احتلتها، وهي أراضي عام 1967، ورغم أن الشعار بحد ذاته يشكل معضلة إذ إن الأرض هي أصلاً أرض الفلسطينيين ومن ثم عدها منحة من قبل "إسرائيل" للفلسطينيين مقابل أن تعيش بسلام فيه تجني على حقائق التاريخ والجغرافيا، ورغم هذا الميل الواضح من قبل العرب والفلسطينيين للتسليم بالأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل على الأراضي طوال مدة احتلالها للأرض الفلسطينية، فإن "إسرائيل" عملت منذ اليوم الأول لمؤتمر مدريد -الذي ذهبت إليه راغمة وليست راغبة- عمدت إلى تكثيف وتسريع عملية الاستيطان وهي تعلم يقيناً أن كل حجر يدق في الأرض يسرع في القضاء على حل الدولتين الذي قامت عليه عملية السلام ككل، واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن وصل اليوم عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى 726 ألف مستوطن تقريباً موزعين على 176 مستوطنة و186 بؤرة استيطانية، وذلك وفقاً لإحصائيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2022.<br />
ورغم هذا العدد الهائل من المستوطنين القاطنين الآن في الضفة الغربية فإن الحكومة الصهيونية الجديدة المتطرفة تعتبر أن هذا العد غير كافٍ البتة، بل وتعتبر أن كل أراضي الضفة الغربية هي أراضٍ إسرائيلية ينبغي ألا يترك شبر واحد فيها يمكن أن يستفيد منه الفلسطينيون، وقد توجت هذه الحكومة الفاشية توجهها هذا من خلال المسيرة التي نظمتها جمعية استيطانية للتوجه إلى مستوطنة "أفيتار" على جبل صبيح، إذ شارك في هذه المسيرة سبعة وزراء إسرائيليين وعشرون عضو كنيست، بما يؤشر بوضوح إلى مدى إصرار الثلاثي: نتنياهو وسموترييش وبن غفير على المضي قدماً في هذا المسار. <br />
وإزاء كل هذه التطورات وفي ظل وأد "عملية السلام" تماماً يبدو جلياً أن حل الدولتين أصبح جزءًا من التاريخ، إذ إن إمكانية تحقيقه عمليا على الأرض شبه مستحيلة، ناهيك بإسقاطه سياسياً من أجندة الحكومة الصهيونية الحالية بشكل علني وما سبقها من حكومات بشكل خفي.<br />
حل الدولتين وإن كان مقبولاً من منظمة التحرير باعتبارها وافقت على القرار 242 الذي صدر عقب حرب 1967، إلا أنه لم يلقَ أي قبول من فصائل المقاومة التي ما زالت تتشبث بكامل فلسطين من بحرها إلى نهرها ومن شمالها إلى جنوبها، وترفض التنازل عن أي شبر فيها، وهذا الموقف تعده من الثوابت التي لا يمكن المساومة حولها، ومن الناحية النظرية قد يتسق هذا التوجه مع حل الدولة الواحدة الذي أصبح يطرح كثيرا موخراً ، خصوصًا مع فشل أو إفشال حل الدولتين من قبل الحكومات الصهيونية المتعاقبة بمختلف توجهاتها، باعتبار أن الأرض لن تقسم وستبقى رقعة واحدة من بحرها لنهرها ومن شمالها لجنوبها ليعيش عليها الفلسطينيون إضافة لمن يرغب بالبقاء من اليهود، ولكن القضية لا تقف عند وحدة الأرض فقط، وتبقى قضية اللاجئين والمشردين وحق العودة الذي يعتبره الفلسطينيون حقاً مقدساً غير قابل للتصرف، وهذا يعني التفوق الديموغرافي للشعب الفلسطيني بكل ما يعنيه من هيمنة وسيطرة على مقاليد الدولة، الأمر الذي يعني بلا جدال زوال المشروع الصهيوني عن الأرض الفلسطينية، وهذه حقيقة تدركها "إسرائيل" جيداً، وهي بالتأكيد لا تسعى إليها، ولكن لو طرحت الفكرة مجردة من قبل المقاومة الفلسطينية فهل يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل مع الفكرة على أنها مبادرة يمكن البناء عليها، أم أن بقاء المشروع الصهيوني واستمراره والحفاظ عليه هو الأولوية للولايات المتحدة والغرب عموماً؟ الجواب هو نعم بالتأكيد والدليل على ذلك أن الرئيس الأمريكي بايدن يعلن ذلك صراحة لدى تبنيه حل الدولتين حينما يصرح أن هذا الحل هو الذي يضمن بقاء واستمرار "إسرائيل"، بمعنى أن حل الدولتين يُطرح من أجل مستقبل "إسرائيل" وليس حرصاً على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.<br />
ولكن في نفس الوقت هل يمكن لفصائل المقاومة أن تقدم على طرح مبادرة حل الدولة الواحدة على أساس المواطنة الكاملة لإلقاء الكرة في ملعب المجتمع الدولي ووضعه أمام مسؤولياته؟ ربما قليل من المناورة السياسية يفيد أحياناً.</p>
|
| 24 |
هل المعركة في الأقصى فعلاً هي معركة ذبح قرابين؟ |
<p>الإصرار الصهيوني للجماعات اليهودية المتطرفة لذبح قرابين حيوانية في المسجد الأقصى أخذ في الآونة الأخيرة بعداً إعلامياً متصاعداً، وكان هناك مبالغة في تسليط الضوء على هذا الطقس اليهودي البائد الذي أصدر عددًا من الحاخامات اليهودية فتوى بأن هذا الطقس لم يعد مطلوباً من اليهود بعد اندثار الهيكل، ولكن إصرار الجماعات اليهودية المتطرفة على إحيائه والعمل به على اعتبار أن إعادة العمل بهذا الطقس اليهودي يعد إحياءً معنوياً للهيكل باعتبار المكان الذي سيذبح فيه القربان وهو قبة "باب السلسلة" هو ذاته المكان الذي كان يوجد فيه المذبح اليهودي في الهيكل المندثر، الحالة التي تجري في المسجد الأقصى اليوم يتجلى فيها الصراع الديني في أبشع صوره خصوصاً مع إقدام الجيش الصهيوني المتكرر على عمليات القمع الوحشي ضد المعتكفين الأمنيين ومنعهم من ممارسة هذه الشعيرة الدينية العظيمة التي تؤدى في المسجد الأقصى منذ أن فتح المسلمون فلسطين، في اعتقادي أن التعامل مع الممارسات اليهودية المتطرفة بالطريقة الحالية فيها انجرار خلف السياقات الدينية لهذه الجماعات لدرجة وصلت إلى الإعلان بأن النقطة الحاسمة في هذا الصراع الديني هي تمكن الجماعات المتطرفة من ذبح القرابين في الأقصى بعدِّها الخط الأحمر، وكأن القرابين لو ذبحت فإن المسجد الأقصى قد ضاع من يد المسلمين وتم تهويده، وهذا هو الخطأ الذي يمكن أن نقع فيه نحن الفلسطينيين، وأقصد هنا أن مسألة الاعتياد على وضع خطوط حمراء يسهل انتهاكها لكونها ليست إعجازية بل ليست صعبة بالنسبة للعدو، وفي السياق ذاته يصور الأمر منا على أنه أمر جليل عظيم، فإذا ما انتهك "هذا الخط الأحمر" أسقط في يد شعبنا وبدا الأمر أنه انتصار للعدو وتحقيق إنجاز للجماعات الصهيونية المتطرفة، أقصد من ذلك القول بأن التعامل بهذه الطريقة مع قضية مقدسة مثل المسجد الأقصى ليست هي الطريقة الأصح أو الأسلم، فعملية ذبح القرابين التي عددناها خطًّا أحمر قد تتم في لحظة إذا ما قرر شرطي صهيوني بضوء أخضر من قادته السماح لأحد أعضاء هذه الجماعات أن يمارس طقسه بالذبح، وعندها سيشعر شعبنا أن اليهود قد حققوا مرادهم، وأن المسجد هُوِّد وخسرنا معركتنا في الأقصى، وهذا هو عين الخطأ، والأصل أن تكون المعركة معركة على الأصل وليس الفرع.</p>
<p> ليست قضيتنا قضية ذبح قرابين، ولكنها إسلامية المسجد الأقصى الخالصة، فلو تمكنوا من ذبح ألف قربان فلن يغير ذلك من حقيقة أو بقاء المسجد الأقصى إسلامياً خالصاً، ولا يعني ذلك أبداً أن نغض الطرف أو نسمح لهم بأن يذبحوا قرابينهم، لكن من الخطأ أن نعد أن ذبح القرابين هو الخط الأحمر ونقطة الحسم من قبلهم التي سيضخمونها إذا تمت -معاذ الله- رغم أنها ممكن أن تحدث -ببساطة- وتصويرها على أنها النقطة الحاسمة في المعركة على إسلامية المسجد الأقصى.</p>
<p> الأمر الآخر الذي لا أفهم مغزاه هو استمرار البعض في ترديد عبارة الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى، تلك الوصاية التي أنا شخصياً لا أعرف كيف وجدت، ومن الذي فوض بهذه الوصاية، وما هي آثارها على المسجد الأقصى، وهل المسجد الأقصى بحاجة إلى وصاية في ظل الرباط والاعتكاف من قبل المصلين الفلسطينيين الذين يدافعون على الأقصى بالدم والجهد والعرق والمال ويقدمون كل ما يمكن أن يقدم في سبيل قضية عقائدية وطنية؟ في ظل هذه التضحية العظيمة من أجل الأقصى لا يمكن أن نسلم بوصاية إلا لمن يدفع دمه من أجل الحفاظ على إسلامية الأقصى فأوصياء المسجد الأقصى هم حراسه الحقيقيون المرابطون والمرابطات الذين لا يزالون على عهدهم مع الأقصى برغم الدم والقيد والسجن والترهيب.</p>
<p>أوصياء الأقصى هم الشهداء أمثال التميمي وعلقم والنابلسي وغيرهم.. ولا حاجة لنا بوصاية تفرض على الأقصى وتفرض على شعبنا وتكتب عناوينها في قمم أمنية مثل النقب وشرم الشيخ، شعبنا هو الوصي الأول والأخير على المسجد الأقصى والشعوب العربية والإسلامية من بعد ذلك ظهيراً أميناً إلى أن يحرر الأقصى من دنس الاحتلال.</p>
<p>لن أستغرب أن تكون اقتحامات المتطرفين للمسجد الأقصى لفرض التقسيم الزماني والمكاني تتم "بتفهم" من بعض القيادات العربية، خصوصاً تلك التي تؤمن بالديانة الإبراهيمية التي تجمع الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلامية، فكيف لمن آمن بهذه الديانة أن يرفض صلاة المتطرفين اليهود في الأقصى وهو يدعو لذلك أصلاً ويمارسه عملياً بإقامة مجمعات دينية تضم الديانات الثلاث.</p>
<p>ولذلك ستبقى معركة الأقصى هي معركة عقائدية وطنية للشعب الفلسطيني، ولن يغير حقيقة إسلامية وعروبة الأقصى ممارسة طقوس خرافية أو ذبح قرابين أو حتى صمت وإن شئت تواطؤ عربي.</p>
<p> </p>
|
| 25 |
الموقف الأمريكي من حالة الاستقطاب الداخلي في الكيان |
<p>كان لافتاً تصريح الخارجية الأمريكية مساء يوم الأحد في ذروة الأحداث التي اجتاحت الشارع الصهيوني ووصلت إلى حد محاولة المتظاهرين اقتحام منزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ذلك التصريح الذي عبر فيه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية عن قلقه مما يحدث في (إسرائيل) ومبدياً تخوفه من أن تؤثر الخلافات الداخلية في الجيش الصهيوني، اللافت في هذا التصريح أن الإدارة الأمريكية كان همها الأول هو تماسك الجيش الصهيوني وضرورة الحفاظ على جهوزيته الدائمة للتعامل مع أي تهديدات لدولة الاحتلال، فلم يتطرق التصريح لحالة الترهل السياسي الذي تعانيه الدولة أو البعد الاقتصادي المرتبط بحالة الاستقطاب الحاد في الشارع الصهيوني، ولم يتطرق إلى تجاوز الحكومة الحالية للتوجه الأمريكي في إدارة عملية التسوية السياسية "المعطلة" التي ترعاها الإدارة الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي، كل ما سبق كان بالنسبة للإدارة الأمريكية مجرد تفاصيل يمكن الحديث فيها لاحقاً، لكن الشيء المهم الذي يجب أن يكون دائماً على سلم الأولويات هو مدى قوة دولة الاحتلال عسكرياً وجهوزيتها من هذه الناحية، ما سبق يدلل بوضوح على أن الإدارة الأمريكية تؤكد من خلال تصريحاتها أنها تستخدم (إسرائيل) كعصا غليظة لها في المنطقة تضرب بها من يشذ عن السياسة الأمريكية، وفي المقابل يتم التغاضي عن كل الموبقات والجرائم التي يرتكبها الاحتلال، وهذا ما نلمسه جلياً من خلال الحيلولة دون مجرد إدانة الاحتلال في المحافل الدولية وخاصة مجلس الأمن عما يرتكبه من جرائم ودعم هذا الكيان بكل وسائل الحياة للبقاء كشوكة في حلق الأمة العربية والإسلامية.</p>
<p>الرئيس الأمريكي بايدن الذي صرح في غير مرة أنه صهيوني الهوى وأن (إسرائيل) لو لم تكن موجودة لعملت الإدارة الأمريكية على إيجادها يشير إلى مدى الانزلاق الذي يمكن أن نصل له نحن الفلسطينيون في التعويل على الإدارة الأمريكية في الضغط على الاحتلال لإلزامه بالسير قدماً في مشروع التسوية وصولاً لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، تلك الدولة التي قال عنها بايدن لأبي مازن أنها تحتاج إلى "المسيح" حتى ترى النور.</p>
<p>ربما يظن البعض أن استدعاء السفير الإسرائيلي من قبل الخارجية الأمريكية هو عملية ضغط غير مسبوقة على الاحتلال من قبل الإدارة الأمريكية للاحتجاج على قرار الحكومة الصهيونية إلغاء قرار سابق "بفك الارتباط" بما يمكنها من إعادة بناء عدة مستوطنات في شمال الضفة أخليت قبل ثمانية عشر عاماً، ولكن هل يرقى هذا الموقف الأمريكي في استدعاء سفير لإبداء الاحتجاج إلى الموقف الأمريكي الرافض لمجرد إدانة الاستيطان في مجلس الأمن؟ علماً أن الإدانة هي مجرد قرار ليس له أثر قانوني أو سياسي، لأنه يعتمد بعد إصداره على مدى احترام الدولة الصادر بحقها القرار للقانون الدولي والمؤسسات الدولية، ونحن نعرف تماماً الموقف الصهيوني من كل ما يتعلق بالقانون والأعراف والمواثيق الدولية، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الاحتلال كجزء منها متموضع في أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية من النواحي الاقتصادية والجيوسياسية؛ الأمر الذي يفسر نعومة التعامل من قبلها مع بعض المشاغبات التي قد يبديها قادة الاحتلال بين الفينة والأخرى، وإلا فإن الإدارة الأمريكية قادرة على فرض حل الدوليتين خلال أيام لو أرادت، ولو استخدمت قدرًا يسيرًا من وسائل الضغط التي تمتلكها تجاه الاحتلال فلن تكون بحاجة أبداً إلى "المسيح" ليأتي بمعجزة تؤدي إلى حل الدولتين.</p>
<p> ذكرت في مقال سابق أن الخلافات الداخلية في الكيان رغم شدتها ووصولها لحد يؤشر بخطر محتمل على تماسك الدولة، فإن هذه الخلافات لن تصل لحد الحرب الأهلية، وعزوت ذلك لحالة الإسناد الخارجي لهذه الدولة الوظيفية من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية، بمعنى أن الإدارة الأمريكية لن تسمح لأي خلافات داخلية بأن تؤدي إلى انفراط عقد هذا الكيان المصنوع على عين الولايات المتحدة، وهي كما أعتقد تمسك بطرفي خيط هذا الكيان، وهي التي تنظم عُقَده التي تعرفها جيداً وترتبها كلما اقتضى الحال حسبما يخدم السياسة والمصالح الأمريكية، ولذلك أعتقد أن الإدارة الأمريكية ستعمل خلال الفترة القادمة على إعادة ترتيب الأوراق الإسرائيلية الداخلية بوسائلها الخاصة والمؤثرة جداً، وأظن أن حالة الاستقطاب هذه ستنتهى عما قريب بانفراط عقد هذه الحكومة، خصوصاً مع علو أصوات وازنة في الليكود تنتقد سياسة نتنياهو، وأظنها تعمل بضوء أخضر أمريكي؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان الحكومة الحالية للأغلبية في الكنيست؛ ما يعني الذهاب إلى انتخابات جديدة أو تشكيل ائتلاف حكومي جديد، ولكن يبقى السؤال الأهم لنا نحن الفلسطينيين: أين نحن مما يحدث؟ وهل ستبقى القيادة الرسمية الفلسطينية تعول كثيراً على الإدارة الأمريكية أو تتأمل أن يؤدي الاستقطاب الداخلي لدى الكيان لإسقاط حلف نتنياهو؟ ولو فعلاً سقط نتنياهو، هل سيكون لأي حكومة جديدة الاستعداد لتقديم تنازلات لم تقدمها أي حكومة صهيونية منذ عام 1990؟ أنا أعتقد أن على القيادة الفلسطينية أن تغير من أجندتها باتجاه إعطاء الأولوية لترتيب أوراق البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة الاعتبار للمؤسسات السيادية الفلسطينية والاتفاق على برنامج وطني، ثم بعد ذلك مخاطبة العالم بهذا البرنامج على أساس من الوحدة الوطنية، عند ذلك فقط يمكن للموقف الفلسطيني أن يلقى الاهتمام الإقليمي والدولي.</p>
|
| 26 |
هل فقد الأسرى الثقة بنا؟ |
<p><br />
أتفق تماماً مع المفكر العربي محمد المختار الشنقيطي حينما يتحدث عن طريقتنا نحن العرب في توظيف المصطلحات لتغييب حقائق واقعة، فنصف أسرانا مثلا بالأسود الرابضة خلف القضبان، وبمعنى آخر كأنه يقول أننا نحاول تغطية عجزنا في تحرير أسرانا حينما نصفهم بالأسود الرابضة خلف القضبان، وكذلك لا أظن الأسرى يرضون منا أن نستمر بإطلاق الأوصاف العظيمة والمدائح البليغة بحقهم أو مساندتهم بوقفة لا تتجاوز النصف ساعة وإلقاء بعض الكلمات الحماسية أو الثورية بديلاً عن السعي الجاد والحق لإنهاء معاناتهم وكسر قيودهم وإنهاء أسرهم الذي طال أمده وأصبح السكوت عليه عاراً يجلل كل قيادات الشعب الفلسطيني التي رضيت بأن يمارس شخص مثل ابن غفير نزواته الفاشية الجبانة بحق الأسرى،. <br />
وربما لم يعد لحمرة الخجل سبيلاً إلى وجوهنا ونحن نصمت على عملية الإذلال التي يتعرض لها من نصفهم دوماً بالأبطال الذين قدموا زهرة أعمارهم من أجل حريتنا وكرامتنا. <br />
وكيف يمكن أن نُرضي ضمائرنا بأن الأسير الذي سنصمت على بقائه في السجن طوال حياته مطلوب منه أن يصبر علاوة على قهر المكوث في السجن أن يصبر على قلة الزاد وسوئه وتوقيت دخوله للحمام وتقصير مدة الزيارة لذويه أو فترة لما يعرف بالفورة وباقي تفاصيل الحياة الاعتقالية المريرة أصلا.<br />
لا شك أن ابن غفير يجد في ممارساته المريضة بحق الأسرى شغفاً ومتعة ويشبع رغبة الانتقام لديه في زيادة جرعة القهر التي يسقيها للأسرى، فنصمت نحن أو ننشغل بأمور نقنع أنفسنا أنها أهم، ولقد قلّت حيلتنا، فلم يعد همنا تحرير الأسرى أو على الأقل رفع الظلم الذي يمارسه ابن غفير ضدهم، فتتلفت عيون الأسرى حائرة عساها تجد بقايا من نخوة تمنع الظلم عنها فلا نجد من يهتم، فيلجؤون إلى وسيلتهم التي لا حيلة لهم سواها، وهي الإضراب عن الطعام حتى الموت أو تحقيق مطالبهم.<br />
الإضراب عن الطعام من قبل الأسرى يا أيها الشعب الفلسطيني هي رسالة عجزكم وتقاعسكم وتجاهلكم لأسود بلادكم، فلا تلجئوهم لها، لأنها تعبر عن فقدان الثقة بكم، الأسرى الذين قدموا حياتهم على مذابح الحرية قدموا كل ما يمكن لإنسان أن يقدمه في لحظة سمو إنساني لا تضاهيها ولا ترتقي إليها كل الأعمال والأقوال دون تحريرهم التي نحاول إرضاء ضمائرنا بها. <br />
الأسير الذي يقبع خلف القضبان صاحب حق ولا يستجدي النصرة، ومن ظن أنه بوقفه احتجاجية أو لقاء تلفزيوني أو ورشة في فندق أنيق أدى الذي عليه للأسرى فهو لم يوفِّ الأسرى حق ساعة من سجن أو أقل. <br />
لم أستغرب أن تخوض المقاومة خمس حروب ضد الاحتلال كانت إحداها لأجل قضية الاسرى وهي ما أطلق عليها العدو عملية سيف جلعاد التي بادر العدو لشنها على شعبنا للضغط على المقاومة لإطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط، الذي لم ير النور إلا بعد ان رآه الف وخمسمائة أسير في صفقة وفاء الاحرار، ولقد كرست تلك العملية والتي سبقتها عام 1985 حقيقة أن هذا العدو لا يفهم في قضية الأسرى إلا لغة القوة <br />
إضراب الأسرى عن الطعام هو رسالة فقدان ثقة في الساسة كرستها سنوات الأسر الطويلة التي تجاوزت الأربعين عاماً لبعضهم، ويا ليت الأمر انتهى عند عداد السنين الذي لا يتوقف عن نهب أعمارهم، بل لقد أصبحت اليوم المعركة ليست معركة تحريرهم، ولكن معركة تحسين معيشتهم في السجن! فأين عقديتنا الإسلامية وأين مآثرنا العربية، بل أين قيمنا الإنسانية؟!<br />
نيلسون مانديلا قضى في سجن نظام الفصل العنصري 27 عاماً كانت كفيلة بتفكيك ذلك النظام البائد وتحويل مانديلا أيقونة عالمية للحرية، ونائل البرغوثي تجاوز في سجنه أربعين عاماً لا أظن أن زعيماً عربياً أو مسلماً يعرف اسمه لو سأل عنه. <br />
فما الفرق بينهما؟ وهل يا ترى كان شعب جنوب إفريقيا والقيادة الإفريقية أكثر عزماً وأشد مضاءً وأكثر حكمة في العمل من أجل قضيتهم؟ فليجب من يملك الإجابة.</p>
|
| 27 |
لماذا تصالحت السعودية مع إيران؟ |
<p>في توقيت مهم اتخذت المملكة قرارًا يعد تحولًا دراماتيكيًّا واستراتيجيًّا في علاقة البلدين الإسلاميين اللذين يمثلان القيادة الروحية والمذهبية للمسلمين في العالم سواء من السنة أو الشيعة.</p>
<p>العلاقة بين البلدين كانت منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979 يشوبها التوتر والقلق المتبادل، حيث تنظر العربية السعودية لقيادة الثورة الإسلامية في إيران على أنها تسعى لتصدير الثورة إلى المملكة، وتسعى في الهدف البعيد إلى السيطرة على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، وفي ذات الوقت كانت إيران تنظر على الدوام إلى الملكة على أنها تصطف إلى فسطاط المعادين للثورة الإسلامية بقيادة الولايات المتحدة التي أعلنت عداءها للثورة الإسلامية منذ انطلاقتها، وفرضت عليها حصارًا دبلوماسيًا واقتصاديًا ما زالت تداعياته وآثاره وأشكاله مستمرة حتى يومنا هذا.</p>
<p>ولقد أدى التنافر الحادث بين القيادتين إلى تشتيت وحدة العالم الإسلامي المفترضة، وتبديد جهوده التي كان يجب أن تتوحد من أجل قضايا العالم الإسلامي، وربما كان أبرز محطتين للخلاف بين البلدين الكبيرين هما حرب الخليج الأولى إبان الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، حيث اصطفت المملكة العربية السعودية بشكل واضح إلى جانب العراق ودعمته بكل الوسائل سواء المالية أو العسكرية؛ ما كان له أثر كبير في توتر العلاقات بين البلدين شاهد العالم آثارها أكثر من مرة في مواسم الحج التي كان يتظاهر فيها الحجاج الإيرانيون ضد سياسات المملكة بعشرات الآلاف، وهو الأمر الذي كانت تنظر إليه السعودية كمحاولة لزعزعة نظام الحكم فيها.</p>
<p>أما المحطة الثانية، فهي حرب اليمن التي ما زالت مشتعلة حتى الآن، حيث دعمت إيران جماعة أنصار الله دعمًا كبيرًا ضد التدخل السعودي في اليمن، وكان أشد مراحل التوتر حينما قُصفت شركة أرامكو من قبل مسيرات قادمة من اليمن، حيث اتهمت السعودية إيران بالمسؤولية عن ذلك الهجوم.</p>
<p>اليوم وبشكل مفاجئ، يتفق البلدان على إعادة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، وهو الأمر الذي من شأنه أن يخفف حدة التوتر إلى حد كبير بين البلدين دون شك، ولكن لا أظن أن ينهي الخلاف والتباين بالكامل بين البلدين، ومرد ذلك يكمن في محاولة فهم البواعث السعودية الداعية لهذه الخطوة والتعرف على الهدف السعودي من إعادة العلاقات بين البلدين، والذي أظنه يتمركز حول اليمن وإنهاء الحرب فيها، بعد أن أيقنت القيادة السعودية أن استمرار الحرب هو عملية استنزاف للمملكة دون جدوى، الأمر الذي يتطلب تحركًا مؤثرًا لإنهاء هذه الحرب بأقل الخسائر، وهو ما كان من خلال التوجه لمن تعُده السعودية المتحكم في زمام الأمور في اليمن وهي الجمهورية الإسلامية.</p>
<p>ربما لم يعد البعد الطائفي عاملًا مؤثرًا في سياسات العربية السعودية في علاقاتها مع إيران، خاصة مع السياسات الانفتاحية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وسياساته الواضحة بالتحلل من الإرث الديني التاريخي التقليدي لنظام الحكم في السعودية، والسعي لكي تكون السعودية بلدًا منفتحًا كبقية دول الخليج العربية باستثناء الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وهذا ما يمارس عمليًّا من خلال هيئة الترفيه السعودية، وعليه لم يعد للبعد الطائفي الذي كان عاملًا حاكمًا للسياسة السعودية تجاه إيران ذلك البعد المؤثر، ولكن يبقى العامل السياسي هو الضابط الأهم للسياسات السعودية في الآونة المقبلة، إذ ما زالت السعودية تمارس ذات السياسة التقليدية للمملكة، بل وتعمق سياساتها تلك باعتبارها جزءًا من التحالف الأمريكي الغربي الذي يمتد نفوذه إلى منطقة الشرق الأوسط كمنظمة حيوية لا يمكن السماح لأي قوة كانت العبث بها لكونها تحتوي على أهم مصادر الطاقة، إضافة إلى تحكمها في أهم المضائق البحرية العالمية.</p>
<p>وهنا تلتقي مصلحة المملكة بصفتها دولة غنية الموارد ذات رقعة جغرافية واسعة كانت دائمًا محط أطماع لدول أكثر منها قوة، سواء كانت هذه الدول مجاورة أو بعيدة جغرافيًا عن المملكة، وهو ما عايشته المملكة بقسوة خلال حرب الخليج الثانية حينما تعرضت للتهديدات العراقية إبان حكم الرئيس العراقي صدام حسين، ولذلك بقيت المملكة العربية السعودية بحاجة دائمة إلى حلف قوي يُسكِّن مخاوفها، وفي سبيل ذلك كانت على الدوام حليفًا مهمًّا للولايات المتحدة.</p>
<p>أختلف كثيرًا مع من ذهب إلى أن إعادة العلاقات بين السعودية وإيران مقدمة لإعادة تموضع سياسي للمملكة بحيث تصبح جزءًا من تحالف إقليمي مناوئ للهيمنة الأمريكية على المنطقة، بل أظن أن الخطوة السعودية ستكون مقدمة لاتخاذ خطوات مهمة في تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة بعد إنهاء حرب اليمن وتهدئة العلاقة المتوترة مع إيران، قد تتمثل هذه الخطوات في تطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، وبذلك تكون المملكة بقيادة محمد بن سلمان قد حققت هدفين في آن واحد، وهما: خروجها الآمن من مستنقع اليمن، وإنهاء التوتر في الخليج من خلال إعادة العلاقات مع طهران من جهة، وفي ذات السياق ومن جهة أخرى التقدم في مسار التطبيع المرغوب جدًا من قبل الحليف الأمريكي، وهو الأمر الذي يتماهى كثيرًا مع سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في رؤيته المستقبلية للمملكة بل وللمنطقة ككل.</p>
|
| 28 |
حوارة إدانة الجريمة دون المجرم |
<p>في هجمة بربرية وحشية تشبه إلى حد كبير هجمات المغول الهمجية على حواضر ومدن العالم الإسـ،ـلامي شن المستوطنون هجمتهم على بلدة حوارة تلك البلدة الفلسطينية الوادعة الجميلة التي استمدت اسمها من جمال حور العين الذي تغزل به شعراء العرب فكان اسم على مسمى زاد البلدة جمالاً وبهاءً، لم تسلم البلدة الوادعة من وحشية سوائب المستوطنين الذين استباحوا كل شيء فيها من حجر وشجر وإنسان تحت- ليس نظر الجيش الصـמـيوني- ولكن تحت حمايته ودعمه بل وبدون مواربة، فقد تصدرت صور الجنود الصـהـاينة شاشات وسائل الإعلام العالمية وهم يتابعون الجريمة ويساندون المجرمين، وهي ليست المرة الأولى التي يساند فيها جيش الاحتلال سوائب المستوطنين في اعتداءاتهم على كل ما يمت للفلسطينيين بصلة سواء كان حجراً أو شجراً أو تاريخ أوثقافة، ولا زالت كثير من نماذج تلك الاعتداءات التي رعاها الجيش الصـמـيوني حاضرة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية بدءًا من مذابح نكبة 1948، و56، و67، و82 وكل الحروب التي خاضها الجيش الصـמـيوني ضد المدنيين العزل في الضفة الغربية وقطاع غزة بدءً من إنتفاضة 87 وحتى يومنا هذا، وأزعم أن العالم قد ألف صور الجنود الصـהـاينة وهم يمارسون جريمتهم اليومية المستمرة ضد المدنيين الفلسطينيين التي وثقتها إضافة لكاميرات الإعلام تقارير اللجان والمؤسسات الدولية.</p>
<p>ما حدث في حوارة حدث في كثير من المدن والقرى الفلسطينية ولكن الفرق بين ما حدث في حوارة وغيرها من المدن أن العـ.ـدو الصـמـيوني لم يحاول طمس أو إخفاء جريمته كعادته، بل لقد عبر هذه المرة على لسان مسؤولين كبار في الحكومة الصـמـيونية وأعضاء كنسيت بما يجيش في صدورهم من سعادة غامرة بما فعله المستوطنون، ودعوا إلى احراق حوارة عن بكرة أبيها، وكأن ما حدث فيها من حرق وتدمير لم يكن كافياً البتة في نظرهم وكانت تصريحاتهم بمثابة لوم وتأنيب لسوائب المستوطنين الذين لم يكملوا المهمة من وجهة نظرهم.</p>
<p>القادة الصـהـاينة عندما يصرحون بمكنون صدورهم لم يشكلوا لنا نحن الفلسطينيين أي صدمة أو حالة استغراب أو إندهاش، فلقد عانينا على مدار سنوات طويلة من ويلات همجية الاحتلال، ما جعلنا محصنين ضد كل وسائل الإرهاب التي استنفذها العـ.ـدو ضدنا حتى ما عادت تعني عنه شيئاً وما عادت تجدي نفعًا، ولكنها شكلت صدمة للعالم الحر والمتحضر كما يحب أن يسمى نفسه وأقصد على وجه التحديد الدول الغربية التي دأبت على دعم دولة الاحتلال دعماً مطلقاً غير مشروط ووفرت لها كل وسائل الحماية القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية وساندتها اقتصاديًّا وعسكريًّا دون انقطاع.</p>
<p>هذا العالم "الحر" الذي ادعى أنه صُدم من تصريحات القادة الصـהـاينة أورد بعض التصريحات على لسان بعض القادة الأوربيين تعبّر عن مدى استيائهم من وقوع هذه الجريمة وربما كان أبرزها تصريح الخارجية الامريكية على لسان المتحدث باسمها نيد برايس للصحافيين إن تصريحات سموتريتش "بغيضة وغير مسؤولة ومثيرة للاشمئزاز"، داعيًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وغيره من كبار المسؤولين إلى استنكار تصريحات الوزير علنا.</p>
<p>التصريحات الغربية في إدانة الجريمة فتحت شهية البعض للادعاء بأن "إسرائيل" كشفت عن "وجهها الحقيقي" أمام العالم وأخذ يعوّل كثيرًا على المواقف الغربية ويدعو إلى استثمارها، بل وجد البعض من تصريحات القادة الغربيين فرصة للدفاع عن موقف السلطة الفلسطينية في حضور مؤتمر العقبة معتبرًا أن ذلك التوجه ينم عن حنكة ودهاء سياسي مارسته السلطة لتحرج إسرائيل والدول الغربية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة، وغاب أو غُيّب عن هؤلاء أن التصريحات الإعلامية الغربية كانت دائمًا وستبقى إدانة للجريمة دون إدانة للمجرم ولقد سمعنا وشاهدنا مثل هذه التصريحات من القادة الغربيين في مواقف وأزمنة مختلفة، فلقد أدانوا جميعًا مذابح صبرا وشتيلا وأدانوا سياسة تكسير العظام في الانتفاضة الأولى وأدانوا قتل محمد الدرة وعائلة دوابشة وأبو خضر وشرين أبو عاقلة وقصف البيوت فوق رؤس ساكنيها من المدنيين أدانوا كثيرًا الجرائم لكنهم لم يحدث أن أدانوا يومًا المجرم، بل ولقد دافعو باستماتة على ألا أن ينال المجرم أي عقاب، بل لم يمارسوا أي نوع من الضغوط عليه لإجباره على الكف عن جرائمه، وأبرز مثَل فاضح على ذلك الموقف المخزي والمشين من جريمة قتل الصحافية شرين أبو عاقلة، حينما مارست الولايات المتحدة كل الضغوط العلنية والخفية على الرئيس محمود عباس حتى لا يحيل هذا الملف للجنائية الدولية، بل ولقد تواطؤوا مع المجرم في حرف مسار التحقيق وتضليل العدالة حينما ادعت الولايات المتحدة أن المعامل الجنائية لديها وهي الأكثر تطوراً وحداثة على مستوى العالم لم تستطع أن تتعرف على المقذوف الذي قتل الشـהــيدة شرين بدعوى أنه تضرر كثيرًا وتغيرت معالمه لدى إصطدامه بجمجمة الشـהــيدة شرين، أجل قالوا ذلك ليبرروا تواطؤهم وهم الذين كشفوا سر قتل الملك المصري توت كنخ أمون قبل ثلاثة آلاف عام كما ورد في وثائقي شـהــيد للجزيرة وقد كتبت مقالاً وقتها في هذا السياق.</p>
<p>إذن لم تكن التصريحات الغربية إلا لذر الرماد في العيون دون اتخاذ أدنى إجراء عقابي ضد الحكومة الصـמـيونية الفاشية العنصرية ولا يزال الدعم المادي والمعنوي والسياسي والعـшـكري والأمني تُصب على الاحتلال دون أدنى انقطاع أو توقف، ولا تزال الولايات المتحدة حاضرة بالفيتو الأمريكي لتحبط أي إدانة لجرائم الاحتلال حتى وإن لم يكن لهذه الإدانة أثر كما حدث مؤخراً في مجلس الأمن.</p>
<p>ليس ذلك لأن السياسة الامريكية تكيل بمكيالين ولكن لأن الغرب بشكل عام ليس وسيطاً أو محايداً أو مراقباً حتى نصفه بعدم الانصاف أو الكيل بمكيالين، ولكن لأنه طرف أصل داعم ومساند للإحتلال ومصطف إلى جانب الاحتلال ضد حقوق الشعب الفلسطيني وموقفه المعلن والثابت هو الدعم "لإسرائيل" ودعم كل خطواتها التي تتخذها في مواجهة الشعب الفلسطيني وإسداء المدح والثناء عليها حينما توافق على أن تقبل التفاوض مع السلطة الفلسطينية.</p>
<p>لست مستغرباً من الموقف الغربي كوني أفهم جيداً أن العالم تديره لغة المصالح وليس لغة الحق والعدل، وسيبقى مقيماً على هذه السياسة الظالمة ما بقي العرب مقيمين على سياسة الخنوع والانبطاح ليصدق فيهم قول المتنبي:</p>
<p>ومن يهن يسهل الهوان عليه – ما لجرح بميت إيلام</p>
|
| 29 |
رد ياسر عرفات على مؤتمر العقبة |
<p> </p>
<p>كانت معركة الكرامة التي وقعت بين قوات الثورة الفلسطينية والجيش الصهيوني بمنزلة عهد جديد للثورة الفلسطينية، إذ امتدت وانتشرت في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني، خاصة في المخيمات الفلسطينية التي تمركزت في البلدان العربية كسوريا والأردن ولبنان، وأمام هذا الزخم الثوري الهائل، بدأت الثورة الفلسطينية باتخاذ إجراءات لتنظيم عمل الكفاح المسلح بما يستوعب هذا التطور الذي كان أبرز ملامحه إقبال الشباب الفلسطيني على الانضمام لقوات الثورة الفلسطينية أو ما كان يعرف وقتها بالكفاح المسلح.</p>
<p>كانت لبنان كدولة عربية حدودية من أكثر الدول التي استوعبت اللاجئين الفلسطينيين الذين تمركزوا في حوالي ستة عشر مخيما للاجئين الامر الذي شكل عبئا ثقيلا على لبنان ليس من الناحية الاقتصادية فقط ولكن من حيث معادلة التوازن الطائفي، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أدى تكريس وتكثيف الوجود الفلسطيني المسلح على الأرض اللبنانية إلى شعور الدولة اللبنانية بنوع من فقدان السيطرة الأمنية على أراضيها حيث ظهر تحرك قوات الثورة الفلسطينية على الأرض كأنه منازعة لقوات الثورة للجيش اللبناني في العمل على أرضه؛ الأمر الذي دفع قوات الجيش والشرطة اللبنانية إلى اتخاذ بعض الإجراءات ضد قوات الثورة الفلسطينية في شمال لبنان لإحكام سيطرة الجيش والشرطة الأمنية على المنطقة، لم يكن في وارد حسابات قيادة الثورة الفلسطينية أن تسلم بهذه الإجراءات، فانطلقت قوات الثورة الفلسطينية لتسيطر على قواعد الجيش ومخافر الشرطة في المنطقة التي جرى فيها تحرش الجيش اللبناني بقوات الثورة الفلسطينية؛ الأمر الذي استدعى تدخل الرئيس جمال عبد الناصر في حينه وتوقيع ما عرف باتفاقية القاهرة في 3 نوفمبر 1969م، التي نظمت الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان بما يضمن حرية العمل لقوات الثورة الفلسطينية على الأرض اللبنانية وحرية انتماء أبناء الشعب الفلسطيني لقوات الثورة الفلسطينية، وقد وقّع الاتفاق ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والعماد إميل البستاني قائد الجيش اللبناني.</p>
<p>ما سبق كان رد ياسر عرفات على كل محاولة للنيل من العمل الثوري الفدائي الفلسطيني عندما كانت الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح هما السبيل الوحيد في عقيدة منظمة التحرير لتحرير الأرض الفلسطينية، ولذلك لم يكن يقبل في ذلك الوقت مجرد فكرة المس بالكفاح المسلح حتى من قبل المستضيف لقوات الثورة واللاجئين الفلسطينيين، وهي الدولة اللبنانية من خلال الجيش اللبناني أو أجهزة الأمن اللبنانية، رغم أن الأرض هي أرض لبنانية والسيادة عليها سيادة لبنانية ورغم أن الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية كان له تبعات خطِرة على لبنان كدولة، أقلها تكرار قصف الطائرات الصهيونية للأراضي اللبنانية والمناطق والمواقع الحيوية في لبنان.</p>
<p>في مؤتمر العقبة يجتمع من يدّعون أنهم يحملون إرث ياسر عرفات مع العدو الصهيوني ليتفقوا على القضاء على الثورة المسلحة التي تنتشر في مدن وقرى الضفة الغربية برعاية وإشراف أمريكي، رغم أن الأرض التي تجري عليها المقاومة هي أرض فلسطينية محتلة، والشعب المقاوم هو الشعب الفلسطيني والمحتل هو العدو الصهيوني الذي يرتكب يومياً مجازر ضد أبناء الشعب الفلسطيني، التي كان آخرها مجزرة نابلس.</p>
<p>المفارقة بين اليوم والبارحة أن قيادة منظمة التحرير بالأمس لم تقبل أن تتدخل الدولة اللبنانية أو تمس بأي حال من الأحوال بالثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، رغم أنها مستضافة على الأرض اللبنانية وتخضع للسيادة اللبنانية، وفي سبيل حماية الثورة الفلسطينية أصدرت قيادة منظمة التحرير قرارًا لقوات الثورة الفلسطينية باقتحام مواقع الجيش والشرطة اللبنانية في المنطقة التي جرى فيها التحرش بقوات الثورة الفلسطينية، وقد أسفر عن هذا التحرك السيطرة على عدد من مواقع الجيش اللبناني ومخافر الشرطة اللبنانية واعتقال عناصر الشرطة والجيش الموجودين في تلك المواقع، ومصادرة أسلحتهم لصالح قوات الثورة الفلسطينية، وبلا شك فقد شكل هذا التحرك إهانة شديدة للدولة والجيش والشرطة اللبنانية، ورغم ذلك وُقِّعت الحكومة اللبنانية اتفاقية تحمي الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.</p>
<p>اليوم نفس القيادة لنفس المنظمة مع اختلاف الأسماء وبعد مرور الزمن، توقع اتفاقية للقضاء على قوات الثورة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبمنطق الثورة الفلسطينية في عام 1969 كان الرد هو الاستيلاء على مواقع الجيش والشرطة التي حاولت أن تمس الثورة الفلسطينية واجبار الحكومة اللبنانية على توقيع اتفاقية تحمي الثورة والكفاح المسلح، فهل تتخذ الثورة المسلحة في الضفة الغربية اليوم ذات القرار الذي اتخذه ياسر عرفات عام 1969م؟</p>
<p>غزة في 2/3/2023م</p>
|
| 30 |
البوص ما بندق أوتاد |
<p><br />
البوص هي نبتة تنمو في الأرض الفلسطينية مثلها مثل كثير من النباتات التي تختلف استخداماتها ووسائل الانتفاع بها، ولما كانت هذه النبتة ضعيفة الأغصان لكونها مجوفة من الداخل على الرغم من الرونق والجمال ونعومة الملمس الذي تميزت به، فقد اتخذها الفلسطينيون أداة من أدوات الطرب، فصنعوا منها اليرغول، وهي الأداة الموسيقية الأشهر فلسطينيًا لجمال الأصوات التي تخرجها عند النفخ فيها في الأفراح الفلسطينية التي تُغنّى فيها أهازيج ظريف الطول والعتابا والميجنا، وعلى الرغم من هذا الدور الطربي الذي تؤديه هذه النبتة بكفاءة فإنها لا تقوم مقام أشجار أو نباتات أخرى تستخدم في مواطن الشدة والقوة كأعمدة الخيام أو أوتادها أو أي شيء ممكن أن يعول فيه على القوة والمتانة، ولذلك كان المثل الفلسطيني الشهير أن "البوص ما بندق أوتاد" لأنه سينكسر عند أدنى ضغط، ومن ثم انهيار الخيمة فوق رؤوس ساكنيها أو تطايرها مع العواصف التي قد تضربها.<br />
القيادة الرسمية الفلسطينية مثلها تمامًا كمثل البوص، لا يعول عليها في مواطن الشدة والبأس، لأنها تنكسر عند أدنى ضغط، قد نسمع منها كلمات منمقة جميلة، وقد نرى لقاءات وعلاقات دبلوماسية كثيفة، لكنها في النهاية لا تصمد أمام أي ضغط، فتنكسر وتترك الحمية الفلسطينية لتنهار فوق رأس الشعب الفلسطيني أو تتطاير الخيمة بكليتها تحت تأثير العواصف والأنواء، لأن أوتادها كانت من البوص وليس من شجر الزيتون الذي يكثر في أرض فلسطين.<br />
في حركة بهلوانية مكرورة قبلت القيادة الرسمية الفلسطينية أن تخضع للضغط الأمريكي مرة أخرى/ وتخلت عن مسؤوليتها الوطنية، ولم تكن أمينة على مصالح الشعب الفلسطيني عندما قبلت أن تستبدل التصويت على إدانة الاستيطان الصهيوني في مجلس الأمن ببيان يصدر عن رئاسة المجلس ليس له أي أثر قانوني أو سياسي.<br />
هذه ليست المرة الأولى التي تصدم القيادة الرسمية الفلسطينية الشعب الفلسطيني بتصرفاتها التي لا ترقى البتة إلى مستوى التضحيات العظيمة التي يقدمها يوميًا شعبنا راضيًا على مذبح حريته واستقلاله، بل لقد أصبحت مشاهد البطولة والفداء التي تنقلها أجهزة الإعلام للعالم تكاد تكون ميزة حصرية للفلسطيني، وفي المقابل نرى كل هذا التراجع والهزال في مواقف القيادة الرسمية التي فرضت نفسها على شعبنا.<br />
كثيرة هي المرات التي خذلت فيها القيادة الرسمية بقيادة أبو مازن شعبنا، ليس بدءًا بالإصرار على التنسيق الأمني مع الاحتلال ضد المقاومة، ومرورًا بالإحجام عن اتخاذ الوسائل والإجراءات القانونية لمحاكمة الاحتلال على جرائمه أمام المحافل الدولية وقضية نقل السفارة الأمريكية للقدس وقضية شيرين أبو عاقلة، كما أن إحالة ملفات جرائم الاحتلال للجنائية الدولية ما زالت حاضرة ولم تتغير لتبقى شاهدًا على مدى الخضوع للإرادة الصهيونية والأمريكية، وليس انتهاء بالهزل الدبلوماسي الذي كان بالأمس حينما قبلت السلطة أن تستبدل بالتصويت في مجلس الأمن على إدانة الاستيطان بيانًا رئاسيًا عن المجلس.<br />
أبو مازن يعلم جيدًا أن الإدارة الأمريكية لا تفي بوعودها، وفي الوقت ذاته لا تمارس ضغطًا يُذكر على الحكومة الصهيونية، ولو أن الإدارة الأمريكية كانت وفية ولو بالحد الأدنى لما تعهدت به مرارًا وتكرارًا أو أنها مارست أي نوع من أنواع الضغط. ولا يقصد هنا الضغط العسكري -معاذ الله- بل مجرد بعض من ضغط اقتصادي أو دبلوماسي، لكانت الأمور أفضل بكثير مما نحن عليه الآن، فكم من الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي كانت على الدوام تبدأ ولايتها بتأكيد حل الدولتين -باستثناء ولاية ترامب طبعًا- لم نجد أي ملمح لدولة فلسطينية حتى هذه اللحظة، بل إن الإدارة الأمريكية كانت تعتبر على الدوام أن توجه السلطة للمحافل الدولية وفقًا للقانون الدولي الذي صاغته دول العالم التي تصف نفسها عادة بالدول المتحضرة وعلى رأسها الولايات المتحدة، خطوات أحادية الجانب تضر بحل الدولتين، في حين كانت تغمض عينها عن جرائم الاحتلال مهما بلغت قسوتها، بل وعند الحاجة كانت تتماهى مع سياسات الاحتلال الإجرامية فتصف جرائمه بحق شعبنا، -التي وصفتها التقارير الدولية كافة بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية- بأنها "حق لإسرائيل في الدفاع عن نفسها"، بل إن الإدارة الأمريكية غضت الطرف بل تواطأت على اغتيال الراحل ياسر عرفات حينما قرر أن يوقف المهزلة التي أراد الاحتلال أن يغرقه فيها إلى النهائية. <br />
القيادة الرسمية الفلسطينية تثبت مرة أخرى أنها بعيدة كل البعد عن نبض الشارع الفلسطيني، وهي معزولة تمامًا عن حركة الجماهير الفلسطينية التي تسعى إلى الحرية والاستقلال، بل تتخذ مواقفَ أقل ما يقال فيها أنها ليست أمينة على مصالح الشعب الفلسطيني ولا تمثله، وفي ذات السياق ما زالت تتشبث بالمسؤولية وتحول دون أي محاولة إصلاح أو تغيير من خلال الانتخابات، فهل قدر شعبنا أن تبقى أوتاد خيمته وأعمدتها من البوص؟</p>
|
| 31 |
فتية الـمـقـاومة في مواجهة فتية التلال* |
<p> </p>
<p>قد تتشابه المسميات وتتشابه الدوافع وتتشابه الأعمار، ولكن بلا شك تختلف المبادئ والأفكار والقيم، وبالضرورة تختلف المنطلقات، فالمنطلقات نابعة من أصل الحق لفريق فتية المقـاومة يقابلها منطلقات الباطل في الفريق الآخر.</p>
<p>ما يحدث على أرض فلسطين ليس إلا استمراراً للمعركة التي بدأت منذ أن وضع الصهـيوني الأول قدمه على أرض فلسطين حين دخلها خائفاً يترقب، فآوته الأرض الطيبة وأكرمه أصحابها بمقتضى من شيم الكرم والجود والشهامة العربية الأصيلة التي تتزين بها رجولتهم التي قابلها الدخيل بخسة الطابع ولؤم النفس وخبث الروح التي ميزت أولئك القوم فتمسكنوا حتى تمكنوا ثم تجبروا، ولما كان الفلسطيني لا يقبل على نفسه الضيم فقاتل بشرف ودافع عن أرضه التي بدأ أولئك الغرباء مشروع الاستيلاء عليها بدعم من القوى الاستعمارية إلى أن مكنوهم من الأرض بعد أن دعموهم بكل أسباب القوة.</p>
<p>الفلسطيني ما زال يقاوم ولم يستسلم ولم يخضع، وظل ينقل قصة الغريب الخائن من الآباء إلى الأجداد، وتنتقل مع أصل الحكاية حكايات من الشرف والبطولة والتضحية والفداء، وفي المقابل انتقلت الخسة والنذالة من الغرباء إلى أحفادهم وما زالت المعركة مستمرة.</p>
<p>اليوم تستعِر المعركة ويشتد أوارها بين فتية الـمقـاومة الذين صورت شاشات الإعلام بطولتهم وجسارتهم ومدى إقبالهم على التضحية بالروح رغم حداثة سنهم، تلك الروح الوثابة التواقة التي انتقلت إليهم بسلسال الدم من آبائهم فشكلت التزاماً وجدانياً في أعناقهم بأن تبقى المعركة مستمرة رغم كل ما يحيط بهم من تخاذل وتواطؤ وخيانة قد عايشها آباؤهم من قبل أيضاً، وعلى خطى الآباء مر الأبناء، وبقي سر ثباتهم الأسطوري يتمثل في حقيقة أن الحق قديم لا يزول بالباطل، وأن الباطل زائل بطبعه مهما بدا قوياً متحكماً ومتجبراً، فتية الـمـقـاومة يواجهون فتية التلال؛ تلك المجموعات من سوائب المستوطنين الذين نقل لهم آباؤهم ممن خانوا كرم الضيافة وقيم الشهامة والجود نقلوا لهم لؤم الطباع وخسة النفس وخبث الروح بعد أن لقنوهم قصصًا مزورة وخرافات مصطنعة عن أرض كانت قبل آلاف السنين، إلا أن عدم القناعة بالخرافات التي يحملونها تتبدى جلياً في مدى الجبن والخوف والهلع الذي يعتريهم لدى مواجهتهم لفتيان الـمقاومة، ورغم أسلحتهم الكثيرة التي لا تفارق أيديهم المرتجفة التي يتسلحون بها والتي ضاعفها ابن غفير إلى خمسة أضعاف، ورغم حماية الجيش الصهيوني المدجج بأعتى أنواع الأسلحة لهم، تراهم يخوضون معاركهم مع شجر الزيتون فيحرقونه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ظانين أن النار قد تجتث ثبات الزيتون في أعماق الأرض، أو يتجرؤون على هدم منزل أو احتلاله أو تدنيس مسجد أو مقبرة. تلك هي المعارك التي يتقنون القيام بها، فهي معارك تخاض بلا شرف ولا مروءة ضد كائنات أو جمادات لا حول لها من قبل جبناء مرتعدين يفشلون في حرق شجيرة زيتون أحياناً أو تخريب حقل أو بستان.</p>
<p>المقارنة بين المشهدين تدلل على أصالة الحق الذي يُفدى بالدم والروح، والباطل الجبان المرتجف الذي يحميه السلاح.</p>
<p>القوة الجبارة التي تحرك فتية الـمـقاومة تستمد من الروح العظيمة الشريفة السامية التي يحملها الفلسطيني الذي يُقبل على الموت بجسارة أبطال الأساطير ليصنع ملحمة بطولةٍ لا يكاد يدرك القلم ذيل مجدها ليسطر بعضاً من حروف هي بالتأكيد لا تفيها حقها، فمن ذا الذي سيكتب عن خيري وعن التميمي والنابلسي وعن محمود علوات ذي الثلاثة عشر عاماً من سلوان وفتى شعفاط الذي إلى وقت كتابة هذا المقال لم يُعلن عن اسمه بعد، والقائمة الطويلة من أسماء جليلة عظيمة قد تنسى بمرور الأيام، ولكن تبقى قصص البطولة حاضرة لا تغيب.</p>
<p>لكل فتى من هؤلاء الفتية حكايته التي صاغها على طريقته، فألهمت من بعده فتياناً آمنوا بربهم وزادهم هدى ينتظرون اللحظة المناسبة ليزينوا لوحة الشرف والبطولة بنجم جديد يظل يشع في سماء الوطن على مدى الزمن، هم فتية أووا إلى كهف الحرية الذي لا يدخله إلا من كان نقي السريرة شديد العزم طاهر النفس ليخلد ذكره في كهف الأبطال كما خلد القرآن ذكر أصحاب الكهف.</p>
<p>فتية الـمـقاومة وفتية التلال يجسدون منطق الحق ومنطق الباطل، وستمضي سنة الله في خلقه، وسيقذف بالحق على الباطل فيدفعه فإذا هو زاهق.</p>
|
| 32 |
الضفة الغربية.. معادلة الأمن والسلطة والاحتلال |
<p>منذ توقيع اتفاق أوسلو الذي تنازلت فيه قيادة منظمة التحرير عن الموقف الفلسطيني الثابت منذ عام 1948م بتحرير الأرض العربية الفلسطينية من البحر إلى النهر والاكتفاء عوضًا عن ذلك بدولة على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967م التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك القدس الشرقية. رغم هذا التحول التاريخي لموقف القيادة الفلسطينية الذي يعد تنازلًا قاسيًا عن الثوابت الفلسطينية بل خيانيًا في نظر البعض، فإن القادة الصهاينة لم يلتقطوا هذا التنازل الفلسطيني التاريخي، ويندفعوا لتأكيده على الأرض من خلال السير عمليًا في مسار السلام بما يحقق الرؤية التي لاقت تأييدًا وموافقة من معظم دول العالم، بما في ذلك الدول العربية التي صدرت موقفها في عام 2002م من خلال المبادرة العربية التي كان عنوانها التطبيع الكامل مقابل قيام دولة فلسطينية وفقًا لاتفاق إعلان المبادئ المعروف باتفاق أوسلو، إلا أن رئيس الوزراء الصهيوني شارون في ذلك الوقت وصف المبادرة بأنها "نكتة"، وقال إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به.<br />
ربما سلمت القيادات الصهيونية بالتنازل عن قطاع غزة لكونه لا يمثل معضلة أمنية لـ(إسرائيل) لأنه عبارة عن شريط حدودي ضيق معزول يقع على الحدود المصرية ولا يحول دون أي تواصل جغرافي لـ(إسرائيل)، ولكن بقيت المعضلة الأمنية التي تمثلها الضفة الغربية التي تضم مساحة شاسعة من الأرض قياسًا بمساحة فلسطين التاريخية التي لا تتجاوز 27 ألف كيلو متر مربع، وامتدادها من الحدود الأردنية باتجاه الساحل لتصل المسافة ما بين آخر نقطة في منطقة قلقيلية وساحل المتوسط نحو 13 كيلومترًا فقط، علاوة على أن الضفة الغربية منطقة جبلية في معظمها تشرف على السهل الساحلي من الشمال إلى الجنوب، بما يعني القدرة على التحكم التام بهذه المنطقة عسكريًا، والقدرة على قطع خطوط المواصلات، والهيمنة النارية في حال حدوث حرب، ناهيك بأنها -أي الضفة الغربية- تقسم عمليًا الكيان إلى قسمين؛ القسم الشمالي: منطقة حيفا والجليل، والقسم الجنوبي بما يشمل منطقة بئر السبع وصحراء النقب وصولًا إلى أم الرشراش، وكذلك استيعابها لمعظم البحر الميت والأغوار.<br />
هذا الموقع المميز للضفة الغربية جعل منها عقدة أمنية لا يمكن إغفالها من قبل القادة الصهاينة خصوصًا وأن (إسرائيل) دولة قائمة على الأمن وفقًا للعقيدة الأمنية الصهيونية، كل ذلك دفع الحكومات الصهيونية المتعاقبة إلى تعطيل أي حل سياسي يتضمن الانسحاب من الضفة الغربية ومحاولة تكثيف الاستيطان فيها والبحث عن حلول تلبي الحاجة الأمنية الصهيونية ومحاولة إقناع المجتمع الدولي به، ولقد كانت صفقة القرن، التي حاولت الإدارة الأمريكية السابقة تسويقها، نموذجًا لبعض الحلول المطروحة في هذا السياق. <br />
الحاجة الأمنية الصهيونية في الضفة الغربية جعلت من السيطرة الأمنية المطلقة عليها قضية أمن قومي صهيوني، ولذلك رُبط التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية بقضية وجود السلطة الفلسطينية نفسها، بمعنى أنه في حال عجزت السلطة الفلسطينية عن القيام بالمتطلبات الأمنية لـ(إسرائيل)، فإن بقاء السلطة نفسها يصبح مسألة غير ذات جدوى، والسلطة الفلسطينية تفهم ذلك جيدًا، لذلك تردد على لسان السيد محمود عباس عبارات من قبل أن "التنسيق الأمني مقدس"، بمعنى أن بقاء التنسيق الأمني يعني بقاء السلطة نفسها. <br />
وربما التقت الحاجة الأمنية لـ(إسرائيل) مع الحاجة الأمنية للسلطة التي اعتبرت أن أي حالة ثورة أو انتفاضة في الضفة الغربية هي تهديد وجودي للسلطة باعتبارها "حالة فوضى" تهز أركان السلطة في الضفة الغربية، ولذلك اتحدت جهود السلطة مع (إسرائيل) والولايات المتحدة عقب عملية السور الواقي وبعد وصول حركة حماس للحكم في عام 2006م نحو تشكيل قوة أمنية برعاية الجنرال الأمريكي "كيث دايتون" الذي أشرف على تدريب هذه القوة الفلسطينية لتتمكن من بسط سيطرتها على الضفة الغربية، وتكفلت الولايات المتحدة بدعمها بكل ما تحتاج إليه من موازنات مالية وتسليح وتجهيزات لوجستية. <br />
اليوم وفي ظل تفلت قبضة السلطة الفلسطينية على الأوضاع في الضفة الغربية، وازدياد انتشار المجموعات المسلحة في معظم مدن الضفة الغربية، تعود إلى الواجهة فكرة إنشاء قوة فلسطينية تستطيع السيطرة على ما يحدث في الضفة، لكون السيطرة الأمنية الفلسطينية يمكن تغطيتها "بعطاء وطني مصطنع" الأمر الذي يخفف حدة التوتر والتصعيد بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، ويبرد الساحة الفلسطينية بما يسمح بعودة الأمور لسابق عهدها؛ الأمر الذي يتيح لـ(إسرائيل) والإدارة الأمريكية استئناف خطة التطبيع مع الدول العربية وتركيز الجهد على الحرب الروسية الأوكرانية بصفتها أولوية للإدارة الأمريكية، وتسكين القيادة الفلسطينية ببعض الدعم المالي والوعود السياسية بالعمل على إنجاز حل الدولتين دون إنجاز أي إجراءات ملموسة في هذا السياق على الأرض.<br />
السلطة الفلسطينية تبدو في هذه الحالة كالمخيّر ما بين الرمضاء والنار، فلا هي قادرة على التحلل من الالتزامات الأمنية مع الاحتلال، لأن ذلك يعني انتهاء دورها ومن ثم تخلي الاحتلال عن فكرة التمسك بوجودها وعليه تفككها بفعل الواقع الميداني، ولا هي قادرة على التصدي للتيار الشعبي الجارف المتجه للمقاومة، خاصة في ظل حكومة صهيونية فاشية متطرفة؛ إذ إن التساوق مع متطلبات هذه الحكومة الصهيونية الأمنية يعني انتحارًا سياسيًا سريعًا.<br />
ومن ناحية أخرى تدرك السلطة الفلسطينية أن التعويل على الإدارة الأمريكية في إنجاز حل الدولتين لا يعدو أن يكون وعودًا لا توجد لها أي تطبيقات على أرض الواقع، وما يزيد يقين السلطة الفلسطينية بميوعة الموقف الأمريكي أنها لم تنجز حتى اللحظة وعدها بفتح مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن، وكذلك العدول عن نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس، وهذا أمر أيسر بكثير من العمل على إجبار (إسرائيل) على المضي قدمًا في تنفيذ حل الدولتين، ربما ليس أمام السلطة الفلسطينية إلا انتظار معجزة المسيح التي تحدث عنها الرئيس بايدن حينما التقى الرئيس عباس في بيت لحم، وذلك يعني أنه ليس أمام السلطة إلا الانتظار لعل الأحداث تأتي بجديد ينقذ السلطة الفلسطينية من هذا المأزق السياسي الذي وقعت فيه، ولكن لا يبدو في الأفق جديد، بل إن الأحداث المنتظرة ربما تكون أكثر صعوبة على السلطة الفلسطينية مما هي عليه الآن.</p>
|
| 33 |
فليضموا الضفة الغربية إن استطاعوا |
<p>ما زال يتردد على ألسنة الساسة الصهاينة في الحكومة الجديدة خصوصاً سموترتيش -الذي أصر على شق وزارة الدفاع الصهيونية إلى نصفين ليتولى هو شخصياً مسؤولية الإدارة المدنية في الضفة الغربية- شعارُ ضم الضفة الغربية على اعتبار أنها -كما يزعمون- يهودا والسامرة؛ أي أرض يهودية لا يمكن أن يتنازلوا عنها للعرب، ودون الخوض في قرار التقسيم الذي نشأت بموجبه (إسرائيل)، والذي حدد لها نسبة 75% من أرض فلسطين التاريخية، لم تكن من ضمنها الضفة الغربية، دون الحديث في عشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تؤكد أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ محتلة، لا سيما قرار مجلس الأمن الشهير 224 المؤكد بالقرار 383 الذي يدعو (إسرائيل) للانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 67، وهي الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة.</p>
<p>دون الحديث في قواعد القانون الدولي التي دأبت (إسرائيل) على انتهاكها بل وسحقها كلما اقتضى الأمر ذلك بالنسبة لها.</p>
<p>سأتحدث فقط في الواقع الميداني للضفة الغربية التي يزعم سموتريش ومجمل الحكومة الصهيونية أنهم يسعون لضمها.</p>
<p>الضفة الغربية مساحتها تقريباً 5860 كيلومترًا مربعًا، يقيم عليها نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني في نحو ستة عشر مدينة ونحو 450 قرية و19 مخيمًا للاجئين وعشرات التجمعات البدوية.</p>
<p>منذ بداية الاحتلال عام 1967م وضع وزير الأمن الصهيوني في ذلك الوقت موشي ديان خطة أسماها "مد الجسور" تمثل الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقد تمثلت في السيطرة العسكرية والأمنية على المنطقة مع إبقاء المواطنين الفلسطينيين منفصلين عن دولة "إسرائيل"، واقتضى ذلك إنشاء إدارة مدنية لإدارة حياة الفلسطينيين مع مد جسور التواصل مع الأردن والمحيط العربي وتطوير البيئة الاقتصادية حتى لا تتحول الضفة الغربية عبئاً اقتصادياً على (إسرائيل)، وفي عام 1972م قدمت نائبة رئيسة الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت "بيغال ألون" خطة تحدد رؤية (إسرائيل) للحل السياسي عُرفت بخطة "ألون للسلام"، تتمحور حول الحفاظ على المصالح الإسرائيلية الإستراتيجية في الضفة الغربية، التي كان أبرز معالمها:</p>
<ul>
<li>اعتبار نهر الأردن حدود (إسرائيل) الشرقية، وإقامة شريط خاضع للسيادة الإسرائيلية يتراوح عرضه ما بين 10-15 كيلومترًا على امتداد النهر من غور بيسان إلى شمال البحر الميت.</li>
<li>ربط القدس بالبحر الميت.</li>
<li>إقامة مستوطنات زراعية وسكنية وبلدية.</li>
<li>إقامة ضواحي بلدية يهودية في محيط القدس وتهويد سريع للبلدة القديمة.</li>
<li>ربط الاقتصاد العربي في الضفة بالاقتصاد الإسرائيلي، وقد باشرت الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ هذه الخطة إلى أن وصلت ذروتها مع عام 2022م، حيث وصل عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى نحو مليون مستوطن، وبلغت عملية تهويد مدينة القدس أوجها حتى وصلت إلى محاولة تقسيم الحرم القدسي الشريف زماناً ومكاناً.</li>
</ul>
<p>ورغم كل تلك الخطط التي صرفت عليها الحكومات الصهيونية المتعاقبة مليارات الدولارات، إن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بقي متشبثاً بأرضه تشبثًا مثّل حالة إعجاز بشري عز نظيره في تحدي الظروف القاسية التي فرضت عليه.</p>
<p>الحكومة الصهيونية الحالية تحاول تجاوز كل الخطط الصهيونية التي بدأت عام 67 لتصل مرحلة الضم الكامل للضفة الغربية، ولكن هذا الضم لا بد أن يكون بأحد وسيلتين لا ثالث لهما، وكلا الأمرين يمثل معضلة عجزت الحكومات الصهيونية كلها عن حلها.</p>
<p>أما الحل الأول، وهو يمثل ضم الأرض دون السكان وهو ما يعني إنشاء نظام فصل عنصري واضح المعالم، وذلك من خلال السيطرة الأمنية والعسكرية والمدنية على المنطقة وفرض قانونين في ذات المنطقة أحدهما لليهود والآخر للفلسطينيين بما يعطي أفضلية مطلقة للسكان اليهود على الفلسطينيين في كل مناحي الحياة، وهو أمر لا يمكن بحال أن يقبله المجتمع الدولي، ناهيك بالتفاعلات الميدانية والمقاومة الفلسطينية التي يمكن أن تجعل من هذا الخيار جحيماً على الحكومة الإسرائيلية.</p>
<p>أما الخيار الآخر فهو الاقتلاع والتهجير لثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني في الضفة الغربية لضمان السيطرة على الأرض خالية من سكانها العرب، وهذا أمر لم تستطع تنفيذه الحكومات الصهيونية السابقة التي أنشأت دولة (إسرائيل) على المذابح والتهجير في ظل حالة ضعف فلسطيني لم يستطع مقاومة عمليات الاقتلاع والتجهير في حينها، فما بالك اليوم والمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني قد فرض معادلة البقاء والانغراس في الأرض بالدم والنار؟</p>
<p>إذن فشعار سموتريتش بضمه الضفة الغربية لا يعدو أن يكون شعاراً أجوفَ الهدف منه إذكاء مشاعر العنصرية والفاشية عند اليهود وتحشيد الأنصار ليس إلا، إذ إنه يعلم تماماً أن ضم الضفة الغربية يعني أمراً واحداً لا غير، وهو الذهاب إلى خيار حل الدولة الواحدة، وهو ما يعني كارثة قومية إسرائيلية بكل المقاييس حتى لو كانت هذه الدولة دولة فصل عنصري، ولذلك أظن أن الكلمة الفصل التي يجب أن يواجه بها ثلاثي الفاشية والعنصرية نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، هي: "ضموا الضفة الغربية إن استطعتم".</p>
|
| 34 |
أزمة اليمين الصهيوني في إدارة الصراع |
<p>نشأت دولة (إسرائيل) في ظل ظروف مواتية جداً صاحبت إنشاءها بقرار أممي، وعلى النقيض تماماً كانت الظروف التي مر بها الشعب الفلسطيني غاية في السوء أدت إلى عدم تحقق الشق الآخر من القرار الأممي الخاص بإنشاء دولة عربية، وقد واكب ذلك تشريد للشعب الفلسطيني في مأساة قلّما يشهد التاريخ مثيلاً لها، الظروف الميدانية التي صاحبت إنشاء الكيان أغرت قادته بتجاوز المساحة التي حددها القرار الأممي للدولة اليهودية وهي 15000 كم2 بما يمثل حوالي 58% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة حوالي 2700 كم2 لتصل نسبة الأرض التي استولت عليها (إسرائيل) عقب حرب 1948م إلى 78% من مساحة كامل فلسطين، وفي المقابل لم تنشأ دولة فلسطينية عربية حتى على الجزء المتبقي من هذه الأرض، والتي كانت نسبتها 22%، ورغم هذا الضيم الشديد الذي لحق بالشعب الفلسطيني، فقد وافقت قيادة منظمة التحرير على إقامة دولة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967م؛ أي نسبة الـ 22% المتبقية من الأرض التي أكملت احتلالها (إسرائيل) عام 1967م، إلا أن هذه الموافقة لم تُنفذ تلقائياً على الأرض تطبيقاً ولو جزئياً أو متاحاً للقرار الأممي -قرار التقسيم- الصادر عام 1947م، إذ إن الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لـ(إسرائيل) اشترطت أن توافق (إسرائيل) على ذلك وأن يتم ذلك من خلال مفاوضات بين الجانبين كانت بدايتها في مؤتمر مدريد عام 1990م، ولم تُسفر حتى اليوم ونحن في عام 2023م عن إقامة هذه الدولة، ولتبقى مسألة الوجود اليهودي والوجود الفلسطيني على أرض فلسطين بحاجة إلى حل وتكمن صعوبة الوصول لهذا الحل في أن كل فريق من الفريقين -ولست هنا بوارد الحديث عن الحق والباطل- ينظر إلى الآخر على أنه عدو يجب اجتثاثه، أو على أقل تقدير لا يعترف له بحقوق الشعوب المقرة في المواثيق الدولية وعلى وجه الخصوص الحق بتقرير المصير، لذلك حاولت الولايات المتحدة أن تفرض شكلاً من أشكال الحلول يميل بالتأكيد للجانب "الإسرائيلي"، ورغم ذلك تلكأت الحكومات "الإسرائيلية" العلمانية طوال المدة الماضية في تنفيذ حل الدولتين الذي "فرضته" الإدارة الأمريكية ووافق عليه الطرف الفلسطيني "كطرف مغلوب على أمره"، ولكن لم ير هذا الحل النور حتى الآن؛ نظراً لأن جذور الصراع ما زالت هي الحاكمة لهذا الصراع، وهي الكامنة في وجدان كلا الفريقين المتنازعين، ليس خافياً أن حل الدولتين وجدته الإدارة الأمريكية أفضل الحلول لبقاء (إسرائيل) أطول مدة من الزمن خصوصاً وأنها تعيش وسط محيط عربي الأصل أنه معادٍ لها بغض النظر عن موقف الحكومات، وكذلك وجود عربي فلسطيني على أرض فلسطين التاريخية بعضه يمثل خمس مواطني "إسرائيل" داخل أراضي الـ48، وبعضه الآخر يبلغ حوالي ستة ملايين في الضفة الغربية وقطاع غزة.<br />
وتعرف جيداً الإدارة الأمريكية أن السيطرة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بالقوة العسكرية لا بد لها من نهاية، وهذه النهاية لا تنتهي إلا بأحد حلين إما عسكرياً وإما سياسياً، ولما كان الحل العسكري (أي القضاء على إسرائيل بالقوة) مرفوض أمريكيا فالحل السياسي هو المتاح إذا ما تجاوزنا فكرة الترنسفير أو الاقتلاع التي لم تعد متاحة "لإسرائيل" عام 2023م كما كانت متاحة بل مواتية عام 1948م بل نفذت الحكومات الإسرائيلية جزءًا كبير منها، ولما كان الحل السياسي يجب أن يقوم وفق قواعد وأسس القانون الدولي الذي تمثله المنظومة الدولية فلا يمكن بحال من الأحوال أن تكون (إسرائيل) مقبولة بصفتها دولة فصل عنصري، وفي نفس الوقت لا يمكن أن تكون هناك دولة واحدة لمواطنين عرب ويهود متساويين في الحقوق والواجبات وإلّا أصبح اليهود أقلية فاقدة للحكم بعد مدة وجيزة من وجود مثل هذه الدولة.<br />
اليمين الصهيوني المتحكم في زمام الأمور يرفض حل الدولتين ويرفض بالتأكيد حل الدولة الواحدة، ويأمل أن يصل إلى رؤية أو نموذج يكون الفلسطيني فيه مواطنًا بلا حقوق، وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق أو يحدث سواء بموافقة الفلسطينيين أو حتى المجتمع الدولي رغم كل تحيزه لـ(إسرائيل).<br />
أدرك القادة الصهاينة الأوائل هذه الحقيقة مبكراً، فطرحوا قضية الوطن البديل مثل الأردن وسيناء، وقد ماتت هذه الطروحات في مهدها منذ الخمسينيات، ولذلك اتجه رابين ومن بعده شارون إلى العمل على حل الدولتين لعلمهما أنه السبيل الوحيد المتاح الذي يمكن أن يُبقي على وجود (إسرائيل) بموافقة الفلسطينيين أو جزء منهم على الأقل، ولكن لم تسعفهما الظروف لإكمال رؤيتهما وعاجلها القدر. <br />
اليمين الصهيوني يسعى اليوم إلى إبقاء الشعب الفلسطيني ذي السبعة ملايين الكائن بين البحر والنهر تحت سطوة الاحتلال العسكري دون أي أفق سياسي على اعتبار أن وجود دولة فلسطينية هي بداية زوال (إسرائيل)، ولكن هذه الوضعية أصبحت مستحيلة الاستمرار، وما يحدث في غزة والضفة والداخل المحتل يشير بوضوح إلى أن استمرار التوجه الحالي للحكومة الصهيونية سيفجر الأوضاع، ولكن يبدو أن رؤية هذه الحكومة تعول كثيراً على التطبيع مع الدول العربية، وهو الأمر الذي لو تم حتى مع كل الدول العربية فإنه لن يحل مشكلة السبعة ملايين فلسطيني أصحاب الحق على أرض فلسطين، بل ربما تصبح العلاقات الطبيعية مع الدول العربية في ظل هكذا معادلة عاملاً ضاغطاً على دولة الاحتلال من أجل الوصول إلى تسوية.<br />
إذن تبقى مشكلة اليمين الصهيوني قائمة بعدم وجود رؤية قابلة للتحقيق سياسياً، وهذا ما من شأنه أن يقصر عمر الحكومة الحالية وتتهيأ الظروف بضغط الأمر الواقع وجبروت الأحداث للعودة مرة أخرى لمسار التسوية، ولكن هذه المرة ليس على الطريقة التي كانت سائدة منذ عام 1990م بل ربما يكون بشكل أوسع من خلال التفكير باتحادات كنفدرالية في كامل المنطقة تشمل الأردن ومصر ولبنان وربما سوريا كوصفة للتغلب على الأبعاد الأيديولوجية للصراع وتحفظ التوازن العرقي والطائفي في المنطقة. <br />
هذه الأفكار لا تمثل الكاتب ولكنها محاولة للتفكير بمنطق الآخر.</p>
|
| 35 |
هل نعول على انهيار الكيان الداخلي كما عولنا على نبوءة عام 2022؟ |
<p>التناقض الحاد الذي يسيطر على مناخ السياسة الصهيونية والمتمثل في العلمانية المتطرفة والدينية الفاشية أخذ أبعادًا ربما تكون هي الأكثر اتساعًا في تاريخ الاحتلال حتى من تلك الأبعاد التي ظهرت عندما سيطر حزب الليكود -وهو تجمع عدد من الأحزاب اليمينية في ذلك الوقت- على مقاليد الحكم الذي كان بيد اليسار الصهيوني منذ قيام دولتهم، ذلك الحدث ورغم أنه يعد ثورة في تاريخ السياسة الصهيونية، فإنه حسب وجهة نظري لم يصل إلى مستوى الحدث الذي يجري اليوم في دولة الاحتلال، ذلك أن كل ما سبق لم يعْدُ أن يكون اختلافًا في البرامج السياسية وبعضًا من البرامج الاجتماعية دون أن يؤثر في استقرار نظام الحكم الذي حرص مؤسسو الكيان على أن يكون نظامًا مستقرًا قائمًا على احترام سيادة القانون واستقلال القضاء والتناوب السلمي على السلطة وحرية تشكيل الأحزاب، وذلك لاستيعاب كل التناقضات التي تشكل منها الكيان الصهيوني من شرقيين وغربيين وتقدميين وعلمانيين وعرقيات مختلفة بما يشمل العادات والتقاليد وتعدد الطوائف اليهودية واختلاف نظرتها للدين ومكانته في الدولة، لذلك كانت الديمقراطية هي الملاذ الآمن الذي يضمن للكيان الاستقرار والاستمرار إلى أطول مدة ممكنة، هذه التقاليد والمبادئ هي التي أصبحت على المحك في الآونة الأخيرة، وهذا ما أفزع نخبة الكيان الذين يفهمون جيدًا أن الأمر ليس فقط فوز شريحة معنية في الانتخابات، ولكنها ضرب للأسس "المتينة" التي قامت عليها دولتهم، وهذا ما دفعهم إلى التظاهر بعشرات الآلاف احتجاجًا على ما قامت به الحكومة الجديدة من إجراءات تهز تلك الأسس والأركان.<br />
وعلى الرغم من ذلك أجد أنه من المبالغة البناء على أن ما يحدث في (إسرائيل) اليوم هو عملية تآكل من الداخل بما ينذر بانهيار هذا الكيان وزواله، بل إن بعض المحللين ذهب بعيدًا في هذا السياق عادًّا أننا على أبواب حرب أهلية صهيونية.<br />
أما أنا فأزعم أن ما يحدث هو عملية مخاض لتَوَلُّدْ جديد للكيان الصهيوني تكيفًا مع الظروف المحيطة التي أصبحت مختلفة تمامًا عن الظروف التي نشأ فيها والتي أدت إلى صياغة منظومته بالشكل الذي صيغت فيه، وقصدي من ذلك أن الظروف المواتية جدًا التي صاحبت نشوء الكيان من ضعف عربي شديد وسطوة غربية استعمارية طاغية جعلت من الكيان قوة متجبرة ضاربة مسيطرة بما ينعكس بالضرورة استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا داخليًا على هذا الكيان، وحينما اختلفت هذه الظروف بتراجع مكانة الكيان عسكريًا والضعف الواضح الذي بدا عليه منذ هزيمته عام 2000، وفشله منذ ذلك الوقت في حماية أمنه، وفشله في تحقيق أي انتصار عسكري حاسم، ناهيك بتلاشي نظريته التوسعية وحلول نظرية الانكفاء والجدران عوضًا عنها، أدى كل ذلك إلى الشعور الحاد بخطر الزوال الوجودي، وهو ما أسفر عن انزياح المجتمع الصهيوني نحو اليمينية الدينية التي يجد فيها ما يمكن أن يكون بعثًا جديدًا للفكرة الصهيونية. <br />
هذه التفاعلات السياسية والاجتماعية التي تعتري الكيان الصهيوني نجد تجلياتها في الواقع الجديد الذي أراه تحورًا يشبه التطور الفيروسي تكيفًا مع الظروف المحيطة، بما يجعله أكثر صمودًا أمام المضادات التي تحاصره، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ونحن على أعتاب انتهاء المئوية الأولى لانتهاء الحرب الكونية الثانية لم تعد النظرة الغربية تجاه وجود (إسرائيل) ودورها في المنطقة هي تلك النظرة نفسها التي واكبت إنشاءها لتكون نقطة توتر دائمة تحول دون استقرار المنطقة أو تطورها، خاصة في ظل وجود دول عربية كانت في ذلك الوقت تدور في فلك المعسكر الشرقي المناوئ للولايات المتحدة والغرب، لذلك فإن اختلاف الواقع الجيوسياسي في المنطقة غَيَّر النظرة الغربية لوجود (إسرائيل) في المنطقة لتتحول من بؤرة توتر إلى ضرورة أن تكون جزءًا طبيعيًّا من المنطقة وفقًا لنظرية الشرق الأوسط الجديد، وعليه ضرورة تحول التوتر إلى استقرار وهدوء، وما يصاحب ذلك من تشجيع الكيان دون الضغط عليه للذهاب نحو علاقات تطبيعية مع دول الجوار؛ الأمر الذي قد يراه دعاة التطبيع مقدمة لذوبان (إسرائيل) في المنطقة والتعامل معها بصفتها دولة متعددة الأعراف والطوائف كلبنان مثلًا، وتجاوز القضية الفلسطينية من خلال هذا التوجه، وهذا ما يستشعره قادة الصهيونية الدينية الذين يحاولون بدورهم التصدي لهذه النظرية من خلال بعث الروح الصهيونية اليهودية في المجتمع اليهودي من خلال الأحزاب التي تشكل الائتلاف الحاكم مثل العظمة اليهودية والصهيونية الدينية "حزب شاس"، تلك الأحزاب التي تدعو إلى تعميق الهوية الدينية والعودة للأصول، وهذا بحد ذاته يؤكد الخوف من الذوبان والاندثار. <br />
أمام هذا التحدي الصهيوني الجديد لا أظن أنه من المفيد التعويل على التناقض الداخلي الصهيوني، لأنه لن يؤدي حسب وجهة نظري إلى زعزعة وجود الكيان بل أراه عملية لتكثيف الكتلة اليهودية الصهيونية وفقًا لقوانين الفيزياء أمام محاولات تخفيفها وتنضيبها بما يؤدي إلى انقراضها وزوالها، ولذلك فإن الفلسطينيين مطالبون أمام هذا التحدي العمل سريعًا وللمرة الألف على استعادة الوحدة الداخلية ومن ثم الركون إلى العمق العربي والإسلامي وإعادة التحشيد للقضية الفلسطينية التي عانت مؤخرًا من هشاشة الكتلة ومحاولات إنضابها، وذلك لمواجهة تلك الكتلة الصهيونية المصمتة التي يحاولون ضرب الشعب الفلسطيني بها، وتلك مسؤولية القيادة الفلسطينية التاريخية التي يجب ألا تعول كثيرًا على أوهام الاقتتال الصهيوني الداخلي الذي لا أظنه يحدث كما لم تحدث نبوءة 2022.</p>
|
| 36 |
أبو مازن بصفتك الرئيس فأنت فقط تملك القرار |
<p>يبدو أن الحكومة الصهيونية الجديدة تسعى لاستثمار الوقت لفترة حكمها دون تأخير، ولذلك بدأت في تطبيق برنامجها المتطرف ووضعته موضع التنفيذ وبخطى متسارعة، فمن اقتحام ابن غفير للمسجد الأقصى أول أيام عمل الحكومة ثم زيارته سجن نفحة ثم اتخاذ قرار بنقل قادة الأسرى وعلى رأسهم مروان البرغوثي إلى العزل المشدد إلى إقرار قانون الأبارتهايد بالقراءة الأولى في الكنيست إلى فرض عقوبات على السلطة واقتطاع جزء من أموال المقاصة ومنع البناء في الضفة الغربية في المناطق المسماة "ب"، كل ذلك يشي بأن الحكومة الصهيونية لا تلتفت للأصوات النافذة أو المستهجنة سواء تلك التي تتصاعد من الداخل الصهيوني والتي توجت بالتظاهرة التي جرت في (تل أبيب) خوفًا من حرف "مسار الدولة" "العلماني"، أو تلك الأصوات الإقليمية وحتى الانتقادات العالمية ولو كانت صادرة من الولايات المتحدة نفسها، تلك الانتقادات والتحذيرات التي وصفها سموتريتش بأنها وقحة، ناهيك بأن ما يصدر عن الجانب الرسمي الفلسطيني لا وزن له في ميزان السياسة الصهيونية، بل يتم التعامل مع الجانب الرسمي الفلسطيني الملتزم بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال بمنطق السيد والعبد، فلا يتوانى ذلك السيد عن فرض العقوبات على عبده كلما وجد منه تلكؤًا في تنفيذ تعليمات سيده، بل ويعامله معاملة العبد الآبق إذا ما تصرف ذلك العبد على نحو مخالف لما أمره به سيده.</p>
<p> وما العقوبات التي فرضها الاحتلال على الشخصيات الرسمية الفلسطينية التي تشغل أرفع المناصب في السلطة الفلسطينية مثل وزير الخارجية رياض المالكي وممثل فلسطين في الأمم المتحدة السيد رياض منصور إلا مثال حي لهذه العلاقة الشاذة.</p>
<p>دون إسهاب في برنامج الحكومة الصهيونية وما قامت به وما ستقوم به في المستقبل، لا بد من الالتفات للجانب الفلسطيني المتضرر الأول والأساسي من رعونة هذه الحكومة المتطرفة، وما الخطوات التي يجب عليه فعله.</p>
<p> يقول علماء النفس إنه في حالة الخطر الداهم أو الخوف الشديد أو الكوارث يميل البشر غريزيًا للتجمع والتقارب، وربما تُعبر هذه الغريزة عن شعور داخلي لدى البشر بأن التقارب والتجمع يمنحهم الشعور بالقوة، ولقد سمعنا تصريحات كثير من القيادات الفلسطينية التي عبرت عن مدى فاشية وعنصرية برنامج الحكومة الصهيونية الجديدة ومدى الإجرام الذي يتوقع من تلك الحكومة القيام به، والذي بدأت خطواته عمليًا كما أسلفنا في بداية المقال، ولكن في مقابل كل تلك العنجهية والغطرسة لم نجد أي إشارة لدى القيادة الفلسطينية تؤشر على رغبة أبو مازن في التحرك ولو غريزيا بدافع الشعور بالخطر الداهم الذي تمثله حكومة الثلاثي (نتنياهو، ابن غفر، سموترتش) للم شمل الشعب الفلسطيني والتوحد في مواجهة الفاشية الصهيونية التي تمثلها الحكومة الإسرائيلية الجديدة.</p>
<p> في استضافة كريمة من إذاعة وطن صباح أمس، سألني مقدم البرنامج المحترم: كيف يمكن إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة في مواجهة الحكومة الصهيونية؟ وكان جوابي واضحًا وصريحًا ومباشرًا، وهو أن القرار حصرا بيد أبي مازن وأبى مازن فقط، وعندما شعرت أن جوابي حيَّر المذيع المحترم قليلًا، وجدتني أسأله سؤالًا يوضح ما أرمي إليه فقلت له، لنفترض أن زعيم أي تنظيم أو حزب أو حركة فلسطينية اتخذ قرارًا بالمصالحة، هل سيجد هذا القرار سلبية للتنفيذ العملي؟ الجواب هو لا، في حين لو اتخذ أبو مازن هذا القرار فسينفَّذ فورًا لأنه هو الرئيس وبيده الصلاحيات كافة ومعه تتعامل كل الجهات الإقليمية والدولية حتى الاحتلال، ولذلك فإن القرار حصرًا بيد أبي مازن فقط، ولذلك فإن الرئيس أبو مازن مطلوب منه وبناءً على المسؤولية الوطنية والتاريخية التي يتبوؤها بحكم المنصب أن يتخذ قرارًا بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، ولا عذر في ذلك للحديث عن العقبات والإجراءات والتفاصيل التي كانت تثار عند كل جولة مصالحة تنتهي بالفشل.</p>
<p> سيادة الرئيس، كما اتخذت قرارًا بإجراء الانتخابات ثم اتخذت قرارًا مضادًا بوقفها، تستطيع أن تتخذ قرارًا بإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، ولتوضع قرارات مؤتمر الأمناء العامين في بيروت وقرارات المجلس المركزي الفلسطيني موضع التنفيذ، فلم يعد في القوس منزع سيدي.</p>
|
| 37 |
نتنياهو يتربص بـ "بن غفير" الذي يقول: "إن الزمن قد تغير" |
<p>"إذا اعتقدت حمــاس أنها إذا هددتني فسوف تردعني، فليفهموا أن الزمن قد تغير"، بهذه الجملة أنهى وزير الأمن القومي الجديد المستوطن المتطرف إيتمار بن غفير اقتحامه للمسجد الأقصى، ابن غفير يقتحم اليوم المسجد الأقـصى بصفته الجديدة، وهو وزير الأمن الداخلي، وهذا الاقتحام له دلالات جديدة تختلف عن تلك التي كانت تقرأ من اقتحامه للمسجد الأقصى بصفته عضو كنيست، المختلف في اقتحام ابن غفير بالصفة الجديدة هو أن الصفة الرسمية التي يحملها تعبر عن توجه حكومي رسمي إسرائيلي، وليس كما كان سابقًا؛ نشاط حزبي معارض يُقدًّم للعالم أنه يأتي في سياق (الديمقراطية الإسرائيلية) التي لا يمكن أن تقمع حرية الرأي والتعبير، وهذا ما كان يُعبر عنه نتنياهو باستمرار بقوله: لا أستطيع منع عضو كنسيت من القيام "بزيارة لجبل الهيكل"، على حد وصفه.</p>
<p>إذن فالاقتحام اليوم لابن غفير يحمل طابعًا رسميًا، لكونه عضوًا في الحكومة (الإسرائيلية)، بل لكونه يحمل حقيبة الأمن القومي؛ تلك المهمة التي يفترض بمن يحملها أن يعبر عن توجه الحكومة الأمني في التعامل مع قضية الأقصى، ولكون ابن غفير حصل على موافقة نتنياهو، فقد حظيت هذه الزيارة بغطاء حكومي رسمي.</p>
<p>ابن غفير يقول إن الزمن قد تغير، وربما هذا ما عبر عنه رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت حينما حاول تغيير معادلة "الهدوء مقابل الهدوء" التي انتهجها سلفه نتنياهو في محاولة منه للظهور بمظهر بطولي لم يطُل وقته، وهي النغمة ذاتها التي يرددها الساسة الصـهاينة في أيامهم الأولى لدى توليهم مناصبهم الجديدة في محاولة لإظهار أنفسهم أكثر قوة من أسلافهم، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف سوأتهم، ويضطرون تحت ضغط الواقع السياسي والعـسكري والأمني والاقتصادي والمصالح المتشابكة، إلى أن يستسلموا لهذا الواقع الذي طالما انتقدوه وهم معارضون، نغمة ادعاء القوة والجسارة لم تسعف من سبق ابن غفير، بل ربما أودت بغيره إلى زوايا معتمة في أروقة السياسة الإسرائيلية، وكلنا يذكر تهديد أفيغدور ليبرمان -زعيم حزب إسرائيل بيتنا- الذي توعد رئيس المكتب السياسي لحركة حمـاس السيد إسماعيل هنية بالاغتيال خلال 48 ساعة في حال توليه حقيبة الدفاع، وعندما تولى هذا المنصب في مايو 2016 فشل في إنجاز وعده.</p>
<p>السيناريو الذي حدث مع ليبرمان أظنه سيحدث مع كل ابن غفير وسموتريتش، وهي اللعبة ذاتها التي يجيدها نتنياهو في تحييد الحلفاء الاضطراريين أو الخصوم السياسيين، وهي سياسة "الدفع إلى أعلى" والتي تترجم عمليًا بدفع السياسي كثير الصخب إلى أرفع المناصب وتركه ليواجه الواقع وحيدًا، مجردًا من سلاح النقد الذي أكسبه أصوات الداعمين، فتفعل عوامل التعرية السياسية الواقعية فيه فعلها فينكص على عقبيه، وهذا ما أفلح فيه نتنياهو حينما دفع بليبرمان إلى وزارة الدفاع، ثم كان السقوط المدوي لهذا المتطرف الذي كان كثير الصخب وربما بدرجة أكبر من ابن غفير وسموتريتش.</p>
<p>اقتحام الأقصى بهذا الشكل المختزل ووفقًا لشروط قائد الشـ.ـاباك من قبل ابن غفير كان عمليًّا تراجعًا واضحًا عن الصخب الذي اعتاد بن غفير أن يُطَعِّم به اقتحاماته، فقد تم خلسة ودون أن يشعر به أحد ولمدة لا تتجاوز ثلاث عشرة دقيقة، وكان أشبه بالتسلل منه إلى الاقتحام؛ أي كان اقتحامًا لذر الرماد في عيون المنتقدين الذين يتربصون بابن غفير، ولقد عبر عدد من الإعلاميين الصهاينة عن اختزال هذه الزيارة بالشكل الذي تمت فيه بكثير من السخرية الممزوجة بالشماتة.</p>
<p>في المثل الفلسطيني وحينما يوضع الشخص على المحك يقال: "هاي الجمل وهاي الجمال"؛ أي سنرى إذا كان هذا الجمال يستطيع قيادة الجمل بحنكة الجماليين المعروفة، ولقد وضع نتنياهو ابن غفير وسموتريتش على قمة الجبل الذي ليس بعده إلا السقوط بذات الكيفية والطريقة التي تعامل بها مع ليبرمان، هذا الأخير الذي لم نعد تسمع له صوتًا، سيمر بعض الوقت وسيبدأ صوت ابن غفير بالانخفاض شيئًا فشيئًا إلى أن يتحول الصخب إلى همس ثم إلى صمت مطبق، ويستمر بعدها نتنياهو في قيادة المشهد الإسرائيلي بذكاء الثعالب وخبثهم.</p>
<p>وسيبقى الوضع السياسي والعسـكري يراوح مكانه خلال الآونة المقبلة، وهي سياسة نتنياهو التي أمسك فيها بزمام المشهد خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، ويبدو أنه ماضٍ في نفس سياسته التي نجح فيها.</p>
<p>المشهد السياسي حسب ظني لن يتغير فيه شيء ما لم تتحرك المياه الفلسطينية الراكدة التي يحافظ على ركودها أبو مازن ما دام الانقسام الفلسطيني قائمًا، وما دامت الانتخابات معطلة، وما دام الفريق الذي يتحكم في القرار الفلسطيني نفسه لا يتغير.</p>
|
| 38 |
هل تنجز حكومة نتنياهو المتطرفة وعودها؟ |
<p>انشغل المجتمع الفلسطيني خلال المدة الماضية كثيراً بقضية تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، ولقد انتابني شعور عميق بأن كل من يتابع الشأن الإسرائيلي لديه رغبة جامحة بألا يستطيع نتنياهو تشكيل الحكومة التي عدّوها أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ (إسرائيل) القصير، بل لقد أسرف البعض في نقل حديث الساسة الصهاينة المناوئين لنتنياهو بشأن فساد أعضاء الحكومة الجديدة والقضايا التي رُصدت ضدهم في المحاكم الإسرائيلية، وكذلك نقل المحللون خوف بعض الضباط الصهاينة على الكيان من غلو الحكومة الجديدة، وتحدثوا عن رسالة أرسلها هؤلاء الضباط الكبار للمحكمة الإسرائيلية العليا يطلبون فيها تدارك الأمر بصتفها الجدار الأخير للحفاظ على (الدولة)، ثم تحدث البعض بشأن تحفظ الإدارة الأمريكية على بعض الشخصيات التي ستتشكل منها الحكومة.</p>
<p>ربما يعذر المرء المحللين والخبراء على هذا الانجراف الشديد نحو الانسياق اللاشعوري في طبيعة التفكير الصهيوني، وذلك بسبب التأثير الشديد للسياسة الصهيونية في الأحداث التي تجري على الأرض الفلسطينية، ولكن يبدو أننا ننسى في غمار هذه الزوبعة أن الشعوب المحتلة المقاومة لم يكن بوارد حسبانها قط أن تراهن على سياسات الحكومات القائمة بالاحتلال، وإنما كان تركيزها دائمًا على المقاومة التي تجبر الاحتلال على الرحيل أيًّا كانت الحكومة التي تحكم، ولا أظن أن أي حكومة صهيونية سواء تلك التي تدّعي أنها يمينية أو يسارية قد يراود خيالها فكرة منح الشعب الفلسطيني حقه كنوع من ترف الفكر السياسي الذي قد يخطر ببال زعمائها دون أن تكون المقاومة العنيدة والصلبة هي التي تدفعهم إلى ذلك مضطرين، وهذا ما تخبرنا به تجارب كل الشعوب التي ناضلت ضد الاحتلال.</p>
<p>حكومة نتنياهو الجديدة بكل ما يرفعه أعضاؤها من شعارات عنصرية وخطط استيطانية تتوجه بوضوح نحو الصدام الحتمي مع المقاومة التي خاضت حربًا قاسية مع الحكومة الصهيونية السابقة من أجل الدفاع عن القدس والتصدي لممارسة الغطرسة والقمع ضد أبناء شعبنا في الضفة الغربية ومدينة القدس على وجه الخصوص.</p>
<p>الصدام الحتمي بين المقاومة والمحتل هو العلاقة الطبيعية بين المتضادات، وهو الأمر الذي سيبقى قائماً ما بقي الاحتلال، صحيح أن زيادة القمع ورفع وتيرة الاعتداء ستؤدي إلى تصاعد المقاومة، ولكن لا يعني ذلك أن يُعد الصدام بحد ذاته أمرًا طارئًا بين المقاومة والاحتلال، وعليه فإنني أجزم بأن حكومة نتنياهو الجديدة وكامل أعضائها يدركون هذه الحقيقة جيدًا، وخير من يدرك هذه المعادلة هو رئيسها نتنياهو الذي سعى جاهدًا طوال مدة حكمه السابقة -وهي الأطول في تاريخ رؤساء وزراء العدو- للحفاظ على التوازن القائم بين المقاومة والاحتلال حتى لو كان هشًّا، وفي سبيل ذلك مثلاً أمر جهاز أمنه بنقل الأموال القطرية مباشرة من مطار اللد إلى معبر إيرز لتسليمه للحكومة في غزة رغم ما صاحب هذه الحركة من شكل إذلال لقوات الاحتلال التي تسلم المال مرغمة وهي تعلم جيدًا أن جزء منه يذهب إلى جهات غير تلك التي اتفق عليها.</p>
<p>لا أقول إن نتنياهو سيمارس نفس سياسته السابقة بالحفاظ على التوازن، ولكنها الوسيلة المثلى لبقائه في الحكم أطول مدة ممكنة، ومرد ذلك أن الولايات المتحدة والإقليم والدول المطبعة يرغبون في تهدئة المنطقة لتمرير مخططهم للشرق الأوسط الذي يتعامل مع (إسرائيل) على أنها عضوًا طبيعيًّا في المنطقة.</p>
<p>وعلى الرغم من عدم الرضى المعلن من قبل الإدارة الأمريكية عن توجهات بعض أعضاء حكومة نتنياهو العنصرية المتطرفة فإن موقف الولايات المتحدة لن يختلف عن مواقفها السابقة عند أي صدام يحدث بين المقاومة وحكومة نتنياهو المتطرفة، وسترفع الولايات المتحدة شعار "من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها"، إلا أنها ستسعى جاهدة من خلال الوسطاء لاحتواء النزاع في أضيق صورة ممكنة كما كانت تفعل في كل مرة.</p>
<p>وحتى حدوث هذا الصدام سيسعى جاهداً ابن غفير وسموتريتش<strong> </strong>إلى فرض بعض الوقائع التي يمكن تحقيقها على الأرض، وستذهب بقية شعاراتهم أدراج الرياح كما ذهبت شعارات ليبرمان قبل ذلك حينما وعد أنصاره بالتخلص من السيد إسماعيل هنية خلال 48 ساعة إذا ما تسلم وزارة الدفاع الصهيونية، ثم ظهر جليًا فشله الذي حاول تحميله لنتنياهو معللاً ذلك بأن نتنياهو منعه من تحقيق وعده.</p>
<p>السياسة الصهيونية منذ قيام دولة الكيان لا تتغير، فهي قائمة على إنكار وجود الشعب الفلسطيني، ناهيك بالاعتراف بحقوقه، وفي سبيل الصعود السياسي كان الساسة الصهاينة يرفعون شعارات العنصرية ضد العرب، ولقد قالوا سابقاً إن دولة (إسرائيل) من النيل إلى الفرات، وقال ديان: حدودنا حيث تصل جنودنا، ولكن الذي يحدث على الأرض أن الكيان في حالة تراجع رغم نغمة العنصرية النشاز التي يعزفها أغرار السياسة الصهيونية، قد يجمعون الأصوات على أنغام العنصرية والتطرف، ولكنهم سيصطدمون بحائط صد عظيم أفشل عتاة الفكر الصهيوني الذين أسسوا كيانهم، هو الشعب الفلسطيني العظيم.</p>
|
| 39 |
لماذا لم تنصفوا ناصر أبو حميد؟ |
<p>هي ليست مأسآة إغريقية أو يونانية تتحدث عن وقائع وأحداث تثير في نفس قارئها مشاعر الحزن والشفقة تجاه شخص عظيم يمر بظروف تعيسة تنتهي بحدث مأساوي، وربما لو قرأت قصة الأسير الشهيد ناصر أبو حميد من هذا الجانب لكانت قصة تصلح لأن تتفوق على كتابات إسخيلوس وسوفوكليس وغيرهم من كتاب الدراما اليونانية، ولكنها ورغم مأساويتها ينظر إليها الشعب الفلسطيني قصة بطولة وتضحية وفداء من أجل الوطن، قدم فيها الشهيد الأسير ناصر أبو حميد روحه فداءً للوطن الذي يحب. <br />
ناصر أبو حميد شهيد من شهداء الشعب الفلسطيني وليس بطلاً من أبطال المآسي الذين خلدتهم كتابات الأدباء اليونانيين والإغريقيين منذ آلاف السنين، ولكن ظني أن قصة الشهيد ناصر ومع أنها لن تحظى بما خطيت به تلك المآسي الإغريقية واليونانية من اهتمام، لهي أعظم وأجل رغم أنها ستُنسى بعد حين كما نسيت قصص أبطال سبقوه ولم تعد تذكر إلا في بضع سنين في الذكرى السنوية ثم تنسى بعد ذلك إلى الأبد. <br />
لم نعد – نحن الشعب الفلسطيني- نستغرب مدى الانحطاط الذي وصل إليه العدو الصهيوني في حربه الهمجية العدوانية ضدنا، ولا أظن أن هناك رذيلة أو نقيصه إلا وقد إرتكبها عدونا رغم ادعائه البغيض بأن جيشه هو "الأكثر أخلاقية" في العالم، فهذا ديدن الجبناء والمنحطين أخلاقياً الذين يدعون الشهامة والرجولة.<br />
قضى ناصر أبو حميد شهيداً وهو يقضي عقوبة بالسجن 7 مؤبدات وخمسين عاماً على خليفة مقاومة الإحتلال، وأجزم أن هذا الحكم يؤكد لكل ذي لب مدى الهزيمة النفسية التي تعتري الاحتلال ويسعى جاهداّ لإخفائها فلا تلبث إلا أن تتبدى في مثل هذه الأحكام التي يحاول من خلالها اشباع روحه المريضة بالتشفي والانتقام. <br />
مضى ناصر شهيداً بعد أن قال كلمته الأخيرة " أنا ذاهب إلى نهاية الطريق ولكن مطمئن وواثق بأنني أولاً فلسطيني وأفتخر، تاركاً خلفي شعباً عظيماً لن ينسى قضية وقضية الأسرى".<br />
سيبقى الشعب الفلسطيني على العهد يا ناصر، وكما أرضعتك أمك الفلسطينية الأصيلة العظيمة لبن العز والكرامة وأرضعت إخوانك الابطال الثلاثة الذين ما زالوا في سجون الاحتلال، ستبقى الأم الفلسطينية "حارسة حياتنا وبقاءنا " كما وصفها محمود درويش ترضع الفلسطيني حب الوطن، وستبقى القضية الفلسطينية متأصلة في نفس كل طفل فلسطيني ما دامت الأم الفلسطينية تهدهد أطفالها بقصائد حب الوطن، وكم كانت "الدولة الصهيونية" بائسة وهشة عندما غنت عجوز فلسطينية عمرها أطول من عمر الاحتلال " شدوا بعضكم ياهل فلسطين شدوا بعضكم".<br />
وقد يُغّيب الاحتلال بقوته العسكرية المدعومة أمريكياً أجساد الأبطال خلف القضبان ولكن هيهات أن تسجن الروح التي تبقى محلقة في سماء الوطن تنثر حبها للأرض التي عشقها حتى الذوبان، يغيب اليوم جسد ناصر ولكن لا تغيب قضيته التي ضحى فداء لها، قضية الأسير الشهيد ناصر أبو حميد قضية العدالة الإنسانية المفقودة بل المغيبة التي لم تفلح هيئة الأمم المتحدة التي يفترض بها أن تعبر عن الضمير الإنساني، أن تنصفها، ووقف العالم يشاهد بلامبالاة ذبح الإنسانية على بساط للإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صاغته دول العالم التي تسمي نفسها "المتحضرة" لغاية إعلاء شأن الإنسان وتقديس الكرامة الإنسانية، ولكن الإنسانية أصمت أذينها عن سماع قضية ناصر ولم تُعرها ولو قدراً يسيراً من بعض الاهتمام التي تعيره لقضية مثل الهلوكوست أو اللاسامية وكأن الإنسانية لها أاوصاف وسمات غربية ليس للشرقيين فيها نصيب. <br />
فبئست مواثيق حقوق الانسان واعلاناته وعهوده التي تصدح بها منصات الأمم المتحدة والمحافل الدولية والإنسانية وهي تنتهك حرمتها خلف أبواب هذه المحافل، وربما بقرارات من يصدحون بتلك المواثيق والعهود.<br />
ستبقى الإنسانية جسداً بلا روح وشعاراً أجوفَ فارغاً مالم ينصف الشهيد ناصر أبو حميد، ولذلك ينبغي أن تكون قضية الشهيد ناصر أبو حميد حافزاً لكل الأحرار وكل من يؤمن بكرامة الانسان وحريته لأن يجعلوا منها قضية عالمية تُسخَّر لها كل الإمكانيات المادية والمعنوية والفكرية لتصبح محوراً ومرتكزاً إنسانياً حضارياً يحول دون تكرارها حتى لا تتحول المأساة إلى مهزلة.</p>
|
| 40 |
لماذا يستقبلون هرتسوغ؟ |
<p>المنامة وأبو ظبي عاصمتان عربيتان خليجيتان عقدتا اتفاقيتي سلام مع العدو الصهيوني، ورغم أنه لم يسبق لأي منهما خوض حرب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي فإنهما بادرتا بإقامة علاقات معها، قد يتفهم البعض حاجة هاتين الدولتين الخليجيتين "الاضطرارية" لإقامة هذه العلاقة الشاذة لظروف موضوعية جيوسياسية تتمحور حول رعب هاتين الدولتين المزمن مما تسميانه "التهديد الإيراني" نظرًا إلى شعور النقص الذي يعتري هاتين الدولتين، لكونهما دولتين نفطيتين غنيتين، وفي الوقت ذاته قليلتي عدد السكان وضعيفتين من الناحية العسكرية، وقد كُوي وعي قادة هاتين الدولتين منذ الغزو العراقي للكويت، فظل هاجس التهديد الوجودي يسيطر على تفكير هؤلاء القوم؛ الأمر الذي أسفر عن توجه غريزي نحو ما يظنونه مصدر قوة، فكانت (إسرائيل) بما تمثله من احتلال همجي إجرامي لفلسطين هي ضالتهما المفقودة، ورغم أن دولة الاحتلال الصهيوني ما زالت غير قادرة على تأمين نفسها منذ نشأتها فإن هاتين الدولتين وجدتا فيها "درعًا حاميًا" يمكن لهما الاحتماء به عند الضرورة. <br />
وفي سبيل ذلك حاولت هاتان الدولتان أن تفرضا شكلًا غير مستساغ من التطبيع على مواطنيهما لم يلبث إلا أن لفظه شعبا الدولتين كما تلفظ المعدة الطعام الفاسد الذي قد يجبر الإنسان على تجرعه.<br />
وظل شعبا الدولتين يشيحان بوجهيهما بعيدًا عن مستنقع التطبيع رغم الدعوة الإبراهيمية التي لم تجد لها حتى اللحظة من يؤمن بها، حيث لم يأتِ نبي هذه الدعوة بمعجزات تقنع الأتباع والمريدين، تلك الدعوة التي أراد لها مدعيها أن تؤلف بين قلوب الشعوب الخليجية وقلوب المحتلين، إلا أن ذلك كله لم يسفر عن نجاح يذكر حتى إذا استيئس نبي هذه الدعوة وأيقن أنه كُذِّب، خاصةً بعد مشاهد الكره والاحتقار التي وجدها الاحتلال في مونديال قطر حيث عبرت الشعوب العربية بل وشعوب العالم بأسره عن مدى عزلة كيان الاحتلال ونبذه، تفتقت أذهان "أصفياء" الدعوة الإبراهيمية عن معجزة يستطيعون من خلالها بث الروح في دعوتهم الميتة، فكانت استضافة رئيس دولة الكيان المنبوذ واستقباله بحفاوة تشي بمدى الفشل الذي وصلت إليه دعوة المطبعين، فجاء الاستقبال بهذه الحفاوة كي يخفي خيبة أمل كبيرة بستار الأبهة والفخامة التي أحاطت بالزيارة، فكانت كمن يستر جيفة منتنة برداء من حرير. <br />
الانفصام الواضح في الرؤية والهدف والغاية بين الشعوب العربية والقيادات الرسمية التي تؤمن بالتطبيع أبرزته فعاليات مونديال قطر، ذلك الحدث الرياضي الذي يفترض فيه ألا يكون له أبعاد سياسية، ولكن كما يقول المثل "الطبع غلاب"، فتغلب طابع العروبة وحب فلسطين لدى الجماهير العربية على التطبيع، وانزوى الكيان الصهيوني خاسئًا وهو حسير، وأصبح فريقه الإعلامي يتجول في قطر خائفًا يترقب ويلوذ بانتحال جنسيات أخرى خشية أن يبطش به.<br />
مونديال قطر أعطى درسًا قاسيًا للحكام المطبعين بأن الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الحرة لا تقبل الكذب ولا تقبل التضليل ولا تقبل دعاوي الإفك، ولكنهم ما زالوا في سكرتهم يعمهون، وأظنهم لن يستيقظوا من سكرتهم إلا على نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب الشعوب وأصالة توجهها وتولى إلى الزيف والخداع. <br />
زيارة هرتسوغ للمنامة وأبوظبي لن تمنحه أو تمنح شعبه حبًّا مفقودًا في مونديال قطر، وكذلك فإن تلك الزيارة لن تمنح المنامة وأبوظبي أمنًا مفقودًا في الخليج، وسينتهي مفعول هذه الزيارة بمغادرة طائرة هرتسوغ للأجواء الخليجية، وسيبقى الخليج عربيًا إسلاميًا بلفظ الخيانة كما لفظت الدوحة الشواذ.</p>
|
| 41 |
يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني بين المونديال والحصار |
<p>اليوم هو التاسع والعشرون من نوفمبر، وهو التاريخ المعتمد للتضامن مع الشعب الفلسطيني عملًا بقرار الجمعية العامة الصادر في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1977، إذ يُحتفَل باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني سنويًّا، وحسب موقع الأمم المتحدة فمن المفترض أن يجري هذا الاحتفال في مقر الأمم المتحدة وفي مكتبَي الأمم المتحدة في جنيف وفيينا وفي مواقع أخرى. ويتضمن هذا الحدث عقد اجتماعات خاصة يُدلي فيها مسؤولون رفيعو المستوى في الأمم المتحدة وفي منظمات حكومية دولية وممثلون عن المجتمع المدني ببيانات بشأن قضية فلسطين. ويشمل الاحتفال أيضا مناسبات ثقافية. وفي مواقع أخرى، تنظم هيئات حكومية ومنظمات المجتمع المدني، بالتعاون مع مراكز الأمم المتحدة للإعلام، أنشطة متنوعة في مختلف أنحاء العالم. وقد جرت العادة أيضًا أن تُجري الجمعية العامة للأمم المتحدة مناقشتها السنوية بشأن قضية فلسطين في هذا اليوم.</p>
<p>ساعة كتابة هذا المقال كانت تتوارد أخبار على شاشة التلفاز بعضها عاجل يتحدث عن تشييع الشهيدين اللذين ارتقيا أمس وهما الشقيقان جواد وظافر الريماوي، حيث شيعهما طلاب جامعة بيرزيت التي ينتسب إليها الشهيدان، وكانت بلدة بيت أمر في الخليل تُشيِّع شهيدها مفيد اخليل. خبر عاجل آخر بثته شاشة التلفاز عن عملية دهس في رام الله تسفر عن إصابة مجندة إصابة خطِرة واستشهاد منفذ العملية، ثم يعود الشريط الإخباري لدورته الاعتيادية ببث أخبار مباريات المونديال. الشعب الفلسطيني زاوج منذ مدة بعيدة بين المتضادات التي لا تلتقي، فزاوج بين الفرح والحزن والحياة والموت والحرية والحصار والثورة والدولة والبناء والحرب، ولم تكن هذه المزاوجة ترفًا سلوكيًا يتميز به الشعب الفلسطيني قد يشابهه ترف بعض الأشخاص في ممارسة السلوكيات المتضادة وفقًا لنظرية سيجيموند فرويد في تحليل السلوك الإنساني، وإنما قد فرضت هذه المتضادات على الشعب الفلسطيني ليعيش ويتكيف معها كما يعبر عنها محمود درويش، فيقول في إحدى قصائده: "أنا من هناك.. أنا من هنا.. ولست هناك ولست هنا.. لي اسمان يلتقيان ويفترقان".</p>
<p>يغني الشعب الفلسطيني ويفرح على أنغام المونديال، ويقفز فرحًا ويصفق جذلًا حين تنطلق صافرة الحكم بعد التسديد في المرمى، ويغني الشعب الفلسطيني ويهتف للشهداء بعد تسديد القناص من المدى القاتل نحو الهدف في قلب الشهيد.</p>
<p>يدرس الفلسطيني في الجامعة ويرسم ملامح مستقبله الواعد في الحياة، وفي ذاته السياق يقاوم الاحتلال ويركب الخطر ولا يبالي بالاعتقال أو الشهادة، يبني الفلسطيني بيتًا ويدقق بعناية فائقة في تصميم غرفة المعيشة والمكان الأنسب للمطبخ وغرف النوم وما اللون الأنسب للستائر، وفي ذات السياق يُؤوي المطارد ويحفر من أسفل منزله نفقًا ولا يبالي إذا قصف البيت في ليلة مظلمة ليتفتت ويتناثر معه جسده وأجساد عائلته ليصبح البيت وساكنوه أثرًا بعد عين.</p>
<p>يتزوج الفلسطيني ويقيم حفلًا ووليمة ويذهب لتنفيذ عملية عقب انتهاء الحفل قد تسفر عن اعتقاله أو استشهاده، هذه حياة الفلسطيني التي تكيف معها وعاشها وألفها وألفته، قد تبدو غريبة لمن لم يعِش الحياة الفلسطينية وهي غريبة حقًا لكنها قدره الذي يقبله.</p>
<p> يعيش العالم في قطر أجواء المونديال بكل صخبه وألوانه وهتافاته، ويعيش الفلسطيني معهم محاولًا أن يقتبس بعضًا من الفرح يحيا به بعضًا من الساعات التي لا تلبث أن تذوب في قسوة الحصار والاحتلال والظلم.</p>
<p>منذ سبعين عامًا يحيا الشعب الفلسطيني ظلمًا مركبًا، رأسُ الخطيئة فيه احتلال استيطاني بالقوة العسكرية وتخاذل وتواطؤ دولي وإقليمي ساهم في إطالة زمن الظلم، ومنذ سبعين عامًا يعيش الشعب الفلسطيني لحظات الفرح كلما أتيح له أن يفرح، ومن لحظات الفرح هذه صنع حياته التي أثمرت علماء وقادة ومفكرين وثائرين، قابل الفلسطيني سياسة التدمير بإرادة التعمير فبنى مدنه وزرع أرضه وحاصر الموت بالحياة فانتصرت إرادة الحياة على الموت وبقي الشعب الفلسطيني حيًا ينبض قلبه بحب الوطن، وما زال هذا الحب يتهادى فرحًا بالحياة حينًا وحزنًا بالتضحية المشرفة أحيانًا.</p>
<p>سينتهي المونديال قريبًا، وسينفضّ هذا الجمع الرياضي الذي عبر المشاركون فيه إلى جانب شغفهم الكروي عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، وكان يوم 29 نوفمبر يومًا من أيام المونديال، ويومًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، سيعود كل زائر لقطر من فرق ومشجعين إلى أوطانهم، وسيبقى الحصار والاحتلال قائمين، وسيسمع الفلسطينيون مزيدًا من عبارات الثناء والمؤازرة كتلك التي سمعوها في مونديال قطر كلما اشتد بطش الاحتلال، وستعود الجموع بعد أربع سنوات مرة أخرى في مونديال جديد وفي بلد آخر، فهل سيبقى الحصار والاحتلال حتى المونديال القادم؟ أجِبنا أيها العالم الحر المتضامن.</p>
<p>غزة في 29/11/2022م</p>
|
| 42 |
قطر والقوة الناعمة |
<p> </p>
<p>قطر دولة عربية خليجية تقع في شرق الجزيرة العربية، كانت قطر حتى عام 1971 تخضع للحماية البريطانية، ثم استقلت بصفتها إمارة وراثية دستورية، ووضع دستورها الأول المكتوب عام 1995م، ويصل عدد المواطنين القطريين إلى نحو (300000) ثلاثمئة ألف نسمة، وتبلغ مساحتها قرابة 11.521 كيلو مترًا مربعًا.</p>
<p>تمتلك قطر ثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي، وثالث عشر أكبر احتياطيات العالم من النفط، دخل الفرد في قطر من الأعلى عالميًا، إذ تحتل قطر المرتبة الثالثة على مستوى العالم.</p>
<p>بنظرة يسيرة للمعطيات السابقة يستنتج القارئ أن قطر دولة صغيرة المساحة قليلة عدد السكان غنية جدًا قليلة الموارد إلا من النفط والغاز.</p>
<p>وعليه فإن كل ما يمكن لهذه الدولة تحقيقه هو أن تعتكف على نفسها وتتنعم بما يوفره لها دخلها الناتج من بيع الغاز دون أن يكون لها أي تأثير في مجريات الأحداث العالمية.</p>
<p>يقول المتنبي: "إذا كانت النفوس كبارًا.. تعبت في مرادها الأجسام"، ولا شك أن قطر امتلكت نفسًا من أعظم النفوس الكبيرة، تلك النفس التي تجلت في شخص حاكمها الذي ورث النفس الكبيرة عن أبيه فتحولت قطر إلى مركز إشعاع حضاري وسياسي وثقافي ملهم للعالم أجمع، لم تستكن قطر لديكتاتورية جغرافيتها، ولم توهن عزيمة قائدها قلة عدد سكانها، ولم يؤثر في قوة إرادته صحراوية أرضها أو قسوة مناخها، فتعاملت النفس الكبيرة مع ذلك كله بكل حنكة واقتدار، فكانت قطر التي يتردد اسمها على ألسنة سكان الكوكب كافة، لم يكن المال فقط هو من جعل قطر تحتل هذه المكانة العالمية المرموقة، وإن كان له دور مهم في مسيرة قطر، فكم من الدول امتلكت المال لكنه لم يَعْدُ أن يكون وسيلة للمتعة ليس إلَّا، ولكن قطر خطت خطوات بل قفزت قفزات إعجازية كسرت فيها معادلة التطور التاريخي فحولتها إلى التطور الوقتي، نعم التطوري الوقتي، ليس فقط لأن قطر استطاعت خلال مدة وجيزة الانتقال من دولة صحراوية متواضعة إلى أكثر دول المنطقة تطورًا وتأثيرًا، بل لأنه لا تكاد تمر ساعة على قطر إلا وهناك تطور في مجال من مجالات العمل الحيوي وفقًا لخطط وضعت على أسس علمية دقيقة تسير بها قيادة قطر بخطوات واثقة نحو مستقبل أكثر إشراقًا.</p>
<p>تتسيد قطر اليوم مقعد التأثير العالمي عن جدارة باستضافتها كأس العالم، هذا الحدث الكروي الذي تهفو إليه قلوب الملايين من سكان الكوكب لتقدم نموذجًا عربيًا إسـ،ـلاميًا رائعًا ومشرفًا يعبر عن أصالة ونقاء الحضارة العربية الإسـ،ـلامية، فتقبل قطر كل خير قادم إليها من أرجاء المعمورة وتلفظ الخبيث دون أن تجامل على حساب قيمها ومبادئها.</p>
<p>قطر لم تكن بدايتها مع كأس العالم في 2022م، فلقد كانت قطر تحقق إنجازاتها وتأثيرها على المستوى الدولي منذ مدة طويلة وراكمت إنجازاتها العظيمة في ملعقة فخر زاخرة إليكم بعضًا منها: تشكيل اللجنة القطرية لإنقاذ القدس في أبريل 1996 لدعم ومساندة القضية الفلسطينية، وتحقيق المصالحة اللبنانية عام 2008م في اتفاق الدوحة، ورعاية الاتفاق الموقع بين جمهورتي جيبوتي وإريتريا في يونيو 2010، وتوقيع وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011م، ونجاح مساعي الوساطة القطرية بين السودان وإرتيريا عام 2011م، وتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية عام 2012م، وتولى قطر رئاسة الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحددة، ونجاح قطر في رعاية اتفاق السلام بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أسفر عن جلاء القوات الأمريكية عن أفغانستان بعد نحو عشرين عامًا من الاحتلال، ورعاية اتفاقيات وقف إطلاق النار بين الـمـöـ.ـاومة الفلسطينية والاحتلال في عدة جولات من القتال إلى جانب الأشقاء المصريين.</p>
<p>ما سبق يعطي إشارة واضحة أن قطر تمتلك تأثيرًا دوليًّا تعجز عنه بعض الدول التي تطلق على نفسها دولًا كبيرة أو حتى دولًا عظمى، ولم يكن لقطر أن تمتلك هذا النفوذ الدولي بالمال فقط، فليس بالمال وحده تحيا الدول، ولكنها النفس التواقة التي تسعى دومًا للارتقاء وتكسر حواجز المستحيل ولا تقف عاجزة أمام العقبات، قطر تمتلك اليوم قوة ناعمة، لكنها أعظم أثرًا بمرات عديدة من القوة الخشنة التي تتمترس خلفها دول كثيرة تنفق عليها أكثر مما تنفق على المجالات الأكثر حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، وفي المحصلة لم تكن هذه القوة الخشنة ذات فائدة تذكر حتى في مجالات استخدامها.</p>
<p>قطر 2022، تمثل نموذجًا ملهمًا لكل دول المنطقة بل ودول العالم التي تسعى للارتقاء والتطور وتحقيق التنمية والرفاه للمواطن، وأمام هذا النموذج الرائع الذي قدمته قطر ننحني احترامًا وتقديرًا.</p>
|
| 43 |
ما بين نيويورك ولاهاي.. هل تنجح الدبلوماسية الفلسطينية؟ |
<p>بقلم المستشار/ أسامة سعد<br />
يقول شُراح العلاقات الدولية إن العلاقات الدولية تنشأ من خلال مدرستين هما: المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية، أما المدرسة المثالية فهي المدرسة التي تنادي بأن تنسج العلاقات بين الدول من خلال الامتثال للقانون الدولي ومبادئ العدالة والإنصاف والقيم والمبادئ والمثل العليا التي تمثل الضمير الإنساني، أما المدرسة الواقعية فتذهب إلى أن العلاقات الدولية لا تنسج إلا من خلال مصالح الدول؛ تلك المصالح التي هي مناط عمل الحكومات، وهذه المصالح تتركز في محورين، هما: الحفاظ على الاستقلال الوطني ومد النفوذ السياسي والاقتصادي لأبعد مدى ممكن، والسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي بما يحقق الرفاه للمواطن.<br />
وربما ليس خافيًا على أي مواطن فلسطيني أو عربي أو مسلم أن قضية فلسطين على وجه الخصوص قد تجلت فيها ملامح المدرستين، من خلال توجهات الدول في مناقشات المحافل الدولية، ومآلات هذه المناقشات من القرارات التي صدرت، ومصير هذه القرارات. <br />
وربما كانت المدرسة النموذجية المثالية تلقي بظلالها دائمًا على الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يتجلى الضمير الإنساني الجمعي في المناقشات التي تدور في أروقتها، ولذلك كانت تحظى قضايا فلسطين بنسبة تصويت عالية لصالحها، ولا أظن أن هناك توصية أو قرارًا عُرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة يخص قضية فلسطين لم يحظَ بموافقة الجمعية العامة، بل كان دائمًا يحظى بنسبة تصويت عالية <br />
-كما أسلفت-، إلا أن المدرسة الواقعية كانت تبرز بأبشع صورها في مجلس الأمن الذي تسيطر عليه الدول الخمس دائمة العضوية، التي يوجد منها 3 دول على الأقل هي أمريكا وفرنسا وبريطانيا دائمة الدعم لدولة الاحتلال (إسرائيل)، وذلك أن وجود (إسرائيل) بصفتها دولة في المنطقة هي مصلحة حيوية لهذه الدول، وقد عبر عن ذلك صراحة معظم الرؤساء الأمريكيين أو كلهم، وكان آخرهم الرئيس بايدن الذي صرح بوضوح خلال لقائه "بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ "في البيت الأبيض في أكتوبر الماضي، أنه لو لم تكن (إسرائيل) موجودة لكان علينا اختراعها. <br />
ولذلك لم تكن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو حتى قرارات مجلس الأمن التي تنص على حق الشعب الفلسطيني بالاستقلال وتقرير المصير وضرورة انسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس، تجد طريقها للتنفيذ، بل إن الرئيس الأمريكي الذي ينادي علنًا بحل الدولتين لم يقدم من أجل هذا الحل أي رؤية، ناهيك بالضغط من أجل تنفيذ هذا الحل، الأمر المهم في هذا السياق أن الآليات القانونية التي تستطيع دولة فلسطين اتخاذها -بصفتها دولة مراقب في الجمعية العامة- كثيرة ومتعددة، ومن شأنها أن تضع الاحتلال الصهيوني في مأزق قانوني كبير، صحيح أنه لن يصل إلى حد إجبار الاحتلال على تنفيذ القرارات الدولية التي يرفض تنفيذها، ولكن ربما ستكون هذه الآليات ضاغطة على الدول التي تتعامل مع الاحتلال، بما يجبره على التخلي ولو جزئيًّا عن تعنته في تنفيذ القرارات الدولية، ولذلك كانت الخطوة التي أقدمت عليها دولة فلسطين من خلال طلبٍ قُدِّم للجنة مكافحة الاستعمار في الجمعية العامة للأمم وذلك بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي يحدد التبعات القانونية الناشئة عن انتهاك (إسرائيل) المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، واحتلالها طويل الأمد، واستيطانها وضمها للأراضي الفلسطينية، واعتمادها تشريعات وإجراءات تمييزية، وكذلك الطلب من المحكمة تحديد أثر السياسات والممارسات الإسرائيلية في الوضع القانوني للاحتلال والتبعات القانونية بالنسبة لجميع الدول والأمم المتحدة.<br />
هذه الخطوة التي أقدمت عليها دولة فلسطين بمنزلة تحطيم لجدار حديدي فرضته اتفاقية أوسلو على القيادة الفلسطينية، كان يمنعها من القيام بأي خطوة دولية تهدف إلى إنهاء الاحتلال إلا من خلال عملية المفاوضات التي جعلت منها (إسرائيل) وسيلة لإطالة أمد الاحتلال والاستيطان.<br />
القيادة الرسمية الفلسطينية خطت خطوة بالاتجاه الصحيح، وهي خطوة لا نملك إلا أن تصفق لها، لأنها تعبر عن نبض المواطن الفلسطيني وآماله وتطلعاته في تحقيق حريته واستقلاله، وصحيح أنها جاءت متأخرة، ولكن كما يُقال دائمًا: أن تأتي الخطوة الصحيحة متأخرة خير من ألّا تأتي. <br />
القيادة الفلسطينية نجحت حتى اللحظة في الصمود أمام الضغط الأمريكي لمنع هذه الخطوة، ولكن هذه الخطوة لم تكتمل؛ إذ إن توصية اللجنة الرابعة للأم المتحدة -لجنة إنهاء الاستعمار- تحتاج إلى اعتماد من الجمعية العامة، وستعرض هذه التوصية على الجمعية العامة في بداية شهر ديسمبر المقبل، ونأمل أن يستمر صمود القيادة الفلسطينية أمام الضغط الأمريكي حتى إنجاز هذه الخطوة تمامًا، ويبقى هذا الأمل مشوبًا بالحذر خوفًا من تكرار تجربة بائسة خضعت فيها القيادة الفلسطينية للضغط الأمريكي في قضية نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس، وذلك بعد أن رفعت دولة فلسطين دعوى ضد الولايات المتحدة لدى محكمة العدل الدولية ثم تراجعت فطلبت من المحكمة وقف الإجراءات في هذه الدعوة وعدم استكمالها بناءً على وعود تلقتها القيادة الفلسطينية خلال الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي جو بايدن.<br />
إذا ما تمت الخطوة الفلسطينية إلى نهايتها ونأمل أن تتم، أظن المحكمة ستصدر قرارها لصالح فلسطين، وهذا القرار سترفضه (إسرائيل) كما رفضت فتوى المحكمة ذاتها بعدم شرعية الجدار الفاصل، لكن القرار عقب صدوره سيحتاج إلى عمل دبلوماسي فلسطيني مكثف من خلال خطة عمل لتفعيل قرار المحكمة، وعليه فإن قرار المحمة سيكون بداية العمل المناط بالقيادة الفلسطينية وليس نهايته، فقرارات المحكمة يجب أن تصبح أرضية تحرك دبلوماسي فلسطيني مكثف لدى كل دول العالم الأعضاء في الجمعية العامة، تطلب فيه فلسطين من هذه الدول تنفيذ قرار المحكمة انسجامًا مع قواعد القانون الدولي إذ إن قرار المحكمة سيحدد التبعات القانونية على الدول الأعضاء في الجمعية العامة جراء إستمرار الإحتلال للأرض الفلسطينية، ونأمل ألا يُترك هذا القرار حبيس الأدراج، كما ترك قرار المحكمة بخصوص جدار الفصل العنصري.</p>
|
| 44 |
اليمين الصهيوني في مواجهة الصمود الفلسطيني |
<p>كثيرة هي التحليلات والمقالات التي تحذر من استحواذ اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو على مقاليد السلطة في (إسرائيل)، ومردّ هذه التخوفات نابعٌ من الشعارات المتطرفة التي يرفعها ويدعو لها قادة التحالف اليميني الذي فاز في انتخابات الكنيست الصهيوني الأخيرة، تلك الشعارات التي تترد على لسان ابن غفير وسموتريتش، الداعية إلى ضم الضفة الغربية وطرد العرب وإقامة الهيكل.</p>
<p>تزداد مخاوف المحللين والمتابعين بعد تواتر الأنباء عن مطالبات ابن غفير وسموتريتش بوزارة الأمن الداخلي للأول والجيش للأخير، وهو الأمر الذي يُستَشَف من خلاله رغبة ابن غفير في منع الشرطة الصهيونية من كبح جماح المستوطنين في اقتحام المسجد الأقصى والصلاة فيه، بل وكل ما من شأنه أن يحقق هدفهم في إقامة الهيكل، مرورًا بتقاسم المسجد الأقصى مع المسلمين زمانيًّا ومكانيًّا، وكذلك رغبة سموتريتش في إطلاق يد الجيش الصهيوني في إعادة احتلال الضفة الغربية تمهيدًا لضمها وتكثيف الاعتداءات على غزة، لكن يبدو أن تلك التحليلات والتصورات تعتمد أساسًا على ما تُردده ألسنة قادة المستوطنين الصهاينة، وتسقط أو تقلل من شأن عوامل القوة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني، التي -حسبما أظن- ستحيل شعارات اليمين إلى مجرد أوهام تتبدد بقوة اليقين الفلسطيني بالحق التاريخي والأزلي للشعب الفلسطيني في أرضه ومقدساته، صخب اليمين الصهيوني -حسبما أزعم- هو في جزء كبير منه دغدغة للمشاعر الصهيونية لدى المجتمع الصهيوني الذي ينحو نحو التطرف خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، وبالتالي الحصول على أكبر كم من الأصوات، وهو ما حدث فعلًا خلال الانتخابات الأخيرة بحصول تحالف ابن غفير وسموترتش على خمسة عشر مقعدًا داخل الكنيست.</p>
<p>الأمر الآخر أن اليمين الصهيوني ورغم كل الجدل الذي يثيره من خلال بعض الاستعراضات مثل الاقتحامات والتظاهرات والاعتداءات التي تغض عنها الشرطة الصهيونية العين بدافع العنصرية حينًا والأوامر المباشرة من القادة الصهاينة رغبة في التساوق مع الحالة اليمينية أحيانًا أخرى، فهو محكوم بمعادلة دولية تفرض قواعدها وشروطها على كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وإن كان هناك محاباة دائمة للجانب الإسرائيلي إلا أنه يبقى محكومًا بمعادلة التوازن العربية الإسرائيلية في المنطقة التي تحافظ عليها الإدارة الأمريكية منذ عام 67 تقريبًا.</p>
<p> الأمر الثالث الذي يجب ألّا نسقطه من الحسبان؛ هو صمود الشعب الفلسطيني وتصديه للاحتلال، هذا الصمود والتصدي الذي واجه الاستيطان الصهيوني منذ وعد بلفور 1917 حتى هذه اللحظة منع بوضوح إكمال تنفيذ المخططات الصهيونية المدعومة غربيًا في فلسطين، ولولا هذا الصمود وهذا التصدي لتحولت فلسطين منذ الانتداب البريطاني إلى وطن قومي خالص لليهود.</p>
<p>الأمر الرابع الذي لا بد أن يُستحضَر في هذه الحالة، هو أن اليمين الصهيوني رغم تشدده الظاهر فإنه كان دائمًا الغريق الذي يتخذ الخطوات الحاسمة باتجاه التنازل والميل للتسوية مع العرب والفلسطينيين، "فمناحيم بيغن" هو الذي عقد اتفاقية السلام مع السادات وتخلى بموجبها عن كامل سيناء التي احتلها الجيش الصهيوني في عام 67، وشارون كان هو الزعيم الصهيوني الذي تجرأ على الانسحاب من غزة، وبدأ الانسحاب من الضفة لولا أنَّ القدر لم يمهله لتنفيذ خطة الانسحاب، تلك الظاهرة التي تدل على أن تنازل الصقور أسهل بكثير من تنازل الحمائم رغم شراسة الصقور الظاهرة ووداعة الحمائم المدعاة.</p>
<p>أمر آخر لا بد من ذكره في هذا السياق، وهو أن المشروع الصهيوني في فلسطين، وهو في أوج قوته وفي أكثر مراحل التاريخ المواتية للحركة الصهيونية، لم يستطِع أن يحقق كامل أهداف الحركة الصهيونية، وتباطأت عوامل الدافعية لديه إلى أن استقرت عند الحال القائمة الآن بوجود نحو مليون وسبعمئة ألف عربي داخل فلسطين بحدود 1948، ونحو خمسة ملايين وثلاثمئة وستون ألف فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة حسب مركز الإحصاء الفلسطيني، وهو عدد يتجاوز عدد اليهود المقيمين في فلسطين التاريخية، هذه المعادلة الديموغرافية لا يمكن بحال من الأحوال وبعد مرور ما يزيد على مئة عام على المشروع الصهيوني أن تغيرها أي قوة على وجه الأرض، ناهيك بأن الشعب الفلسطيني قد امتلك من وسائل القوة العلمية والمادية والعسكرية ما لم يكن يمتلكه قبل مئة عام، وهو ما مكّن المشروع الصهيوني من تحقيق أهدافه جزئيًّا.</p>
<p> اليوم ونحن في عام 2022 يحاول العدو الصهيوني تثبيت جذوره المنبتة في أرض فلسطين من خلال استخدام بعض العرب في سياق عملية تطبيع غير قابلة للحياة، وهو أمر أكثر ضعفًا وهوانًا رغم مظاهر الغطرسة والقوة التي تخفي صعفًا بنيويًا لم يعد إخفاؤه سهلًا، وما اتجاه المجتمع الصهيوني نحو اليمينية المتطرفة إلا استشعار لهذا الضعف البنيوي الذي يحاول المجتمع الصهيوني تعويضه بمزيد من التطرف، ومثله كمثل الخائف المرتعد الذي يصرخ بقوة وانفعال ليعطي نفسه الثقة.</p>
|
| 45 |
قمة الجزائر القمة رقم 44 للعرب.. فهل من جديد؟ |
<p>منذ القمة العربية الأولى المنعقدة في الأول من مايو عام 1946م بدعوة من الملك فاروق، تواترت القمم العربية ليصل عددها حتى قمة الجزائر المزمع عقدها في 1 و2 نوفمبر الحالي إلى أربعة وأربعين قمة، أزعم أن المواطن العربي لم يلمس منها أي فائدة تذكر، الجامعة العربية كمنظمة لها أهداف وضعت في ميثاقها الذي أعلن في عام 1946م، ونصت عليه المادة الثانية من ميثاقها، وهي أهداف بجملتها تعبر عن مدى حرص الزعماء العرب ألا تكون للجامعة العربية قيمة، فقد نصت المادة الثانية على أن الغرض من الجامعة توثيق الصلات المشتركة بين الدول وتنسيق خططها السياسية والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها، والتعاون في الشؤون الاقتصادية والمالية والمواصلات والثقافة والجنسية والشؤون الاجتماعية والصحية.</p>
<p>وقد حرص معـ.ـدو الميثاق أن تنص المادة المذكورة على أن يكون هذا التعاون وفقًا للنظم الخاصة بكل دولة وأحوالها، الأمر الذي يعكس الهواجس الخفية لكل دولة عربية من الدول الأخرى، فتمت صياغة الميثاق بحيث يفرغ هذا التعاون من مضمونه، لأنه في النهاية لن يكون إلا وفقًا لأحوال كل دولة ونظمها، فإذا كان هذا التعاون في أي من المجالات سالفة الذكر يتعارض مع نظم الدولة وأحوالها، فإنه بالتأكيد لن يجد سبيله للتطبيق.</p>
<p>الأمر الأكثر غرابة في ميثاق الجامعة أن المادة السادسة من ميثاق الجامعة، التي تحدثت عن أكثر الأمور أهمية، وهي قضية الاعتداء على أي دولة عربية، نجد أن صياغتها جاءت بشكل يفهم منه محاولة التنصل من الوقوف صفًّا واحدًا في وجه أي اعتداء على أي من الدول الأعضاء، وذلك حينما نصت المادة على أن القرار يكون في هذه الحالة -حالة الاعتداء- بالإجماع؛ أي لو أن دولة عربية واحدة رفضت هذا القرار فسيسقط، وعليه لن يكون هناك دفاع عربي مشترك، إذ إن الإجماع في هذه الحالة غالبًا ما يكون متعذرًا إن لم يكن مستحيلًا.</p>
<p>وجاءت المادة السابعة من الميثاق لتؤكد مدى ضعف الميثاق، ولتنص على أن الإجماع على قرارات الجامعة يكون ملزمًا لجميع الدول المشتركة في الجامعة، "والإجماع في القضايا ذات الأهمية متعذر غالبًا كما ذكرنا"، أما القرارات التي يجيز الميثاق أن تؤخذ بالأكثرية فإنها تكون ملزمة فقط للدول التي قبلت بها، بمعنى أنه إذا تعذر الإجماع فلا قرار ملزم لأعضاء الجامعة، وإذا كان القرار من القرارات التي يمكن أن تؤخذ بالأغلبية فإنه أيضًا لا يكون ملزمًا لأعضاء الجامعة العربية كافة، وإنما فقط ملزم لمن وافق عليها، هذه النصوص بهذه الصياغات لا يمكن بحال من الأحوال أن تؤدي إلى موقف عربي قوي وحازم في قضايا الأمة العربية الخطيرة كالاعتداء على سيادة أو أراضي الدول العربية، والنيل من حريتها واستقلالها.</p>
<p>قمة الجزائر سميت بقمة لم الشمل، أما الرئاسة الفلسطينية فاعتبرتها قمة فلسطين والوحدة العربية، ولا أظنها تقدم شيئًا لفلسطين أو تتقدم خطوة واحدة باتجاه الوحدة العربية، وذلك أمر ليس مستغربًا، لأن ميثاق الجامعة صيغ بطريقة تحول دون تحقيقها أيَّ هدف من أهدافها على بساطتها، فكيف يمكن لهذه الجامعة أن تحقق ما هو أكبر وأعظم من أهدافها المتواضعة؟</p>
<p>منذ ستة وسبعين عامًا والجامعة العربية تنعقد، وما زالت فلسطين تحت الاحتلال، وما زالت الوحدة العربية أبعد ما تكون عن الواقع ومازالت ليبيا وسوريا واليمن ترزح تحت حرب أهلية طاحنة، وفي ذات الوقت نجد اتحادات قامت بعد الجامعة العربية بوقت بعيد، لكنها حققت إنجازات تكاد تشبه المعجزة، فالاتحاد الأوروبي الذي تأسس في عام 1991م بناءً على معاهدة ماستريخت، حقق الوحدة الأوروبية واقعًا ملموسًا من خلال السوق الأوروبية المشتركة والعملة الأوروبية الموحدة، وإلغاء تأشيرات الدخول بين الدول الأعضاء لمواطني الاتحاد، وكثير من الخطوات التي عادت بالفائدة الكبيرة على مواطني دول الاتحاد الذي يضم الآن نحو 27 دولة، هذا الاتحاد الذي يعمل الآن موحدًا للدفاع عن أوروبا ضد ما اعتبروه الغزو الروسي لأوكرانيا رغم أنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوربي، فقدم لها كل أنواع الدعم بدءًا من الدعم السياسي ومرورًا بالدعم الاقتصادي وانتهاءً بالدعم العـшـكري الهائل، الأمر الذي أعجز القوة العظمى الثانية على مستوى العالم في حين حرمت فلسطين من الدعم ولو بحده الأدني الذي يمكنها من دحر الإحتلال بل وصل الأمر في بعض الدول العربية لاعتبار الـمـöـ.ـاومة الفلسطينية إرهاب.</p>
<p>أداء الاتحاد الأوروبي يجبرنا على المقارنة بينه وبين أداء الجامعة العربية، ويجبرنا أيضًا على التساؤل: ما الذي ينمع الجامعة العربية من العمل بنفس وتيرة عمل الاتحاد الأوربي؟ أم أن التبعية "المريحة" التي فرضت على الزعماء العرب جعلتهم عاجزين عن اتخاذ قرارات لمصلحة شعوبهم؟ أم أنهم استمرؤوا الجلوس في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة بصفته الهدف الأسمى من كل أهداف الوحدة العربية وتحقيق رفاهية الشعوب العربية والدفاع العربي المشترك وتحرير الأرض العربية المغتصبة؟</p>
|
| 46 |
نحن بحاجة إلى عرين أُسُود سياسي على غرار عرين الأُسُود العـسكري |
<p><br />
ليلية كسوف الشمس الفلسطيني غابت فيها ستة أقمار عن سماء الوطن، ولكن متى كانت الأقمار تغيب إلى الأبد فما إن تغيب الٌأقمار حتى تبزغ من جديد أشد نوراً وأكثر بهاءً.<br />
عرين الأسود في نابلس لم تكن حالة عابرة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني الممتد منذ مائة عام، ولكنها حالة فداء ذابت تفاصيلها في عشق الوطن فلامست شغاف قلوب أبناء شعبنا، الشباب الفلسطيني الثائر الذي لفظ الحزبية في نابلس وانطلق ليقاتل العــدو موحداً اجترع معادلة جديدة حطمت نظريات العـدو الأمنية التي صاغتها عقول خبراء الامن الاستراتيجي، تلك النظريات التي اعتمدت أساساً على بث الفرقة بين مكونات الشعب الفلسطيني فكان هذا العرين الذي تأسس في جبل النار حالة ملهمة علَّمت ساسة فلسطين درساً في الـمقاومة وقبل ذلك درساً في الوحدة الوطنية التي فشل السياسيون في تحقيقها منذ خمسة عشرا عاماً مضت، عرين الأسود صاغت الوحدة بالدم الذي امتزج على تراب الوطن ولم تفرقه النزعة الفصائلية المقيتة التي أنهكت الشعب الفلسطيني ومزقت نسيجه الاجتماعي، عرين الأسود ما هم إلا شباب في العشرينيات من العمر لكنهم امتلكوا جرأة الشباب وحكمة الشيوخ فعقدوا عروة الوحدة الوثقى التي أعجزت شيوخ السياسيين الذين ادعوا الحنكة والحكمة ففشلوا المرة تلو المرة في تحقيق الوحدة الوطنية حتى تجلت مأساة اتفاقيات المصالحة بأبشع صورها في عقول الفلسطينيين.<br />
شباب نابلس جعلوا من الوطن عريناً وجعلوا من أنفسهم أسوداً، والأسود لا تجيد إلا الانقضاض، فهي لا تراوغ ولا تساوم ولا تتراجع ولا تقبل الهزيمة، تلعق جراحها النازفة ثم تقف بعزة وكبرياء لترصد العــدو وتلاحقه من جديد ولا تفرقهما مؤامرات الثعالب، ولذلك أصبح عرين الأسود قبلة الثوار التي ذابت فيها الفصائلية والفئوية المقيتة، وحازت رضى الشعب الفلسطيني وتقديره واحترامه وحبه، هذه التجربة الشبابية الخلاقة الإبداعية لهى أجدر بالإتباع من قبل الساسة الذين تفرقت بهم السبل وكادت أقدامهم تزل بعد ثبوتها، فأصبح لزاماً عليهم أن يلزموا درب عرين الأسود، فالوطن بأمس الحاجة إلى عرين أسود سياسي تذوب فيه القبيلة الحزبية والفصائلية ويعلو فيه شأن الوطن، وإنني أدعوا منذ اللحظة لأن تبدأ النخب السياسية والإعلامية والمثقفين والحقوقيين وكل من أحب فلسطين بالتجمع تحت راية واحدة ورؤية واحدة بعيداً عن كل تعقيدات الحياة الحزبية والفصائلية ليشكلوا معاَ وسوياً عريناً سياسياً مرادفاً للعرين العـسكري، وأظن أن هذه الفكرة ستحظى بترحيب أبناء شعبنا بكافه أطيافه وتوجهاته، بل ستعيد لشعبنا اللحمة الوطنية الشعبية الغائبة منذ الانتفاضة الشعبية الأولى التي انطلقت شعبية فعبرت عن التلاحم الوطني الفلسطيني في أبهى صورة.<br />
ودعوني أقولها وبالفم الملآن أن شباب فلسطين سبقوا شيوخها، ولطالما كان لشباب فلسطين فضل السبق، فلقد بدأت الثـورة الفلسطينية المعاصرة بجيل من الشباب الذين قادوا العمل الوطني حينما فشل الساسة الذين عاصروا النكبة في قيادة الشعب الفلسطيني لتحقيق حريته واستقلاله وفرقتهم الحزبية والعائلية وتنازعهم الفئوية، وكان لهذه الُفرقة دور معزز للمؤامرة الاستعمارية التي نسجتها القوى الكبرى وما زالت تمسك بخيوطها حتى الان، وكان للشباب فضل السبق في قيادة الانتفاضة الأولى بعد أن ظن العــدو واهماً أنه قضى على الثـورة الفلسطينية بإخراجها من لبنان، وكان للشباب أفضل السبق مرة أخرى في إطلاق الانتفاضة الثانية حينما توهم العـدو انه سلب الشعب الفلسطيني إرادة القتال بعد كارثة أوسلو، وها هو الشباب الفلسطيني يعود للسبق مرة أخرى بتشكيل عرين الأسود في جبل النار ولسان حاله يقول: لن تفرقنا السياسة لأن فرقة الساسة هي الوصفة السحرية لتمرير المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية، ولذلك أصبح عرين الأسود عريناً للوطن وتعزيزه ودعمه وإسناده مصلحة وطنية كبرى تحمى الحلم الفلسطيني من الضياع وتحمى الأمل الذي عاشت عليه أجيال مرت بهم السنين الطوال وهم يتشبثون بمفاتيح العـودة، فلا أقل من أن يلتحق الساسة بالثوار في طريق الوحدة إكراما للدماء التي نزفت واحتراما للأرواح التي ارتقت موحدة.<br />
الوطن اليوم كله توحد خلف شـهـداء عرين الأسود فلا تتفرقوا من بعدهم مرة أخرى، ولتتشرق شمس الوحدة لتبدد غيوم الانقــسـام التي تلبدت في سماء الوطن.</p>
|
| 47 |
أبو مازن يتشبث بالشرعية الدولية! |
<p>رن جرس الهاتف الخاص بالسيد عزام الأحمد وهو يتهيأ لتوقيع اتفاقية المصالحة التي أعدَّتها الحكومة الجزائرية بعد أن توافقت عليها القوى الفلسطينية المجتمعة في ضيافة الجزائر، التقط السيد عزام الأحمد هاتفه ليطالعه، فإذا به الرقم الخاص بأبي مازن، وعلى الفور يضغط السيد عزام على زر فتح المكالمة ليأتيه صوت أبي مازن: "إياك أن توقع أي اتفاقية لا تنص على التزام حكومة الوحدة الوطنية المتفق على تشكيلها بالشرعية الدولية"، فيهز عزام الأحمد برأسه بخضوع، "وكان أبو مازن أمامه" مُبديًا التزامه التام بتعليماته. ثم يغلق هاتفه ويعلن لجميع الحضور أنه لن يوقع الاتفاقية إلا بعد إضافة عبارة "التزام الحكومةِ الفلسطينيةِ الشرعيةَ الدولية" على وثيقة المصالحة، وفي هذه اللحظة سادت حالة من الهرج تنم عن مدى الاستهجان والاستنكار لهذا النكوص المفاجئ عما اتُّفِق عليه.</p>
<p>الجملة التي أصر أبو مازن على إضافتها لم تكن تحظى بموافقة حركة حـ.ـסــاس أو الجـהــاد أو الشعبية أو الصاعقة وجميع القوى الفلسطينية التي تلفظ نهج أوسلو، وهي بذلك تُعبِّر عن الأغلبية العظمى للشعب الفلسطيني، خاصة وأن الشرعية الدولية التي يقصدها أبو مازن ما هي إلا تعبير أنيق عن التشبث بالبقاء في مستنقع أوسلو والتنسيق الأمني والمفاوضات العبثية مع الاحتلال، تلك القضايا التي أجمع الشعب الفلسطيني على ضرورة الانعتاق منها، وذلك من خلال مؤتمر الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية المنعقد في بيروت والمعزز بقرارات المجلس المركزي الفلسطيني التي يرفض أبو مازن تنفيذها حتى اللحظة.</p>
<p>تشبث أبي مازن بالشرعية الدولية ليس الهدف منه التشبث بحقوق الشعب الفلسطيني كما زعم كل من تساوق مع توجه أبي مازن، فالشرعية الدولية المُدّعاة ضَرَبَ بها الاحتلال عُرض الحائط عشرات المرات، ولم يلتزمها يومًا حتى، وهي لا تلبي الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني الذي وقع عليه ظلم تاريخي من القوى الاستعمارية التي لا تزال متحكمة في القرار الدولي الذي يُعبر عنه "بالشرعية الدولية".</p>
<p>تشبث أبي مازن "بالشرعية الدولية" ليس إلا وسيلة لإفشال أي محاولة للملمة شتات الشعب الفلسطيني، لكونه يعلم أن القوى الفلسطينية الحية تأبى على نفسها الخضوع لذات المسار السيئ الذي خاضه أبو مازن وفريقه، وما زال يصر عليه حتى اللحظة، وبعد مرور ثلاثين عامًا من الفشل الذي أودى بالقضية الفلسطينية إلى غياهب التيه والنسيان وأسقطها عن جدول أولويات المجتمع الدولي التي كانت تحظى دائمًا برأس أولوياته.</p>
<p>أبو مازن وضع هذا الشرط بوصفه شرطًا تعجيزيًّا أمام تشكيل أي حكومة وطنية فلسطينية تعبر فعلًا عن مصالح الشعب الفلسطيني، والأمر الأكثر غرابة أن شرط أبي مازن يحكم المستقبل الذي قد لا يوجد فيه أبو مازن أصلًا، خاصة أن الرجل قد بلغ من الكبر عتيًّا، وكأنه يقول للشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية: إنني سأفرض عليكم "نهجي" حتى في حال غيابي عن المشهد.</p>
<p>من بديهيات العمل السياسي أن أي حكومة وطنية لا يحكمها إلا إطار المصلحة الوطنية في علاقاتها والتزاماتها تجاه المجتمع الدولي، وعلى هذا الأساس يكون تحركها وتنسج علاقاتها في الأوساط الدولية، والكل الفلسطيني تقريبًا -باستثناء أبي مازن وفريقه- يُجمِع على أن المصلحة الوطنية الفلسطينية تُعنى بضرورة لفظ مسار أوسلو والتوافق على برنامج وطني يعبر عن نبض الشارع الفلسطيني الذي لا يمكن أن يقاس إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، تلك الانتخابات التي يعطلها أبو مازن حتى الآن ويرهن إجراءها بموافقة الاحتلال على إجرائها في القدس، ومَثَل أبي مازن في ذلك كمَثَل من يأمل التوبة من إبليس.</p>
<p>على أي حال، فإن هذا التحكم المتجبر في إدارة المشهد الفلسطيني ورهنه برؤية أبي مازن الشخصية المعزولة عن الحالة الوطنية تعني أن اتفاق الجزائر ليس إلا حلقة مفرغة تضاف إلى الحلقات التي سبقتها، ولن يؤدي اتفاق الجزائر إلى شيء ملموس على أرض الواقع؛ الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب فعلًا، فكيف يمكن لشخص واحد أن يفرض رؤيته الخاصة على الشعب الفلسطيني بكل مكوناته الفصائلية والشعبية والمؤسساتية؟ وكيف يمكن لهذه المكونات أن تبقى أسيرة لهذه الرؤية وكأنها عاجزة لا حول لها ولا قوة؟</p>
|
| 48 |
سئمنا الحديث عن المصالحة.. ولكننا سنتحدث |
<p><br />
ربما من أكثر القضايا الفلسطينية إثارةً للضجر والسخرية بين أفراد المجتمع الفلسطيني هي قضية المصالحة، تلك القضية الوطنية الكبرى التي أصبحت على أهميتها لا تلقى اهتمامًا من المواطن الفلسطيني إلا بعضًا من السخرية أو التهكم أو اللامبالاة، ذلك أن تَكرار الحديث فيها واللقاءات والمشاورات والتنقل بين العواصم دون فائدة جعل المواطن الفلسطيني لا يلقي بالًا لكل ما يدور في أروقة السياسة بشأن قضية المصالحة، فأصبحت قضية باهتة مضجرة ومملة.<br />
وعلى الرغم من ذلك أجد نفسي مضطرًا إلى الحديث عن هذه المسألة المصيرية وطنيًّا المضجِرة شعبيًا فأقول: كثير ممن يتحدثون حديث المصالحة يكررون عبارة أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لذلك عند الخوض في التفاصيل يحدث الخلاف رغم الاتفاق على القضايا العامة والخطوط الأساسية للمصالحة، أما أنا فأخالفهم الرأي، فوجهة نظري أن اتفاقات المصالحة كلها لم تتناول القضايا العامة أصلًا، فأثّر ذلك كله في التفاصيل، ولأوضِّح ذلك أقول إن كل اتفاقات المصالحة التي عُقدت فيما سبق كانت تنص على بعض الإجراءات التي يجب على كل طرف من الأطراف التزامها، فيتفق مثلاً على تشكيل حكومة سواء كانت وطنية أو تكنوقراطية حسب الاتفاق، ثم النظر في قضية تحديد موعد للانتخابات، ثم النظر في قضية الموظفين سواء العـسكريين أو المدنيين، وتشكيل لجان لبحث هذه القضايا، ثم عند التنفيذ يتضح أن كل طرف فهم بنود الاتفاق فهمًا يختلف عن الطرف الآخر، لذلك كانت الأطراف تفشل في تنفيذ ما اتفقوا عليه، ويلقي كل طرف اللوم على الآخر حسب وجهة نظره، ولست في وارد لتحليل موقف كل طرف الآن.<br />
وربما كان الأطراف يحرصون على إرضاء راعي المصالحة، فيُبدون موافقةً شكلية على كثير من الأمور التي يرفضونها في قرارة أنفسهم، ثم لا يلبث هذا الرفض أن يجد سبيله للخروج في شكل عقبات عند التنفيذ تحول دون إتمام المصالحة. <br />
وحتى أكون واضحًا أكثر، فإن كل طرف يسعى إلى أن يحقق من اتفاق المصلحة هدفًا يتعارض تمامًا مع هدف الطرف الآخر، وقاعدة هذه المشكلة الوطنية أن عقلية التفرد والإقصاء ما زالت هي الحاكمة والمسيطرة، إذ أزعم أن الفصائل والقوى الفلسطينية لم تصل بعد إلى حالة من التعايش الديمقراطي تعبر عن قبول الآخر مهما كان مختلفاً في برامجه ومعتقداته السياسية والفكرية، فالفصيل الذي يحكم يسعى لاستئصال المعارضة، والعكس صحيح، لذلك تكون اتفاقات المصالحة شكلية دون مضمون فتفشل عند أول عقبة تعترضها. <br />
لذلك أرى حسب وجهة نظري المتواضعة أن الانقـسـام الفلسطيني ليس انقـسـامًا إداريًّا يُعالَج بإجراءات تهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة، ولكنه انقسام فكري أيديولوجي سبَّب شرخًا في مفهوم العمل الوطني؛ الأمر الذي ظهرت آثاره في انقـسـام المؤسسات وتعطيل السلطات وغياب الحياة الدستورية التي تحكم عمل أي دولة في العالم، وبالمناسبة لسنا -الشعب فلسطيني- أول من يعاني هذه المشكلة؛ فقد سبقنا عدد من الدول والشعوب لمثل هذه الحالة، بعضها استطاع التغلب على هذه المعضلة وبعضها الآخر ما زال يعانيها. ومثل الحالة الأولى ألمانيا التي توحدت في عام 1990 بعد سقوط جدار برلين، إذ كانت ألمانيتين إحداهما غربية والأخرى شرقية، أما الغربية فكانت تتبع الفكر والمعسكر الغربي الرأسمالي، في حين أن الشرقية كانت تتبع الفكر والمعسكر الاشتراكي، وهذا ما أدى إلى انقــسـامها لما يزيد على 46 عامًا.<br />
أما الحالة الثانية، فمثالها كوريا التي ما زالت منقسمة منذ عام 1945 بعد انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي من الجزء الشمالي منها، وكذلك قوات الولايات المتحدة من الجزء الجنوبي منها، بعد أن قررت كل قوة من القوتين العُظميين إقامة حكومة موالية لها أيديولوجيا وسياسيا، وما زالت الحكومتان في صراع مستمر منذ ذلك الوقت، وما زالت الجزيرة منقسمة حتى اللحظة.<br />
إذن الشعب الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يتغلب على الانقـسـام كما فعل الألمان عام 1990، وإما استمرار الانقـسـام إلى ما شاء الله، مثلما هو حادث في الجزيرة الكورية، ولا يمكن أن تفلح مساعي المصالحة إذا لم تبحث في أصل المشكلة، وهي الخلاف الأيديولوجي السياسي في النظر إلى القضية الوطنية الكبرى، وهي قضية الاحتلال، الأمر الذي يستوجب الاتفاق بشكل أساسي ومبدئي على برنامج وطني عام يُخاطب به العالم والإقليم وكذلك الاحتلال، ومن ثم تصبح القضايا الإجرائية بعد ذلك سهلة حتى لو كانت كل شياطين الأرض تكمن في تفاصيلها. <br />
أما القفز عن هذه الحقيقة والذهاب نحو قشور حلول فاشلة مكررة فهي وصفة سحرية لبقاء الانقـسـام قائمًا.<br />
كنت آمل من الجزائر أن تسعى إلى إقناع الأطراف بالاتفاق على البرنامج الوطني الذي يلبي الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين الفصائل...</p>
|
| 49 |
موسم الزيتون يضئ مشكاة الوطن |
<p>لطالما كانت شجرة الزيتون رمزاً لثبات الفلسطيني في أرضه ولكم كانت تلك الشجرة تعبر عن الأصالة والعراقة الفلسطينيتين، ولقد جسدت الآية الكريمة مدى قدسية هذه الشجرة فقال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.</p>
<p>النور الذي ذكره القرآن كأنه كوكب دري يوقد من زيت الزيتون الفلسطيني الذي يكاد يضئ حتى دون أن تمسسه النار لشده صفائه، ولذلك كان الزيت الفلسطيني ليس فقط مجرد إدام للطعام، ولكنه بركة في كل مناحي الحياة يشعر بها كل فلسطيني ويكون حريصاً على اقتنائه.</p>
<p>إرتباط الفلسطيني بالزيتون ضرب في أعماق التاريخ تتناقله الأجيال وتشهد به أشجار الزيتون الرومية التي غرسها الكنعانيون منذ القدم فمرت عليها عصور وهي صامدة ثابتة متشبثه بفلسطينيتها عبرت عنه الصورة الشهيرة للسيدة الفلسطينية التي تحتضن شجرة الزيتون لحمايتها من إجرام المستوطنين، فكانت أشبه بأم تحضن طفلها لحمايته من غيلان متوحشة تحدثت عنها الأساطير.</p>
<p>ولذلك يدرك العـ.ـدو الصـמـيوني أن بقاء الزيتون في الأرض الفلسطينية يعني بقاء الفلسطيني في أرضه، تلك الحقيقة التي صاغتها كلمات شيخ الأöـصى رائد صلاح حينما عبر عن الوجدان الفلسطيني بعبارة "إنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون" هذه الحقيقة الراسخة دفعت العـ.ـدو الصـמـيوني ليمارس إجرامه بحق الزيتون الفلسطيني حرقاً وتجريفاً ومصادرة، وفي المقابل يقاوم الفلسطيني بغرس الزيتون والعناية به والحفاظ عليه.</p>
<p>موسم الزيتون ليس موسم قطاف ثمرة تباع وتعصر لتحقق عائداً يدر دخلاً على زُرّاعِه وإنما هو موسم وطني يرسم لوحة أصالة وعراقة وبركة، تعبر عن حب الأرض والتشبت بها.</p>
<p>لم أعرف شعب على وجه الأرض يحب الزيتون وزيت الزيتون كما الشعب الفلسطيني، فتجده يغرسها حتى في أضيق الأماكن إذا لم يكن لديه أرض يزرعها، فترى غراس الزيتون في أفنية المنازل وأمام أبواب الدور العتيقة ومحاور الطرقات وحدائق المؤسسات العامة.</p>
<p>لقد سعدت كثيراً قبل عامين تقريباً حينما أهداني جاري الطيب الحاج أبو إبراهيم قنينة زيت صغيرة عصرها من بضع زيتونات غرسها حول بيته المجاور لبيتي لتشكل سوراً ثانياً من أشجار الزيتون بجانب السور الحجري، وكثيراً ما أراءه وهو يعتني بشجيراته تلك بكل وسائل العناية الممكنة من رش وتقليم وتشذيب وري، بل إنه يحضر أحياناً عاملاً ليساعده في العناية بها رغم أنها بضع شجيرات فقط، ربما لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين، ولكنه العشق الفلسطيني للزيتون الذي يعبر عنه الحاج أبو أبراهيم بطريقته.</p>
<p>ولذلك ليس غريباً أن تكون مساحة الأرض المغروسة بالزيتون في فلسطين حوالي 575107 دنماً تمثل ما نسبته 85% من نسبة أشجار البستنة وذلك حسب وكالة وفا للأنباء.</p>
<p>وسيظل زيت الزيتون يضئ مشكاة الوطن لتنير سماءنا وتبدد ظلام الاحتلال وستظل أشجار الزيتون في كل دروب فلسطين منارات للثوار والابطال الذين تباركوا بزيتها واقسموا على حماية إرث أجدادهم الذين رووا شجر الزيتون بعرقهم وحموه بدمائهم.</p>
<p>وستبقى كلمات محمود درويش في قصيدته شجرة الزيتون الثانية تحكى قصه صمود الزيتون في أرضنا:</p>
<p>شجرة الزيتون لا تبكي ولا تضحك.</p>
<p>هي سيدة السفوح المحتشمة.</p>
<p>بظلها تغطي ساقها، ولا تخلع أوراقها أمام عاصفة.</p>
|
| 50 |
عفواً دكتور ناصر القدوة لم ألمس جديداً لديك |
<p><br />
سعدت بدعوة من جمعية أساتذة الجامعات لحضور لقاء خاص مع د. ناصر القدوة لمناقشة الانتخابات والمستجدات على الساحة الفلسطينية. <br />
ولقد ضم اللقاء نخبة من أساتذة الجامعات والإعلاميين والكتاب، جرى اللقاء بسلاسة وبساطة وراحة وصراحة، وأقدر عالياً للدكتور ناصر صراحته في تعبيره عن آرائه التي قد نختلف معه عليها دون مجاملة لأي طرف.<br />
بدأ الدكتور ناصر بتوصيف الحالة السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني والتي نتفق جميعاً على أنها كارثية وقد عبر عن نظرته الخاصة في الحالة السياسية والإدارية في الضفة الغربية وكذلك في قطاع غزة.<br />
ثم طرح الدكتور ناصر رؤيته للخروج من الأزمة السياسية الفلسطينية العالقة منذ حوالي خمسة عشر عاماً والتي ترتكز على أربعة محاور.<br />
أما المحور الأول: فهو عدة مبادي حاكمة تتمثل في طبيعة النظام السياسي الديمقراطية وضرورة اللجوء للانتخابات التعددية لتولي قيادة الشعب الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس الانتخابات وكذلك استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام على أساس الشراكة السياسية وعودة غزة للشرعية - حسب تعبيره- وإعادة بناء هيئات السلطة الفلسطينية.<br />
ثم يعقب تلك المبادئ الحاكمة -حسب رؤيته- آلية إنتقال سياسي مفتوحة لكل من يوافق على المبادئ الحاكمة على ألا تحل هذه الآلية محل المؤسسات القائمة وأن تكون هذه الآلية لفترة محدودة وأن تكون قليلة العدد ولكن تعكس تمثيلاً سياسياً لكل الطيف الفلسطيني وأن العضوية فيها لا تنشئ حقاً. <br />
ثم تبع ذلك 4 مراحل عمل تبدأ بالمناقشات الأولية مروراً بتشكيل الهيئة الانتقالية ومن ثم عملها وانتهاءً بمرحلة كسر العظم -على حد تعبيره-.<br />
وللحقيقة فإن هذه الرؤية حسب ظني عبارة عن عملية إجرائية كان يمكن لها أن تكون فاعلة لو أنها وضعت كإطار إجرائي لجوهر توافقي وطني موضوعي. <br />
بمعنى أن أي إطار اجرائي لا يمكن له أن يكون فاعلاً دون مضمون موضوعي يكون هو أساس تشغيل الإطار الإجرائي، ولأقرب المسألة أكثر سأضرب مثلاً "المجلس التشريعي الفلسطيني" الذي ينبغي أن يضم ممثلي الشعب الفلسطيني -لو كان فاعلاً- فإن المجلس لدى قيامه بدوره لا بد أن يحكمه إطار إجرائي يبين طريقة عرض مشاريع القوانين عليه وما هية المراحل التي يمر بها مشروع القانون قبل عرضه والقراءات التي يمر بها وطريقة التصويت حسب الأغلبية المطلوبة لكل موضوع وإنتهاءً بإصدار القانون الذي يكتسب صفة الإلزامية بعد إقراره وفق الأصول الإجرائية التي ذكرت، ولكن هذه الإجراءات تبقى أصول تحتاج إلى الموضوع الذي تفعل هذه الأصول بطرحه، فلا يمكن أن يجتمع المجلس دون أن يكون هناك مواضيع هي أساس اجتماع المجلس ثم تفعيل الأصول حتى تتحول تلك المواضيع المطروحة من أفكار ومشاريع إلى قوانين ملزمة.<br />
ورؤية الدكتور ناصر هي بالضبط عبارة عن إجراءات وأصول للعمل دون موضوع مطروح للنقاش، ولذلك عندما توجهت له بالسؤال حول ضرورة وجود برنامج وطني متفق عليه نخاطب به العالم والإقليم وحتى العدو يكون هو قاعدة النقاش التي ستطبق عليها الرؤية الإجرائية المقدمة من طرفه -خاصة وأن السبب الرئيس في الانقسام الفلسطيني المستحكم هو تناقض البرامج السياسية بين مكونات العمل السياسي الفلسطيني ما بين برنامج المقاومة وبرنامج التسوية السياسية- وتفاجأت برد دبلوماسي بأن الفصائل كلها ليس لديها برامج سواء تلك التي تتبنى المقاومة أو تلك التي تتبنى التسوية السياسية -حسب رأيه- على إعتبار أن مشروع التسوية إنهار ولم يبقَّ منه إلا التنسيق الأمني وأن مشروع المقاومة "غير فاعل".<br />
للحقيقة شعرت أن الرؤية المقدمة من د. ناصر لا تعدو أن تكون محاولة لتغيير القيادة المتحكمة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير مع الإبقاء على برنامج منظمة التحرير القائم على حل الدولتين الذي لا زال د. ناصر مؤمن به، ولذلك أعتقد أن الدكتور ناصر مع كامل الاحترام لشخصه لم يقدم للشعب الفلسطيني جديداً وإنما كل المسألة هي حالة تمرد داخل في حركة فتح على طريقة إدارة أبو مازن لتفاصيل الشأن الفلسطيني وتحكمه التام في تلك التفاصيل كافة.<br />
الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة للخروج من هذه الازمة الكارثية المستحكمة التي تسعى كثير من الأطراف لإبقاء الشعب الفلسطيني غارقاً فيها لأطول فترة ممكنة من خلال رؤية وطنية استراتيجية جامعة يتفق عليها وطنياً تكون اساساً للعمل الوطني والتداول السلمي على السلطة، ومن خلالها يتم إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، عند ذلك فقط تستطيع القول إن قطار الشعب الفلسطيني انطلق على سكة متينة تنتهي حيث طموح وآمال شعبنا.</p>
|
| 51 |
ما بين 13 أيلول 1993 و13 أيلول 2022م |
<p><br />
اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الشهير باسم اتفاق أوسلو، رُوج على أنه اتفاق سلام سيفضي إلى دولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967، أي الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 67 وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي سبيل الوصول إلى هذه "الكذبة" تنازلت منظمة التحرير عن 78% من مساحة فلسطين التاريخية لصالح الكيان الصهيوني متجاوزة حتى قرار التقسيم الصادر عام 1947 والذي منح "إسرائيل" 55% من مساحة فلسطين، فكان "الكرم العربي" لقيادة منظمة التحرير حاضراً يعبر عن "شهامة العربي" على حساب الحقوق والتاريخ والمبادئ والقيم التي كافح الشعب الفلسطيني طوال مائة عام من أجلها.<br />
لم تقف حدود الكذب الذي رُوج عن اتفاق أوسلو عند مسألة إقامة دولة على "خطوط "وليس "حدود" 67 وإنما تجاوز الكذب هذا الحد ليقال إنه هناك اعتراف متبادل بين (إسرائيل) "ومنظمة التحرير" وللوهلة الأولى يظن السامع أن (إسرائيل) اعترفت لمنظمة التحرير بنفس الحقوق التي اعترفت بها منظمة التحرير لـ (إسرائيل) ولكن الغش والتدليس الذي اتضح بعد ذلك أكد أن منظمة التحرير اعترفت بالآتي:<br />
1- حق (إسرائيل) في العيش في أمن وسلام.<br />
2- حق (إسرائيل) في خطوط الرابع من حزيران أي 78% من مساحة فلسطين.<br />
3- تنبذ منظمة التحرير الإرهاب والعنف أي "المقاومة".<br />
4- تحذف منظمة التحرير البنود التي تدعو للكفاح المسلح في ميثاقها.<br />
5- تأخذ منظمة التحرير على عاتقها إلزام كافة عناصر منظمة التحرير بما سبق وضبط أي منتهك لهذه البنود.<br />
وعلاوة على ذلك وجه ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير رسالة إلى وزير الخارجية النرويجي "عراب الاتفاق" يؤكد فيها موقف منظمة التحرير الذي يدعو فيها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لتطبيع الحياة مع الصهاينة ورفض العنف والإرهاب والمساهمة في السلام.<br />
وفي مقابل كل ما سبق اعترفت "إسرائيل" فقط بما يلي: <br />
1- منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. (وهذا الاعتراف لا يعني شيئا من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني) وإنما فقط قبول (إسرائيل) بالحديث مع منظمة التحرير التي كانت ترفض الحديث معها باعتبارها منظمة إرهابية.<br />
2- تقر (إسرائيل) بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي وليس دولة ذات سيادة.<br />
3- تكون (إسرائيل) هي المسؤولة عن حفظ أمن منطقة الحكم الذاتي.<br />
من خلال ما سبق يتضح بشكل جلي أن الشعب الفلسطيني تعرض لعملية خداع استراتيجي أراد موقعو الاتفاق من خلاله إقناع الشعب الفلسطيني أو جزء منه على الأقل بهذا الاتفاق الذي لم يذكر من تفاصيله شيء، وإنما روَّج على أنه اعتراف بدولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران لعام 67.<br />
وقد صاحب ذلك دعاية مضللة بأن الضفة الغربية وقطاع غزة ستكون مجرد موطئ قدم لمنظمة التحرير للانطلاق نحو تحرير باقي فلسطين وقد سمعت وعاينت ذلك وأنا فتى يافع في مؤتمرات ونقاشات علنية لحركة فتح في محاولة بائسة لتسويق الاتفاق، حيث أن الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت لم يكن يقبل بفكرة دولة على خطوط 67 والتنازل عن فلسطين التاريخية، تلك الدولة التي كانت هي غاية المنى لقادة منظمة التحرير لو تمت والتي لم تتم حتى بعد ثلاثين عاماً من التوقيع. <br />
لم يقف الحد عند الترويج لأكاذيب حول الدولة والسلام واستعادة باقي الأراضي لإقناع بسطاء الشعب الفلسطيني بما لم يفلح الاحتلال بإقناعهم به خلال عقود طويلة من الاحتلال، بل لقد صاحب الفكرة تطبيقات عملية تمثلت في قيام بعض مطاردي منظمة التحرير بتسليم سلاحهم لقوات الاحتلال في مجمع الســرايا وسط مدينة غزة في مشهد لم يكن الفلسطيني يتصوره في أسوء كوابيسه، ذلك أن سلاح الثـورة هو شرف الثائر ومن يفرط بسلاحه كمن يفرط بعرضه، تلك هي المفاهيم التي نشأ عليها الشعب الفلسطيني والتي تشكلت في وجدانه وأصبحت عقيدة راسخة انتقلت من الآباء للأبناء.<br />
ولكن الحق لا يغيب وإن حجبته حتى حين سحب الباطل والضلال، فيُصدم اليوم قادة الاحتلال وصناع أوسلو والمتعلقين حتى الآن بالأكاذيب والأضاليل التي روج لها مبدعو أوسلو بجيل فلسطيني يعشق السلاح والمقاومة ويأبي على نفسه التفريط بسلاحه أو تسليم نفسه فيستشهد شامخاً عزيزاً ويشهد على بطولته سلاحه المبلل بدمه، فمن يقاوم الآن هو جيل نشأ بعد أوسلو وعايش مرارة الذل الذي فرضته أوسلو على شعبنا وتكشفت أمامه بمرور الزمن حجب الكذب والباطل التي حجبت شمس الحق الفلسطيني حيناً من الدهر، وظهر زيف أوسلو جلياً فخرج من رحم أوسلو من يدوس بقدمه التنسيق الأمني ويكفر بإعلان المبادئ ويسبب التطبيع ويلعن الذين حرّفوا الميثاق.<br />
اليوم بعد 29 عاماً يسقط أوسلو تماماً ويرتفع عالياً لواء المقاومة ولكن يبقى في القوم من تأخذه العزة بالإثم فيعاند حقائق التاريخ كمن يكفر بالله عناداً.</p>
|
| 52 |
منصب رئاسة الوزراء في بريطانيا صعوبة الوصول وسهولة التخلي |
<p>المملكة البريطانية هي أعظم وأعرق الممالك على وجه الأرض، والبرلمان البريطاني هو البرلمان الأول الذي تشكل في العالم ليكرس تمثيل الشعب في الحكم إلى جوار الملك، ولقد بدأت أولى مراحل العملية الديمقراطية في بريطانيا منذ عام 1215 عندما أُجبر الملك جون على توقيع ما عرف "بالماغنا كارتا أو الميثاق العظيم" الذي تقلصت فيه صلاحيات الملك، وبعدها استمرت الإصلاحات في النظام الملكي البريطاني حيث سن البرلمان البريطاني وثيقة الحقوق لعام 1689 ثم قانون التسوية 1701 حيث شكلت هذه التشريعات مجتمعة أهم الوثائق للدستور البريطاني غير المكتوب، وحولت ميزان القوى من السيادة الملكية إلى البرلمان وصولاً إلى الملكية الدستورية البرلمانية حيث تقلصت صلاحيات الملك التنفيذية إلى أقصى حد وبقيت في إطار العمل البروتوكولي.</p>
<p>يُعد الملك في بريطانيا (حاليًا إليزابيث الثانية)، رأس الدولة والسيادة، إلا أنه ليس رئيس الحكومة، لا يقوم الملك بدور مباشر يُذكر في حكم البلاد ويظل مُحايدًا في الشؤون السياسية، ومع ذلك، فإن سلطة الدولة المخولة للملك، والمعروفة باسم التاج، تظل مصدر السلطة التنفيذية التي تمارسها الحكومة.</p>
<p>على الرغم من الصلاحيات الرسمية التي تعرف "بالامتياز الملكي" التي بقيت بيد الملك شكلا، ولكنها عمليا بيد رئيس الحكومة والوزراء وذلك وفقا لما نشرته الحكومة البريطانية عام 2003 لم يحدث أن تدخل الملك بشكل مباشر في السلطة التنفيذية أو التشريعية منذ عهد الملكة آن عام 1708م.</p>
<p>مر على بريطانيا 114 رئيس وزراء قبل أن يعلن عن فوز "ليز تراس" رئيسة جديدة للوزراء في بريطانيا بعد شهر واحد من استقالة بوريس جونسون، وهي ثالث امرأة تتولى هذا المنصب بعد كل من "مارغريت تاتشر" "وتربزا ماي".</p>
<p>رئاسة الوزراء في بريطانيا وهو المنصب التنفيذي الأعلى الذي يتولاه السياسيون البريطانيون بعد معارك انتخابية طاحنة ومرهقة تبدأ بالانتخابات الحزبية الداخلية ومن ثم الانتخابات العامة، ليتمكن الحزب الفائز من الحكم لمدة خمس سنوات وفقاً للتعديل الدستوري الذي تم في عام 2011، ووفقاً للعرف الدستوري البريطاني تكلف الملكة أحد أعضاء البرلمان الذي يمكن له أن يحظى بثقة البرلمان بتشكيل الحكومة وليس شرطاً أن يكون من حزب الأغلبية إذا أن التكليف لا يتم على أساس حزبي ولكن جرى العرف الدستوري على أن يُكلف زعيم الأغلبية بهذا المنصب.</p>
<p>العدد الكبير للأشخاص الذين تبوؤا منصب رئيس وزراء بريطانيا العظمى يدل بشكل واضح أن زعامة الحزب التي تتولد عنها رئاسة الحكومة هي زعامة وظيفية وليست زعامة أبوية، أي أن الزعيم الذي ينتخب لقيادة الحزب ومن ثم رئاسة الحكومة يحظى بالزعامة بناءً على برنامج يقدم للناخبين ومن ثم يفاضل أعضاء الحزب بين البرامج والأشخاص ليختاروا من يتوسمون فيه القدرة على قيادة الحزب والدولة نحو تحقيق الأهداف والبرامج التي تهدف إلى الارتقاء بالدولة وتحقيق الرفاهية للمواطن.</p>
<p>وفي حال فشل زعيم الحزب في تحقيق الأهداف المعلن عنها أو فقدان التأييد من أعضاء الحزب أو ارتكاب أخطاء أثناء رئاسته للحكومة والحزب فإن بقائه على سدة الحكم يصبح محل نظر وغالباً ما تؤدي تلك الأمور إلى فقدان المنصب، وهذا ما حدث مع الرئيسين السابقين للحكومة البريطانية على الأقل "فتريزا ماي" اضطرت إلى تقديم استقالتها بعد ثلاث سنوات من توليها عندما فشلت في إقناع نواب حزبها بخطة الخروج من الاتحاد الأوروبي التي عرضتها على مجلس العموم، فتركت منصبها لخليفتها "بوريس جونسون" الذي اضطر إلى تقديم استقالته هو الآخر بعد ثلاث سنوات من توليه المنصب بسبب تجاوزه بعض القوانين التي فرضتها حكومته على المواطنين البريطانيين أثناء تفشي مرض كورنا بالتباعد الجسدي، وذلك عندما أقام حفلة شاي مع عشرين عضواً من حكومته في الساحة الخلفية لمقر رئاسة الوزراء لمدة 20 دقيقة إضافة إلى بعض التجاوزات الأخلاقية من قبل إثنين من وزرائه.</p>
<p>بالأمس أعلن عن فوز "ليز تراس" ذات الـ 47 عاماً برئاسة حزب المحافظين الحاكم ووفقاً للتقليد الملكي توجهت إلى مقر إقامة الملكة لتكلفها الأخيرة برئاسة الوزراء خلفاً لسلفها "بوريس جونسون".</p>
<p>ما يثير الإعجاب في المملكة البريطانية هو سهولة تخلي رئيس الحزب ورئيس الحكومة عن المنصب ولأسباب نراها نحن في العالم العربي أسباب بسيطة أو تافهة، وربما ينبع هذا الاعتقاد من رسوخ مشاهد دموية في الذاكرة الجمعية العربية لعلميات انتقال السلطة في دول العالم العربي وما صاحبها من دمار كبير للبلدان العربية وتشريد الملايين ناهيك عن قتل الألاف بسبب التشبث بالسلطة، وهذا الأمر يشي بشكل واضح أن السلطة في العالم العربي سلطة مغنم رغم أن كل من تولوا السلطة يرفعون شعار الزهد فيها، بينما هي سلطة مغرم في بريطانيا ولذلك نجد سهولة التخلي عنها، إضافة إلى أن الزعامة للحزب الحاكم أو المعارض هي زعامة وظيفة تتبدل وتتغير بالنظر إلى النجاح في الوظيفة أو الفشل فيها، ولا يوجد أي شكل من التقديس أو التبجيل أو الإجلال الذي يصاحبه التغاضي أو إن شئت القبول بكل خطايا الزعيم لأنه فقط زعيم كما يحدث في عالمنا العربي، ولذلك يبقى الزعيم زعيماً حتى يموت.</p>
<p>بريطانيا تضرب اليوم مثلاً في القيم الديمقراطية المستقرة التي ترتكز على التداول السلمي والسلس للسلطة في الوقت الذي لا يزال الدم ينزف غزيراً في العالم العربي بسبب الصراع المقيت على السلطة.</p>
|
| 53 |
الاحتلال والهيبة المفقودة |
<p><br />
منذ المواجهة الأخير في قطاع غزة والاحتلال يمارس عدة أشكال من التصعيد في الضفة الغربية، ويكثف من اقتحامه للمدن الفلسطينية ويصاحب عادة هذه الاقتحامات عمليات قتل واعتقال وتدمير لبعض البيوت، الاحتلال حينما يمارس هذه الهجمة المكثفة يدرك جيداً أن وجود الاحتلال في الضفة الغربية أصبح على المحك، خاصة مع تنامي وتعاظم روح المقاومة وانتشار شرارتها بين المدن الفلسطينية بسرعة لا تقل عن سرعة سريان روح التحدي بين أبناء الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد جيل الشباب الذي ولد بعد عملية السور الواقي.<br />
يدرك الاحتلال كذلك أن روح المقاومة التي تسري في الضفة الغربية هي نتاج نجاح تجربة المقاومة في غزة التي ألهمت هذا الجيل الصاعد الذي نشأ في ظل سطوة الاحتلال وممارساته القمعية طول عشرين عاماً مما أحدث جرحاً غائراً في الكرامة الوطنية الجمعية لدى هذا الجيل لم تفلح كل محاولات الاحتلال التي اعتمدت على برامج التعايش الاقتصادي في علاجه.<br />
الجيل الصاعد في الضفة الغربية فرضت عليه الوقائع المعاشة أن يقارن بين مشهدين وقد أفضت هذه المقارنة على ما يبدو إلى انحياز جيل الشباب الي أحدهما.<br />
أما المشهد الأول فهو مشهد الخضوع الكامل والتام للاحتلال والانصياع لرغباته واستجداء بعضاً من الامتيازات التي يوافق الاحتلال على منحها الشعب الفلسطيني مقابل المزيد من الخضوع المذل، وما واكب ذلك من التساوق الممنهج للأجهزة الرسمية الفلسطينية مع عمل قوات الاحتلال بالتنسيق الأمني، وقد حُمّل الجيل الفلسطيني الصاعد نتيجة هذه السياسة من تراجع واضح للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي وزيادة عمليات التطبيع من بعض الأنظمة العربية التي جرأها على التطبيع السياسات الرسمية الفلسطينية الخاضعة للرغبات الصهيونية هذا على الصعيد الخارجي، أما على الصعيد الداخلي فأدت تلك السياسة إلى مزيد من قضم الأرض الفلسطينية لصالح المستوطنات، وتكثيف عمليات الاقتحام للمدن الفلسطينية واعتقال المواطنين الفلسطينيين بإذلال على الحواجز الصهيونية وزيادة عربدة المستوطنين وتهويد مدينة القدس واستباحة المستوطنين المسجد الأقصى. <br />
مقابل هذا المشهد المظلم كان هناك مشهد آخر مضيئ يتمثل في تحدي المقاومة لصلف الاحتلال وخوض خمس مواجهات أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن المقاومة أفلحت في تثبيت قواعد اشتباك قائمة على نظرية تآكل قوة الردع لدى الاحتلال، وما صاحب ذلك من قصف "عاصمة" الاحتلال لأول مرة في تاريخ الصراع واجباره على العيش بظروف لا تقل سوءاً عن الظروف التي يتعمد فرضها على شعبنا وكانت المفارقة الواضحة في التأثير الوجداني العميق لدى الجيل الصاعد مشاهدة صواريخ فلسطينية تشق سماء الوطن لتسقط على مدن الاحتلال فتحيلها مدن أشباح ويشعر الفلسطيني لأول مرة أن هناك قوة فلسطينية يمكن لها أن تردع الاحتلال ويمكن لها أن تدافع عن الشعب الفلسطيني.<br />
الجيل الفلسطيني الصاعد قارن بين المشهدين وانحاز للمشهد الذي وجد فيه عزته وكرامته ولفظ المشهد الآخر الذي وجد فيه ذله ومهانته.<br />
وفي حالة نشوة وطنية عارمة غير آبهة بحسابات السياسة الرسمية الفلسطينية – فحسابات السرايا غير حسابات القرايا- انطلقت مجموعات الجيل الفلسطيني الصاعد تشكل حالات مسلحة في مدن الضفة الغربية مستلهمة تجربة المقاومة في غزة. <br />
الاحتلال خلال الأسابيع الأخيرة يحاول أن يحبط هذا الاتجاه الشعبي بمزيد من القمع والإرهاب وتكثيف التنسيق الأمني ولكن دون جدوى، بل إن سياسات الاحتلال القمعية تحولت إلى وقود لروح التحدي لدى جيل الشباب الفلسطيني وهذا ما تبشر به الأحداث المتسارعة في الضفة.<br />
عشرون عاماً مرت منذ عملية السور الواقي في 2002 حتى اليوم لم تفلح خلالها سياسات التدجين في خلق جيل فلسطيني يتعايش مع وجود الاحتلال، وما يزيد عن سبعين عاماً مرت من قمع الاحتلال لم تكسر إرادة الصمود والتحدي لدى الشعب الفلسطيني، هذه الحقيقة تؤكد لكل ذي لب أن المقاومة و-إن خبت لفترة- لا تنطفئ وما دامت جذوة المقاومة متقدة لا مستقبل للاحتلال في فلسطين.</p>
|
| 54 |
شهادة أمنون نيومان للتاريخ تصفع وقاحة لابيد |
<p><br />
كثيرة هي صحوات الضمير التي تأتي متأخرة، خاصة حينما توشك شمس العمر على المغيب، ومع تأهب الإنسان للرحيل قد يلتفت للوراء برهة ليمر أمام ناظريه شريط طويل عن الذكريات التي لم يعد هناك حاجة لإخفائها، فلا عقاب يخشى ولا منصب يرجى، فالحياة برمتها توشك أن تطوى سماطها وترحل، وفي هذه اللحظة بالذات تصفو النفس البشرية من كل ما علق بها من أدران الحياة ولا يبقى لها إلا إنسانيها التي لا يكدرها حقد ديني أو نعرة قومية أو نفاق مصلحي أو كذب منمق، إنه فقط صوت الضمير الذي يعبر عن فطرة الإنسان قبل أن تتنازعها عوامل الشر.<br />
"كان أولئك القرويون هادئين ومسالمين، كانوا يستحقون أن يبقوا في أرضهم كما استمروا فيها منذ 5000 سنة".<br />
هذه العبارة التي اختتم بها أمنون نيومان شهادته التي لخصت حقيقة الصراع الذي أنكرته الصهيونية حتى هذه اللحظة.<br />
وبهذا الإنكار صاغت الصهيونية العالمية فلسفة وجودها على أرض فلسطين، وجعلت من خرافة أرض بلا شعب أساس بناء الكيان الغاصب.<br />
يقول أمنون في شهادته حول هذه الفكرة الصهيونية "الفلسطينيون لم يخرجوا طواعية من قراهم بل نحن الذين طردناهم، كل هذا بسبب العقلية الصهيونية" أمنون كان عضواً في منظمة البالماخ وهو يتحدث عن تجربته الشخصية التي عاش تفاصيلها بنفسه لحظة بلحظة ولم ينقل الحديث أو يرويه عن أحد آخر، وهذا ما يجعل لشهادته أهمية عظيمة ترفعها إلى مصاف الشهادات التاريخية التي يجب أن توزن كلماتها بماء الذهب لأنها شهادة لا يمكن نفيها أو تكذيبها مهما حاولت ماكينة الدعاية الصهيونية أن تحجبها، أمنون يكشف زيف بطولات موهومة روجها الكيان عن جنوده وساهمت وسائل الاعلام الغربية في نشرها وذلك عندما يقول مخاطباً محدثه "لا تظن أننا خضنا معارك كبرى ضد الفلسطينيين، بالكاد كان هناك معارك، في برير كانت معركة واحدة هنا وهناك وبعض مناطق الشمال، لأنه لم يكن لديهم – يقصد العرب- أي عتاد عسكري لقد كانوا فقراء ومساكين كانون بلا سلاح، ومن يمنحهم السلاح؟" يتساءل أمنون ليس لاستنطاق محدثه، فهو يعرف الحقيقة التي يعرفها محدثه ويعرفها العالم أجمع اليوم، وهي أن الشعب الفلسطيني حرم حق الدفاع عن نفسه وعن أرضه وترك لقمة سائغة للعصابات الصهيوينة المجرمة، وهذا ما ذكره عبد القادر الحسيني في حديثه للجنة العسكرية في الجامعة العربية حينما قوبل طلبه بتزويده بالسلاح بالمبالاة والتلكؤ، فانتفض في وجه محدثيه من القادة العرب قائلا""أنتم خائنون، أنتم مجرمون. سيسجّل التاريخ إنكم أضعتم فلسطين. سأحتل القسطل وسأموت أنا وجميع إخواني المجاهدين. وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحبّ إليّ من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملوننا بها".<br />
إذن لقد كانت المنظمات الصهيونية المدربة والمسلحة بأحدث الأسلحة تقاتل قرويين عزل وصوّرَت الصهيونية العالمية هذه المأساة على أنها معارك كبرى خاضتها القلة من اليهود الضعفاء ضد جحافل العرب الهمج، والحقيقة أنها كانت عمليات قتل قذرة نفذتها عصابات منحطة.<br />
شهادة أمنون ترد على وقاحة لابيد التي قابل بها تصريح أبو مازن حول خمسين هولوكست صهيوني وياليت أبا مازن صمد ولم يتراجع.<br />
شهادة أمنون وأمثاله يجب أن تشكل لنا نحن الفلسطينيين مرجعاً قانونياً ينبغي أن نتعامل معه بكل جدية، وعلى القيادة الرسمية الفلسطينية أن تضع هذه الشهادة على أجندة عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة واعتبار هذه الشهادة وثيقة من وثائق الأمم المتحدة الرسمية والسعي لكي يبنى عليها قرارات ومواقف دولية، هذا إن كانت الخارجية الفلسطينية معنية بالعمل على صيانة الحق الفلسطيني والدفاع عنه في المحافل الدولية بحق، ولزاماً على الشعب الفلسطيني أن يحاسبها ويحاسب القيادة الرسمية المرتجفة أمام الغطرسة الصهيونية إن لم تقم بواجبها، فإذا كان الشعب الفلسطيني يقدم دمه فداءً للوطن فلا أقل من تصمد القيادة الرسمية الفلسطينية وتثبت على موقفها أمام المجتمع الدولي في تبينها للرواية الفلسطينية في وصف المجاز الصهيونية بأنها خمسين هولوكست، فلم يعد الشعب الفلسطيني يطيق سياسية النفاق الدولي وازدواجية المعايير التي تغض الطرف عما يرتكب من جرائم بحق شعبنا وفي ذات السياق تنتفض لمجرد التشبيه بين مجرم ومجرم وبين جريمة وجريمة، فالعدالة واحدة والقيم لا تتجزأ.</p>
|
| 55 |
لماذا يخوض جنرالات العـدو غمار السياسة؟ |
[١١:٢٨ ص، ٢٠٢٢/٨/١٧] 44: يُعرف مصطلح النزعة العـшـكرية بأنه "اعتقاد أو رغبة حكومة أو شعب ما أن على الدولة الاحتفاظ بقدرة عسكرية قوية واستخدامها بعــدوانية لتحقيق مصالح الأمة".
هذه النزعة العـшـكرية تُفضى إلى الشعور غالباً بتفوق رجال الجيش على من هم سواهم من القادة ومن ثم توليهم دفة العمل السياسي وقيادة الدولة.
ربما لا يوجد دولة على وجه الأرض لديها نزعة عسكرية بالقدر الموجود لدى "إسرائيل" تلك الدولة" التي ولدت من عقدة الخوف التي سيطرت على وجدان الشعب اليهودي بسبب ما لحق بهم من اضطهاد مسيحي أوروبي بلغ ذروته إبان الحرب العالمية الثانية على يد القوات النازية، بغض النظر عن المبالغات التي يدعيها اليهود طلباً للدعم الأوربي كتعويض عما اقترفوه بحق اليهود من جرائم وما صاحبه مصلحة غربية بوجود كيان يمثل اليهود وغلف كل ذلك بنفاق دولي بدأ بما عُرف بوعد بلفور حتى صدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين إحداهما للعرب والأخرى لليهود عام 1947م وهو القرار الذي عُرف بقرار التقسيم رقم 181.
(إسرائيل) التي أوجدها قرار أممى بقيت دولة بلا جذور كنبتة ضارة في أرض طيبة مآلها الاجتثاث كمآل أي نبتة ضارة، كان لا بد لهذه "الدولة" أن تحمي نفسها من الاجتثاث فعمدت إلى تعظيم قوتها العـшـكرية بما لا يناسب البتة مساحة الأرض التي أقُيمت عليها أو عدد سكانها، ولذلك كان عماد وجودها قوة عسكرية متكئة على نزعة عسكرية شديدة رغم الادعاء بمدنية الدولة.
كل ما سبق جعل الشعب الصـמـيوني شديد الميل إلى اختيار القادة السياسيين من الجنرالات السابقين في تقليد طغى على الحياة السياسية الإسرائيلية على خلاف ما يحدث في كل الديمقراطيات الغربية التي تعد (إسرائيل) نفسها إحداهن.
ورغم أن الأصل في العمل السياسي المرونة والبراغماتية والتحوّر والتكيّف خلافاً للعمل العـшـكري الذي يميزه الصرامة والانضباط ووحدة الفهم ورسوخ العقيدة العـшـكرية، الأمر الذي يشير إلى توقع فشل العـшـكري في التأقلم مع الحياة السياسية وعدم القدرة على التكيف معها إلا أن ذلك لم يحدث في دولة الاحتلال وربما إن أردنا الدقة فإن الذي تكيَّف هو الوسط الذي يعملون فيه وبقوا هم على طبيعتهم العـшـكرية التي امتازوا بها ولذلك نجد القادة العـшـكريين مالوا للعمل السياسي بعد تقاعدهم رغبة في استمرار وجودهم في الحياة العامة خاصة وأن لديهم " حسب فهمهم" سيرة عسكرية تمهد لهم الطريق لتبوء مكانة سياسية بارزة.
ولذلك ليس غريباً أن نرى كل هذا المقدار من الوحشية في أداء هؤلاء المجرمون في التعامل مع الأحداث السياسية وهي اللغة التي لا يفهمون سواها، ولقد زادهم غطرسة وهمجية وجود محيط عربي مسالم وإن شئت متواطئ وموقف دولي منافق جرأهم على الاستمرار في غيهم، كل ذلك جعل من العمل السياسي تجارة رائجة للجنرالات فهم يتبوؤون قيادة دولة حققت مستويات متقدمة على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والعـшـكري محاطون بتأييد شعبي واسع وإسناد دولي غير مسبوق ناهيك عن المزايا الشخصية التي يوفرها الموقع السياسي.
المشهد الصـמـيوني يشير بأن القيادة الصـמـيونية تفتقد إلى الحنكة السياسية التي لا تتأتى إلا من خلال تجربة طويلة في دهاليز العمل السياسي وتلك ميزة كان يتمتع بها القادة الأوائل لدولة الاحتلال أو ما يعرف لديهم "بالآباء المؤسسين"، وأظن أن تشبع القيادة السياسية للإحتلال بالجنرالات سيفقد الاحتلال في المستقبل القدرة على المرونة في التعامل مع التحولات الدولية المستقبلية التي يشهدها العالم خصوصاً في مسألة تعدد الأقطاب.
وهذا الأمر يبدو جلياً في المواقف (الإسرائيلية) على الصعيد الدولي، إذ تظهر بوضوح قلة الخبرة وعدم الحنكة والافتقار إلى المهارة السياسية في التعامل مع الاحداث الدولية، الأمر الذي أدى إلى تصدع علاقات تاريخية مع قوى عظمى قد يكون لها أثر بالغ على الاحتلال خلال الفترة المقبلة.
كل ما سبق أدى إلى اضطراب المشهد السياسي لدى الاحتلال خلال السنوات الأخيرة وعدم استقرار الحكومات واللجوء إلى الانتخابات المتكررة التي تعيد رسم نفس المشهد السابق، وهو ما يؤذن بانهيار مستقبلي في حال استمرار المشهد السياسي لدى الاحتلال على ما هو عليه رغم مظاهر القوة التي يحاول القادة الصـהـاينة إظهارها.
غزة في 17/8/2022م
[١١:٢٨ ص، ٢٠٢٢/٨/١٧] 44: تعالي خديها
[١٢:٣٧ م، ٢٠٢٢/٨/١٧] 44: لماذا يخوض جنرالات العدو غمار السياسة؟
بقلم المستشار/ أسامة سعد
يُعرف مصطلح النزعة العسكرية بأنه "اعتقاد أو رغبة حكومة أو شعب ما أن على الدولة الاحتفاظ بقدرة عسكرية قوية واستخدامها بعدوانية لتحقيق مصالح الأمة".
هذه النزعة العسكرية تُفضى إلى الشعور غالباً بتفوق رجال الجيش على من هم سواهم من القادة ومن ثم توليهم دفة العمل السياسي وقيادة الدولة.
ربما لا يوجد دولة على وجه الأرض لديها نزعة عسكرية بالقدر الموجود لدى "إسرائيل" تلك الدولة" التي ولدت من عقدة الخوف التي سيطرت على وجدان الشعب اليهودي بسبب ما لحق بهم من اضطهاد مسيحي أوروبي بلغ ذروته إبان الحرب العالمية الثانية على يد القوات النازية، بغض النظر عن المبالغات التي يدعيها اليهود طلباً للدعم الأوربي كتعويض عما اقترفوه بحق اليهود من جرائم وما صاحبه مصلحة غربية بوجود كيان يمثل اليهود وغلف كل ذلك بنفاق دولي بدأ بما عُرف بوعد بلفور حتى صدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين إحداهما للعرب والأخرى لليهود عام 1947م وهو القرار الذي عُرف بقرار التقسيم رقم 181.
(إسرائيل) التي أوجدها قرار أممى بقيت دولة بلا جذور كنبتة ضارة في أرض طيبة مآلها الاجتثاث كمآل أي نبتة ضارة، كان لا بد لهذه "الدولة" أن تحمي نفسها من الاجتثاث فعمدت إلى تعظيم قوتها العسكرية بما لا يناسب البتة مساحة الأرض التي أقُيمت عليها أو عدد سكانها، ولذلك كان عماد وجودها قوة عسكرية متكئة على نزعة عسكرية شديدة رغم الادعاء بمدنية الدولة.
كل ما سبق جعل الشعب الصهيوني شديد الميل إلى اختيار القادة السياسيين من الجنرالات السابقين في تقليد طغى على الحياة السياسية الإسرائيلية على خلاف ما يحدث في كل الديمقراطيات الغربية التي تعد (إسرائيل) نفسها إحداهن.
ورغم أن الأصل في العمل السياسي المرونة والبراغماتية والتحوّر والتكيّف خلافاً للعمل العسكري الذي يميزه الصرامة والانضباط ووحدة الفهم ورسوخ العقيدة العسكرية، الأمر الذي يشير إلى توقع فشل العسكري في التأقلم مع الحياة السياسية وعدم القدرة على التكيف معها إلا أن ذلك لم يحدث في دولة الاحتلال وربما إن أردنا الدقة فإن الذي تكيَّف هو الوسط الذي يعملون فيه وبقوا هم على طبيعتهم العسكرية التي امتازوا بها ولذلك نجد القادة العسكريين مالوا للعمل السياسي بعد تقاعدهم رغبة في استمرار وجودهم في الحياة العامة خاصة وأن لديهم " حسب فهمهم" سيرة عسكرية تمهد لهم الطريق لتبوء مكانة سياسية بارزة.
ولذلك ليس غريباً أن نرى كل هذا المقدار من الوحشية في أداء هؤلاء المجرمون في التعامل مع الأحداث السياسية وهي اللغة التي لا يفهمون سواها، ولقد زادهم غطرسة وهمجية وجود محيط عربي مسالم وإن شئت متواطئ وموقف دولي منافق جرأهم على الاستمرار في غيهم، كل ذلك جعل من العمل السياسي تجارة رائجة للجنرالات فهم يتبوؤون قيادة دولة حققت مستويات متقدمة على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري محاطون بتأييد شعبي واسع وإسناد دولي غير مسبوق ناهيك عن المزايا الشخصية التي يوفرها الموقع السياسي.
المشهد الصهيوني يشير بأن القيادة الصهيونية تفتقد إلى الحنكة السياسية التي لا تتأتى إلا من خلال تجربة طويلة في دهاليز العمل السياسي وتلك ميزة كان يتمتع بها القادة الأوائل لدولة الاحتلال أو ما يعرف لديهم "بالآباء المؤسسين"، وأظن أن تشبع القيادة السياسية للاحتلال بالجنرالات سيفقد الاحتلال في المستقبل القدرة على المرونة في التعامل مع التحولات الدولية المستقبلية التي يشهدها العالم خصوصاً في مسألة تعدد الأقطاب.
وهذا الأمر يبدو جلياً في المواقف (الإسرائيلية) على الصعيد الدولي، إذ تظهر بوضوح قلة الخبرة وعدم الحنكة والافتقار إلى المهارة السياسية في التعامل مع الأحداث الدولية، الأمر الذي أدى إلى تصدع علاقات تاريخية مع قوى عظمى قد يكون لها أثر بالغ على الاحتلال خلال الفترة المقبلة.
كل ما سبق أدى إلى اضطراب المشهد السياسي لدى الاحتلال خلال السنوات الأخيرة وعدم استقرار الحكومات واللجوء إلى الانتخابات المتكررة التي تعيد رسم نفس المشهد السابق، وهو ما يؤذن بانهيار مستقبلي في حال استمرار المشهد السياسي لدى الاحتلال على ما هو عليه رغم مظاهر القوة التي يحاول القادة الصهاينة إظهارها.
|
| 56 |
لماذا لا ترفع المقاومة سقف مطالبها؟ |
<p><br />
خمس جولات من القتال خاضتها المقاومة مع العدو الصهيوني فضلاً عن عمليات تصعيد تخللت هذه الجولات الخمس، صحيح أن المقاومة تقدمت في كل جولة وحققت نقاط قوة وفرضت قواعد اشتباك وكسرت محرمات كان يظنها العدو يوماً أنها لا تكسر مثلما كان يعتقد أن جيشه لا يقهر فقهرته المقاومة، ووصل الحال بالمقاومة إلى حد قصف عاصمة الإحتلال التي كان يعتبرها حرماً مصوناً وجعلت من الجبهة الداخلية للعدو أضحوكة بعد أن كانت أكثر الجهات أمناً واستقراراً في كل الحروب التي خاضها العدو ضد الدول العربية، فلقد كان يسمع المستوطنون بأخبار الحروب التي يخوضها جيشهم "الذي لا يقهر" على الأرض العربية فيدمر ويحرق ويقتل والمدن الصهيونية آمنة تماماً يلهو سكانها في المقاهي والشواطئ والنوادي الليلية إلى أن أخذت المقاومة الفلسطينية زمام المبادرة فجعلت من دخول الملاجئ والبقاء فيها لأيام حركة اعتيادية للشارع الصهيوني وجعلت صفارات الإنذار طنيناً مرعباً لا يكاد يفارق آذن المستوطنين، بل لقد شلت المقاومة مطارات وموانئ العدو وجعلت من مدنه مدن أشباح، كل ذلك صحيح ولم يعد العدو قادراً على إنكاره خصوصاً بعد أن وثقته كاميرات التلفزة العالمية وبثته وسائل الإعلام بشكل مباشر لمتابعيها.<br />
إذن لقد حققت المقاومة تقدماً كبيراً في فرض قواعد اشتباك واضحة مع العدو وجعلته يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على أي حماقة ضد الشعب الفلسطيني، ولقد توجت معركة سيف القدس قواعد الاشتباك تلك مع العدو حينما فرضت معادلة جديدة وهي معادلة وحدة الوطن والشعب حينما تصدت المقاومة لعربدة المستوطنين في القدس والشيخ جراح ثم جاءت الحرب الأخيرة بين العدو وحركة الجهاد لتؤكد هذه المعادلة.<br />
إلا أن كل ما سبق لا يفترض أن يُغَيّب عن نواظرنا حقيقة أن أياً من المعارك التي خاضتها المقاومة لم تفض إلى حل سياسي يؤسس لمرحلة جديدة تنقل الشعب من مرحلة أوسلو التي مازال عالقاً فيها منذ حوالي ثلاثين عاماً وهي مرحلة يهدف العدو الى استمرارها لأطول فترة ممكنة.<br />
أعتقد أن المقاومة بعد كل هذه التجارب مع العدو عليها أن تعيد حسابتها جيداً وأن تبدأ في الإعداد لمرحلة كفاحية جديدة تخرج فيها من جمود دائرة الفعل الميداني المقاوم باتجاه ربطها بدائرة الفعل السياسي، بمعنى أن أي معركة ستخوضها المقاومة في المستقبل أو ستفرض عليها ينبغي أن تفضي إلى اتفاق سياسي ليس أقل من رفع الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة، ورفع يد الاحتلال عن الضفة الغربية وأظن أن هذا الهدف يتوق لتحقيقه الشعب الفلسطيني، فإذا أحتضن شعبناً المقاومة وهي تدافع عن القدس والشيخ جراح سيكون أكثر التفافاً وصموداً واستعداداً للتضحية من أجل تحقيق السيادة برفع الحصار الذي نحت المنظومة الحياتية والمعيشية لأهل غزة حتى كاد يصل العظم منها.<br />
امتعضتُ كثيراً وأنا أشاهد مذيع الجزيرة يسأل الصديق حسام الدجني لماذا تُعْتَبر بديهيات الحياة حلماً لأهل غزة؟ لماذا لا يكون لأهل غزة مطار وميناء مثل باقِي شعوب العالم؟؟ <br />
وتساءلت في نفسي ألم يأن للمقاومة التي أشعلت حرباً من أجل أسيرين أن تشعل حرباً لأجل القضية الوطنية الكبرى وهي تحقيق سيادة الشعب الفلسطيني على أرضه؟ ألم يحن الوقت أن يرفع الحصار عن قطاع غزة الذي يذل مواطنوه يومياً على المعابر حتى أصبح الذل جزء من حياة المواطنين؟ وهل يليق بأهل غزة الذين علموا العالم الصمود والفداء أن يعاملوا بطريقة أقل ما يقال فيها أن حاطّة بالكرامة الإنسانية، وهل من المنطق أن تخوض المقاومة خمس جولات قتال ثم تبقى الضفة الغربية مسرح لاعتداءات المستوطنين؟ وهل يجوز أن تبقى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مستباحة ليل نهار من قبل قوات الاحتلال؟، إذن لابد ان يكون للمقاومة كلمة واحدة ونهائية وأن تكون معركتها القادمة مع العدو تحمل عنوان رفع الحصار وكنس الاحتلال، ولذلك أظن أن الحكمة تقتضي ألا تقدم المقاومة على خوض أي جولات قتال جديدة مع العدو إلا إذا كانت بسقف تحقيق السيادة، فلم يعد في الوعاء الوطني متسع لجولات القتال التي يصمد فيها شعبنا وتبلي فيها المقاومة بلاءً عظيماً ثم تنتهي الحرب بمقولة "لقد لقنا العدو درساً لن ينساه"، فالعدو لن ينفك عن ممارسة اعتداءاته وسيبقى متحكماً في تفاصيل حياتنا ومبقياً عليها بين خط الحياة والموت، وإذا لم تكسر المقاومة هذه الحلقة فلن يكون مقنعاً لشبعنا بعد اليوم أداءً قتالياً عالياً وتضحية غالية وصموداً أسطورياً بلا ثمن يلمسه شعبنا أمناً وحرية وسيادة</p>
|
| 57 |
هل إلى خروج من سبيل؟ |
<p> </p>
<p>استحمكت واستغلقت الحالة الفلسطينية واستدارت الأزمة كسوار فولاذي حول معصمي الشعب الفلسطيني فكبلته على نحو يمنع حركته وديناميكتيه التي عُرف بها إلا من بعض المبادرات والاعتصامات التي مازالت تتولى تترى وكأنها ضربات مطرقة من خشب على صخرة صماء لا تكاد تحدث أثراً مرجوّاً.</p>
<p>المبادرات والاعتصامات التي تتوالى من شخصيات ونقابات أحسبها تتجاوز فكرة المبادرات والاعتصامات فتصل إلى حد الإستغاثات والمناشدات للخروج من الوضع المزرى بالغ السوء الذي وصلت إليه الحالة الفلسطينية ولسان حالها يقول بلهجة يائسة هل إلى خروج من سبيل؟</p>
<p>إلاّ أن ردّاً ولو عابراً لم يلامس أسماع من يطلقون المبادرات أو يعتصمون أو يشجبون أو يستنكرون وكأنها مأساة إغريقية يعيش فصولها الشعب الفلسطيني بلا نهاية.</p>
<p>من أبأس مشاهد تلك المأساة أن القيادة الفلسطينية التي تصم آذانها عن أي مبادرات أو دعوات أو اعتصامات تدعو للخروج من الأزمة تراها تنفتح بشكل مثير للشفقة على كل شاردة وواردة تأتيها من خارج البيت الفلسطيني فتصغى وتهتم وتدرس بعمق وعناية، بل وتبرر وتحور وتحسن الظن بكل ما يأتيها من خارج دائرة الفعل الفلسطيني، وبالمقابل لا تكاد تصدر أي رد فعل على الصدمات المتتالية التي تتلقاها، فمثلاً لم يلحظ الشعب الفلسطيني أي رد فعل على إعتبار الرئيس الأمريكي بايدن – الذي يؤمن بحل الدولتين- أن حل الدولتين أصبح بعيد المنال، هذا الحل الذي هو عماد البرنامج السياسي لمنظمة التحرير والذي من دونه يصبح أي فعل فلسطيني رسمي باتجاه هذا الحل نوع من العبث السياسي الذي لا طائل منه، بل إن بعض القيادات الفلسطينية المتنفذة أشادت بالزيارة واعتبرتها إختراقاً مهماً في الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية.</p>
<p>كذلك لم يلحظ الشعب الفلسطيني أي رد فعل يذكر على سرقة المال الفلسطيني الشحيح أصلاً من قبل الاحتلال حيث صادر من أموال المقاصة 600 مليون شيكل باعتبارها- حسب زعمه صرفت على الإرهاب- رغم التزام السلطة الفلسطينية التزاماً تاماً بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، ولم يجابه هذا التصرف سوى ببعض العبارات المنمقة والمدروسة بعناية حتى لا تثير غضب الاحتلال.</p>
<p>وأيضاً لم يلحظ الشعب الفلسطيني أي رد فعل على عمليات الاقتحام المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية وإغتيال وإعتقال أبناء الشعب الفلسطيني من قبل قوات الاحتلال والتي كان آخرها اعتقال الشيخ بسام السعدي بذلك الشكل المهين دونما أي إعتبار لوجود شيء يسمى "سلطة فلسطينية" تمتلك أجهزة أمنية يفترض أنها أنشئت لحماية الشعب الفلسطيني ويخصص لها ما يزيد على 20% من الموازنة السنوية التي بلغت نسبة العجز فيها حوالي 558 مليون دولار.</p>
<p>والأمثلة على تناقض مسارات القيادة الفلسطينية مع توجهات الشعب الفلسطيني بنخبه ومثقفيه وفصائله كثيرة، ومع ذلك كان شعبنا يأمل بأن تتوقف القيادة الفلسطينية عن المضي قدماً في مشروعها الذي استنزف الشعب الفلسطيني منذ ثلاثين عاماً عندما نفضت الإدارة الأمريكية الديمقراطية " المعول عليها فلسطينياً" ممثلة بالرئيس بايدن يدها بوضوح من حل الدولتين فأصبح في عرفها بعيد المنال، وكان يأمل شعبنا أن تعود القيادة الفلسطينية للعمل بقرارات المجلس المركزي ومقررات مؤتمر بيروت الذي جمع الأمناء العامين للفصائل تلك القرارات التي حظيت بإجماع الشعب الفلسطيني، ولكن يبدو أن العلاقة مع الاحتلال أسكرت القيادة الفلسطينية ويبدو أن حالة السكر هذه قد تحولت لحالة إدمان لا تجد القيادة الفلسطينية للبعد عنه سبيلاً.</p>
<p>جملة القول لم يعد للمبادرات والاعتصامات والمناشدات قيمة في ظل وجود القيادة الفلسطينية الحالية ومثلنا نحن الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية يجسده قول الشاعر عمرو بن معد الزبيدي</p>
<p>لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي</p>
<p>ولو نارً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد</p>
|
| 58 |
الاستفتاء في تونس بين الشكل والمضمون |
<p>تصور أن يعقد أحدهم مؤتمراً علمياً ليناقش مسألة عليمة دقيقة ويدعو لذلك مائة عالم بعد أن جهز القاعة ووسائل الإعلام والضيافة اللازمة، ثم يبدأ المؤتمر فلا يحضره إلا عشرون عالماً ممن يتبنون رأياً واحداً في المسألة التي سيناقشها المؤتمر، ورغم ذلك يصدر بيان المؤتمر بأن المؤتمرون قد ناقشوا المسألة محل الخلاف وأصدروا رأيهم بالأغلبية فيها بالموافقة على الرأي الذي تبناه من عقد المؤتمر. <br />
لا شك بأن أي عاقل سيقول إن هذا تدليس وليس حقيقة، رغم أن شكل المؤتمر كان أنيقاً وكل الاحتياجات اللوجستية كانت معدة على أكمل وجه ونقلت وسائل الإعلام وقائع ذلك المؤتمر، إلاّ أن مضمون المؤتمر لم يكن له أي تأثير وذلك بسبب عدم حضور العدد الأكبر من العلماء المراد سماع آراءهم.<br />
هذه ببساطة فكرة الشكل والمضمون في القانون تلك الفكرة التي تتلخص بأن الشكل والمضمون يجب أن يتوافرا كي يكون الإجراء صحيحاً وإلا إعتراه البطلان.<br />
ما حدث في استفتاء تونس هو ببساطة انعقاد شكل الاستيفاء دون مضمونه وذلك بوجود هيئة انتخابات وصناديق ومراقبين وأوراق انتخابية لكن دون أن يكون هناك ناخبين، لأن مضمون عملية الاستفتاء هي معرفة رأي الشعب المستفتى فيما هو معروض عليه، فإن لم يكن الشعب أو الأغلبية المعتبرة على الأقل حاضرة للإدلاء برأيها فلا قيمة لهذا الاستفتاء ويبقى عبارة عن شكل دون مضمون.<br />
الرئيس التونسي قيس سعيد كأستاذ في القانون الدستوري يعلم هذه القاعدة جيداً، ولكن رغم ذلك احتفل هو وأنصاره بما اعتبروه نصراً لهم في الاستفتاء الذي لم يحضره إلا حوالي 25% من الناخبين، ويبدو أن من حضر هي الشريحة المؤيدة لقيس سعيد وغابت الغالبية التي استجابت لدعوة المعارضة بالمقاطعة.<br />
قيس سعيد اعتمد على شكل الاستفتاء في الاحتفال بما سماه انتصار وهو يعلم أن البطلان يعتري هذا الاستيفاء لغياب غالبية الشعب التونسي الذي نادى كثيراً جداً قيس سعيد بأنه مصدر السلطات.<br />
فأي سلطة يمكن أن تمنح من 25% من الشعب التونسي فيما يدار الظهر ل 75% ومن يمثل مصدر السلطات هنا؟<br />
الأمر الذي يطرق بقوة الأذهان والأفهام أحقاً هذه الوسيلة " الاستفتاء" عبرت عن نبض الشعب التونسي؟ والجواب هو لا، فلماذا يُقدم أستاذ في القانون الدستوري على مثل هذه الخطوة التي تعتبر خروجاً على أبسط القيم الدستورية التي تعلي دائماً من شأن الشعب وتضع ما دون ذلك تحت قدميه، فإذا كانت سيادة للشعب أفلا يكون مثل هذا الاستفتاء قد غطى جريمة سرقة سيادة الشعب التونسي الذي سُرقت سيادته وهو غائب؟ ولماذا تنتزع السلطات من الشعب رغماً عنه ثم يُدَّعى أن الشعب مصدر السلطات.<br />
محاولات التدليس والتزييف لإرادة الشعوب من خلال صور باهتة وأشكال جامدة بلا روح أو مضمون هي لعبة مكشوفة مارستها الأنظمة الدكتاتورية لعقود طويلة زيفت من خلالها إرادة الشعوب ومنحت نفسها حق حكمه وإذلاله، ولكنها على الأقل كانت تدعى أن نسبة نجاحها في الاستفتاءات تتجاوز 99.9 بالمائة وذات مرة وصلت النسبة في استفتاءات أحد الأنظمة إلى 100%، ورغم أنها كانت محاولات سمجة لتزوير إرادة الناخبين إلا أنها كانت تسعى إلى إكمال المشهد المزيف حتى نهايته، إلا أن قيس سعيد قد تجاوز في مصادرة إرادة الشعب التونسي تلك الأنظمة، ولم يأبه حتى لإكمال المشهد بذات الطريقة وإنما اعتبر بكل صلف أن ال 25% الذين ذهبوا للاستفتاء هم الشعب التونسي وأن الشعب التونسي وافق على دستوره الذي صنعه على عينه، بعد أن ضرب بعرض الحائط مشروع الدستور الذي وضعته اللجنة التي كلفها بنفسه لصياغته وغير وبدل فيه بإرادته الشخصية، الأمر الذي دفع رئيس لجنة صياغة مشروع الدستور للإعلان أن النسخة التي قدمتها اللجنة لقيس سعيد ليست هي النسخة التي أُعلنت للشعب التونسي.<br />
قيس سعيد يمارس الدكتاتورية بثوب جديد غير معهود للشعوب، فهو يمارس الدكتاتورية من خلال تغيير المفاهيم الثابتة والراسخة للقواعد والقيم والأعراف الدستورية المستقرة، فأصبح في عرف قيس سعيد الحكم للأقلية وليس للأكثرية وأصبحت السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية مجرد وظائف يتحكم فيها الرئيس، وأصبح الرئيس آلهة خارج نطاق المساءلة.<br />
بمثل هذه المفاهيم المشوهة يسعى قيس سعيد لحكم تونس التي أطلقت ثورة في 2011 سميت ثورة الياسمين فعبق شذاها ليعم العالم العربي بأسره.<br />
رائحة الياسمين التي انتشرت من تونس أزكمت أنوف الطغاة فحاربوها ونجحو في ذلك إلى حين فسادت رائحة الدم والبارد</p>
<p>الشعب التونسي أراد الحياة يوماً فاستجاب له القدر، فهل يخبو شذا الياسمين في تونس أم أن للشعب التونسي رأي آخر؟</p>
|
| 59 |
تطور الموقف الخليجي وتراجع الموقف الفلسطيني في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية |
<p><br />
وصفت العلاقات الخليجية الأمريكية دائماً بأنها علاقات إستراتيجية قائمة في الأساس على مصالح حيوية لا غنى لطرفيي العلاقة عنها، فالولايات المتحدة معنية بالمنطقة لحاجتها الماسة للنفط والغاز العربي إضافة لأهمية المنطقة الحيوسياسية للولايات المتحدة حيث تحكمها في أهم المضائق العالمية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية، وبالمقابل فدول الخليج بحاجة ماسة إلى قوة عظمى تمتلك القدرة على حمايتها وتوفير الأمن للمنطقة التي هي بلا شك محط أنظار العالم كله، وعلى هذا الأساس تطورت العلاقات الخليجية الأمريكية إلى أن وصلت لذروة تطورها في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي وكانت لحظة الاختبار الحقيقية لمدى فاعلية هذه العلاقة عند غزو العراق للكويت، ولقد كان للولايات المتحدة أداءً مقنعاً للغاية لدول الخليج في هذه الحرب إذ أرسلت الولايات المتحدة عشرات الألاف من قواتها للدفاع عن المنطقة ضد القوات العراقية وتحرير الكويت ولقد كان لها ما أرادت، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في تعزيز ثقة الدول الخليجية بالولايات المتحدة وهو الأمر الذي دفع هذه الدول وبعض الدول العربية للضغط على الفلسطينيين من أجل الدخول في عملية سلام مع (إسرائيل) التي لم تكن تحظى بأي قبول في المنطقة قبل حرب الخليج الثانية، طبعاً لم تكن الرغبة الخليجية بعيدة كثيراً عن عوامل داخلية فلسطينية ساهمت في تسريع وتيرة العمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ترعاه الولايات المتحدة بشكل أساسي يقوم على أساس مبدأ حل الدولتين وفقاً للقرار 242 على قاعدة الأرض مقابل السلام، إلا أن الرياح الإسرائيلية لم تأت بما تشتهيه السفن العربية، فتعثرت "مسيرة السلام" ولم تفض إلى الأمل المنشود بإنشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 67 في العام 1999م وفقاً لما كان مخططاً له في اتفاق أوسلو، الأمر الذي أدى لخروج الأمور عن السيطرة واندلاع انتفاضة الأقصى وما تبعها من محاصرة الراحل ياسر عرفات ثم انتهاء هذا الحصار بإغتياله بالسم.<br />
الإدارة الأمريكية جددت تعهدها بإقامة دولة فلسطينية على لسان الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن وذلك في سياق إعداده لغزو العراق عام 2003م وتعهد بأن يكون سقف هذا الوعد عام 2009م، ولقد تم غزو العراق بمباركة خليجية وتم تغيير نظام حكم الرئيس الراحل صدام حسين ليقع العراق في رحى الحرب الأهلية الطائفية التي لم تغادره أثارها حتى هذه اللحظة، ويمر عام 2009 دون إنجاز الوعد الأمريكي الذي أكدت عليه إدارة أوباما دون أن تمارس عملياً أي نوع من الضغوط على (إسرائيل) لتحقيقه، بل ركزت مجهودها لترتيب أوراقها في الملف الإيراني الذي أفضى إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي زعزع ثقة الخليج بالحماية الأمريكية لصالح ترتيب العلاقات مع إيران، وتنقضي ولاية أوباما ليأتي الرئيس الأمريكي السابق ترامب برؤيته الخاصة في إدارة المشهد في المنطقة فينقض الإتفاق مع إيران الأمر الذي أسعد دول الخليج و(إسرائيل) بالطبع، وبالتزامن يعلن عن رؤيته لحل القضية الفلسطينية بالتنكر التام للحقوق الفلسطينية التي دأبت الإدارات السابقة على الإلتزام بها ويعلن عن صفقة القرن التي تماهت معها دول الخليج وحاولت إقتناع الرئيس أبو مازن بالموافقة عليها، إلا أن مجهوداتها لم تفلح في ذلك فذهبت للتطبيع مع (إسرائيل) دون انتظار للموقف الفلسطيني ويستمر قطار التطبيع في السير ليشمل عدة دول عربية وكانت كل عملية تطبيع عبارة عن صفقة يعقدها الرئيس الأمريكي مع الدولة المطبعة تحصل بموجبها الدولة المطبعة على هدية أمريكية، إلا أن إدارة ترامب وخلافاً للسياسة الأمريكية التقليدية في المنطقة جعل من الحماية الأمريكية أيضاً صفقة تجارية تقوم على أساس الحماية مقابل المال وعلى هذا الأساس حصل على مبلغ خرافي لم يسجل تاريخياً في تاريخ أي إدارة سابقة حيث دفعت السعودية مبلغ 450 مليار دولار مقابل الحماية، ولكن تفاجأت دول الخليج بإنسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في عهد بايدن بشكل زعزع ثقة الخليجيين بهذه الحماية وكذلك إنسحاب آخر من العراق لتهيمن على المشهد السياسي فيه القوى الموالية لإيران، ثم كانت ثالثة الأثافي اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية لتقف الولايات المتحدة عاجزة عن ردع روسيا من شن هذه الحرب رغم حزمة العقوبات الغير مسبوقة التي فرضت علي تلك الاخيرة فتتعزز قناعات دول الخليج بتراجع دور الولايات المتحدة لصالح قطب أو أقطاب دولية جديدة تفرض نفسها على المشهد العالمي، وتشكل ما يشبه الجبهة المناوءة للولايات المتحدة تشمل روسيا والصين وإيران الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للسعي إلى شد وثاق علاقاتها السابقة بحلفائها فكانت زيارة الرئيس بايدن للمنطقة بهدف ترتيب أوراق الولايات المتحدة، إلا نتائج الزيارة تشير إلى أن تحرك الولايات المتحدة قد جاء متأخراً ولذلك لم يحصل الرئيس بايدن على أي من طلباته من دول الخليج بإستثناء السماح للطائرات الإسرائيلية بالمرور في الأجواء السعودية مع التأكيد من الجانب السعودي أن هذا لا يعد تطبيعا، ًوفي ذات السياق رفضت دول الخليج إنشاء فيتو عربي أو زيادة تدفقات الطاقة لتعويض النقص الناجم بسبب الحرب الروسية الأوكرانية والتأكيد من قبل كافة القيادات العربية في اجتماع جدة على الحقوق العربية الفلسطينية المتمثلة بحل الدولتين الذي وصفه الرئيس بايدن بأنه بعيد المنال.<br />
لا شك أن الموقف الخليجي تطور باتجاه تحقيق مصالح الخليج تطور باتجاه تحقيق مصالح الخليج أولاً قبل أي شيء وهذه المصالح تقتضي ألا يوضع كل البيض في السلة الامريكية ولذلك فشلت زيارة بايدن. <br />
أما الموقف الفلسطيني فلم يكن بمستوى تطور الموقف الخليجي بل لم يحافظ على ثباته فتراجع حين لم يتخذ الرئيس أبو مازن أي موقف كرد على إعتبار الرئيس بايدن لحل الدولتين أنه بعيد المنال، بل لقد صرح حسين الشيخ أن نقض الاتفاق مع (إسرائيل) التي ترفض حل الدولتين الذي بنى عليه اتفاق أوسلو سيضع الفلسطينيين في موقف أسوء، لم يدرك حسين الشيخ أن حل الدولتين أصبح بعيد المنال بسبب السياسات التي اتبعها الرئيس عباس منذ ولايته بإلقاء كل أوراقه على الطاولة الإسرائيلية، وذهب بعيداً باتجاه التشبث بالعلاقة بالاحتلال رغم تنكر الاحتلال لأبسط الحقوق الفلسطينية، ولم تدرك القيادة الفلسطينية أن ما دفع (إسرائيل) قبل ثلاثين عاماً تقريباً للموافقة على حل الدولتين كان مقابل وقف منظمة التحرير للكفاح المسلح والاعتراف (بإسرائيل)، وهي الغنيمة التي حصلت عليها دون دفع الثمن وهو الدولة الفلسطينية، التي أُجلت لما سمي بالحل النهائي ثم ماطلت (إسرائيل) في المواقفة على إقامتها حتى مضى الزمن وأصبح الثمن الذي قبضته (إسرائيل) مقدماً بالاعتراف حقاً لها مكتسباً مقابل حق مؤجل تبدد وتلاشى بمرور الزمن إلى أن أصبح بعيد المنال. <br />
وكان يفترض أن تُقْدم القيادة الفلسطينية على إعادة التموضع من جديد كما فعلت دول الخليج بما يحقق المصالح الفلسطينية لكنها لم تفعل حتى الساعة، وكأنها تخشى من الإعتراف بفشلها مخافة أن تتحمل مسؤولية ضياع ثلاثين عاماً من عمر الشعب الفلسطيني بلا جدوى.<br />
الموقف الفلسطيني الرسمي أصبح عبئاً على الحق الفلسطيني والشعب الفلسطيني أصبح أسيراً المحبسين لضعف القيادة الرسمية من جهة والإنقسام الداخلي من جهة أخرى</p>
|
| 60 |
شرين أبو عاقلة وتوت عنخ آمون من القاتل؟ |
<p><br />
"إن مجلس الأمن الأمريكي بعد تحليل جنائي" مفصل للغاية"، لم يتمكن من التوصل إلى نتيجة نهائية فيما يتعلق بأصل الرصاصة التي قتلت الصحفية الأمريكية شيرين أبو عاقلة.<br />
ما سبق هو بيان الخارجية الأمريكية حول التحقيق الذي أجراه مجلس الأمن الأمريكي بعد تسلمه الرصاصة القاتلة التي استخرجت من رأس الصحيفة المغدورة شرين أبو عاقلة.<br />
ومن دواعي الاستهجان الشديد أن بيان الخارجية الأمريكية قد ذكر أن خبراء المقذوفات خلصوا إلى أن الرصاصة أصيبت بأضرار بالغة ما حال دون التوصل إلى نتيجة واضحة! طبعاً يعلم جيداً خبراء التحقيق الأمريكيون وعلى وجه الخصوص خبراء الأسلحة والذخائر أن التعرف إلى الرصاصة ونوعيتها ومواصفاتها ستدل حتماً على السلاح الذي أطلقت منه تحديداً -وليس نوعه فقط- ومن ثم التعرف على شخصية القناص الإسرائيلي ومن ثم رؤسائه في العمل وطبيعة الأوامر التي تلقاها، الأمر الذي سيساعد الادعاء العام في تكييف الجريمة بشكل سلس وسهولة نسبة الجريمة لمرتكبيها، وهذا ما تتقنه أجهزة التحقيق في البلدان الأقل كثيراً في خبرات التحقيق من الولايات المتحدة.<br />
ما يثير الإستغراب والإستهجان حقاً أن سلطات التحقيق الأمريكية لفرط براعتها في التحقيق وكشف الألغاز الأشد تعقيداً في تاريخ الجريمة، استطاعت التوصل إلى فك طلاسم جريمة مضى على إرتكابها حوالي ثلاثة آلاف عام، وهي جريمة قتل الفرعون المصري "توت عنخ آمون" الذي تولى الحكم عام 1354 قبل الميلاد وتوفى عن عمر يناهز 18 عاماً بشكل غامض، ذلك الفرعون الذي اكتشفت مقبرته عام 1922 وتعد ومومياؤه الأشهر بين الآثار المصرية.<br />
تقول الرواية التاريخية أن "نفرتيتي" ملكة مصر في تلك الحقبة الغابرة من التاريخ رغبت في تولي "توت عنخ آمون" الحكم عقب وفاة والده الفرعون أخناتون عام 1353 قبل الميلاد، إلا أن قائد الجيوش الفرعونية وكان يدعى "حور محب" وكبير الكهنة أصرا على تولي شقيقه" سمنخ كارع" السلطة، فقامت الملكة "نفرتيتي" بقتل هذا الأخير وزوَّجت " توت عنخ آمون" لإبنتها "إخته غير الشقيقة" وولته السلطة ثم مات بعدها بشكل غامض ولم يبلغ بعد سن العشرين. <br />
في عام 2016م حضر إلى مصر ضابط أمريكي من FBI والتقى د. زاهر حواسي وزير الدولة لشؤن الآثار المصرية، وأكد ذلك الضابط الأمريكي لحواس أن لدى الـ FBI دليل قاطع على أن الملك توت عنخ آمون مات مقتولاً، وأن تحقيقات FBI أكدت أن أداة الجريمة كانت بلطة أحدث قطع خلف الرأس، أما عن الأشخاص المشبه بهم فهم "سمنج كارع" شقيق توت عنخ آمون مشتبه به أول وقائد الجيش "حور محب" مشتبه به ثان وقد أكد الضابط الأمريكي لحواس أنه حضر إلى مصر ومعه ملف القضية كاملاً والأدلة التي تؤكد إغتيال الملك الفرعوني " توت عنخ آمون ".<br />
ما سبق من معلومات نشرتها جريدة الشرق الأوسط في عدد 14 يناير 2016 رقم العدد 13561، وقد عرضت قناة الجزيرة الوثائقية فيلماً وثائقيا حول هذا التحقيق المثير أجراه محققان من FBI يدعيان "مايك كينغ" "غريغ كوبير" وهنا يثور السؤال كيف لسلطات التحقيق الأمريكية التي تمتلك أكثر أجهزة المعامل الجنائية تطوراً على مستوى العالم وتستخدم آخر ما وصلت إليه تقنيات التكنولوجيا الحديثة تعجز عن التعامل مع رصاصة مستخرجة من جثة شرين أبو عاقلة في الوقت التي تستطيع هذه التقنيات الكشف عن جريمة مر على إرتكابها ثلاثة آلاف عام وتحدد وسيلة القتل المستخدمة فيها والمشتبه بهم؟؟؟<br />
لا شك أن الإجابة على هذا السؤال واضحة وهي الإجابة المعروفة عند الفلسطينيين ولا تحتاج إلى كثير بحث ألا وهي التواطؤ الأمريكي، هذا التواطؤ الذي تسبب في مآسٍ كثيرة للشعب الفلسطيني ووفر دائماً الغطاء لمجرمي الحرب الصهاينة للإفلات من العقاب.<br />
لقد كان واضحاً من السلوك الأمريكي منذ اللحظات الأولى لإرتكاب الجريمة أن الإدارة الأمريكية لن تذهب أبداً بإتجاه إدانة (إسرائيل) ذلك أنها أدانت الجريمة على لسان وزير خارجيتها بلنكن دون أن تدين الجاني، ولذرّ الرماد في العيون طالبت بتحقيق مستقل شرط ألَّا تحال الجريمة لمحكمة الجنايات الدولية!!، وكأن محكمة الجنايات الدولية جهة غير مستقلة أو أنها ربما متواطئة مع الفلسطينيين!!، رغم أننا كفلسطينيين لنا تحفظ شديد على أداء المدعي العام لهذه المحكمة السيد كريم خان الذي لم يحرك أي ساكن منذ توليه منصبه من حوالي عامين في الجرائم التي أحالتها دولة فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية منذ عام 2014 والتي قطعت زميلته السابقة فادو بن تسودا شوطاً مهما فيها وصلت لفتح تحقيق رسمي.<br />
الولايات المتحدة تخشى إحالة جريمة قتل شرين لمحكمة الجنايات الدولية وسعت بكل قوة إلى إجراء تحقيق بعيداً عن هذه المحكمة لتكون النتيجة وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً.<br />
وإن كنا قد تعودنا هذا الخذلان الأمريكي للقضايا الفلسطينية فإن اللوم يقع على عاتق السلطة الفلسطينية التي خضعت للضغط الأمريكي وسمحت من خلال "التعاون الفلسطيني الإسرائيلي الأمريكي" المشترك في التحقيق بأن تسير الأمور لتصل لهذا الموقف المشين، وكان يفترض بها أن تفي بوعدها الذي قطعه الرئيس عباس أمام جثمان الشهيدة شرين في المقاطعة حينما أكد في كلمة تأبينها على إحالة القضية لمحكمة الجنايات الدولية، ولكن يبدو أن الزيارة المرتقبة للرئيس بايدن للمنطقة جعلت من الوفاء بهذا الوعد عملاً متعذراً ويبدو أن أهمية زيارة بايدن للمقاطعة من وجهة نظر الرئيس عباس وفريقه أهم كثيراً من دماء شرين أبو عاقلة، فليست شرين في النهاية إلا رقم من عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين الذين نالت منهم آلة القتل الصهيونية.</p>
|
| 61 |
هل يلتقط العرب اللحظة التاريخية |
<p><br />
تختلف قدرات القادة حسب مواهبهم القيادية بدءاً من فهم التناقضات والتعقيدات والقدرة على تحليلها، وانتهاءً باستشراف مآلات الأحداث ومن ثم اتخاذ القرارات دون تردد في اللحظة التاريخية الحاسمة التي إن مرت سيصبح القرار بلا قيمة أو أثر، هذه القدرة القيادية قلما نجدها متوافرة في القادة الذين يميل معظمهم للرتابة في القيادة والتركيز على رسم السياسات المستوحاة من الدراسات التقليدية التي قد تحافظ على الاستقرار ولكنها لا تحدث أبداً قفزات نوعية في مصالح الدول التي يقودونها، ومن أهم ما يمكن أن يميز القادة قدرتهم على قراءة التحولات التاريخية وتغيُّر موازين القوى والقدرة على التموضع في المكان الصحيح في الوقت الدقيق الذي يصنع الفارق.<br />
وقد شهد العالم مثل هؤلاء القادة الاسثنائيين مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق ونسون تشرشل الذي قرأ معادلة موازين القوى إبان الحرب العالمية الثانية بدقة، فاستطاع أن يقنع الولايات المتحدة بالخروج من سياسة العزلة التي كانت قد انتهجتها لنفسها والبدء بتزويد أوروبا بالموارد اللوجستية لتعويض النقص الحاد فيها جراء الحرب لتتمكن من الصمود، ومن ثم اتخاذ قرار انزال القوات البريطانية على شاطئ النورمندي ليحدث الفارق وتكون بداية الهزيمة للقوات الألمانية، ويحسب أيضا للملك عبد العزيز ال سعود - رغم اختلافي الفكري مع ما ذهب إليه – من استغلال اللحظة التاريخية واستشراف هزيمة القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى والتحرك على هذا الأساس لتأسيس المملكة العربية السعودية، وكذلك يحسب للزعيم الصـמـيوني دافيد بن غوريون استغلال اللحظة التاريخية في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية واستخدام وعد بلفور لتأسيس "دولة إسرائيل" <br />
لا شك أن العالم اليوم يشهد تحولات سيكون لها أثرها على خارطة موازين القوى العالمية وملامح الصراع الكوني تتبلور شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت الذي يشي بإرهاصات هذا التحول.<br />
الصراع الدائر في شرق أوروبا يوظفه الروس لتغيير النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال تحالف يمتد من روسيا عبر إيران نحو الصين، هذا التحالف الهائل القدرات والإمكانات أصاب قادة أوروبا بالهلع فأخرج العديد من دول هذه القارة عن سياساتها بالحياد المستقرة منذ عقود لشعورها أن الوقت لا ينتظر والأحداث تتسارع، والإدارة الأمريكية التي قادت العالم منفردة لمدة ثلاثين عاماً تشعر أن قبضتها تتفلت عن عصا القيادة لذا تراها تسابق الزمن في جمع شتات قوتها وحشد حلفائها وتثبيت سيطرتها على مكامن القوة الكونية الجيوسياسية والاقتصادية وفي ذلك السياق تأتي زيارة الرئيس بايدن للمنطقة، وفي المقابل تُعيد بعض القوى الإقليمية تموضعها وفقاً لقراءتها لخريطة الأحداث فترسم علاقاتها وفقاً لمصالحها بعيداً عن الأبعاد الأيديولوجية أو المواقف الشعبوية، كل ذلك في محاولة منها لإيجاد موطئ قدم لها في المشهد العالمي المتشكل أو على أقل تقدير المحافظة على موقعها دون تراجع.<br />
وفي زحمة هذه الاحداث السياسية الكبرى لم نلمس أي رؤية عربية سواء أكانت جماعية أو فريديه لاستغلال اللحظة التاريخية للخروج من حالة الخضوع التام لسياسات الولايات المتحدة طوال الفترة السابقة، التي جعلت من القضايا العربية والقضية الفلسطينية على وجه التحديد أدنى سلم اهتماماتها ولم تنجز أي من وعودها للعرب، في حين أنها استغلت مواردهم وثرواتهم واعتصرتهم حتى آخر قطرة وتفننت في إذلالهم ففرضت الحصار على بعضهم تارة والتبعية المهينة على معظمهم تارة وشنت الحرب المدمرة على من حاول الخروج على هيمنتها تارة.<br />
صحيح أننا شهدنا مؤخراً بعضاً من التململ وإن شئتم قليلاً من التمرد على توجهات الإدارة الأمريكية خصوصاً في موضوع تعويض احتياجات أوروبا من الطاقة التي خلقتها الحرب الروسية الأوكرانية ولكن ليس بالحد الذي يمكن أن يقال عنه خروجاً عن السياسة الأمريكية.<br />
العرب الآن على مفترق طرق ولديهم من الإمكانات والقدرات ما يؤهلهم لتبوء مكانة دولية تليق بهم إذا أحسنوا القراءة واتخذوا القرارات المناسبة، وهذا ما تسعى إليه جميع القوى الإقليمية في المنطقة وفي مقدمتها (إسرائيل) التي برعت أيما براعة في استغلال اللحظات التاريخية الفارقة بكفاءة تفوق التصور والتي كان أخرها تحويل ثورات الربيع العربي إلى نكبات لحقت بشعوب المنطقة وما تنتج عنها من تفتيت محور الـمـöـ.ـاومة وجر عدد من الدول العربية نحو التطبيع ومن ثم محاولة تسيد المنطقة.<br />
أظن أن القوى المتصارعة اليوم بحاجة ماسة إلى ضمان اصطفاف العرب إلى جانبها، فهم يقطنون على مساحة 14 مليون كيلو متر من اليابسة، ويمتلكون أكثر من 55% من الاحتياطيات المؤكدة من النفط، وأكثر من 27% من الاحتياطيات المؤكدة للغاز الطبيعي، وفى نفس الوقت ينتجون حوالى 30% من الإنتاج العالمي للنفط، وأكثر من 16% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي بحسب تقرير بريتش بتروليوم الإحصائي، وعلى العرب أن يدركوا مدى تأثير قدراتهم ودقة اللحظة ويتخذوا القرارات المناسبة التي تحقق مصالحهم، وإلا فإن مزيداً من الضعف والهوان وربما التفتت بانتظارهم.</p>
|
| 62 |
حلف بغداد والحلف العربي الإسرائيلي هل يعيد التاريخ نفسه؟ |
<p>بتاريخ 24 فبراير عام 1955م أُعلن عن حلف يسمى "حلف بغداد" ضم في عضويته كلاً من بريطانيا والعراق وتركيا وباكستان، وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الأساسي لهذا الحلف رغم عدم انضمامها رسميّاً له، وكان الهدف المعلن لهذا الحلف هو الوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط متمثلاً بالاتحاد السوفيتي في تلك الفترة التي شهدت حرباً باردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. <br />
كان عراب ذلك الحلف رئيس الوزراء العراقي إبان الحقبة الملكية نوري السعيد، وقد بذل نوري السعيد الذي كان يوصف برجل الغرب في العالم العربي جهوداً كبيرة في محاولة إقناع كل من مصر وسوريا وعدد من الدول العربية للانضمام للحلف، ولكن لم تجد محاولاته نفعاً فقد رفضت كل من سوريا ومصر والسعودية الانضمام لهذا الحلف لوجود قناعة راسخة في ذلك الوقت لدى العرب بأن الخطر الحقيقي على المنطقة يأتي من "إسرائيل"، ولذلك واجهت كل من مصر وسوريا والسعودية هذا الحلف الذي تفكك وسقط بعد فترة وجيزة من إنشائه خاصة بعد انسحاب العراق منه إثر الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم ضد النظام الملكي في العراق، وقتل نوري السعيد في الأحداث المأساوية لهذا الانقلاب مع عدد من أفراد الأسرة المالكة.<br />
يبدو أن التاريخ يعيد نفسه هذه الأيام مع اختلاف بعض المسميات والأسباب والمواقع ولكن تبقى الفكرة واحدة وهي محاولة تسويق أن "إسرائيل" لا تشكل خطراً على المنطقة وأن الخطر تمثله جهات أو دول أخرى، وهذه الفكرة تحديداً هي ما يروج لها الحلف العربي الجديد " الحلف العربي الإسرائيلي" بأن (إسرائيل) ليست هي الخطر الذي يتهدد المنطقة وإنما من يشكل الخطر هي إيران أو محور المقاومة، كما زعم منظرو حلف بغداد في حقبة الخمسينات أن الاتحاد السوفيتي أو المد الشيوعي هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة وليس (إسرائيل)، الفارق بين الحقبتين أن حقبة الخمسينات كان المد القومي والوعي العربي سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي ناضجاً لحد بعيد جعل فكرة انشاء حلف بغداد الذي يحاول اعتبار (إسرائيل) جسم طبيعي في المنطقة بمثابة العمل الخياني الذي يستهدف الأمة العربية هذا الوعي العربي أسقط الحلف وأسقط منظروه وكان سقوطهم مأساوياً. <br />
اليوم يحاول منظرو الحلف العربي "الإسرائيلي" الترويج لفكرة أن محور المقاومة هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة وليست (إسرائيل)، ولم يكتف منظرو الحلف الجديد بالتنظير للفكرة بل جعلوا من (إسرائيل) عضواً أساسياً في هذا الحلف باعتبارها "مستهدفة" كما هم "مستهدفون" من محور المقاومة، ولذلك مهدوا لهذا الحلف بالتطبيع مع الكيان الصهيوني ومن ثم بدؤوا الخطوات العملية لإنشاء هذا الحلف العسكري الأمني السياسي والذي بدأ أولي نشاطاته بإنشاء محطات إنذار مبكر في بعض الدول الخليجية لضمان حماية متقدمة للكيان مما سمي بالحظر الإيراني، وهذا ما عبر عنه صراحة وزير حرب العدو غانتس الذي أعلن أن محطات الإنذار المبكر حمت (إسرائيل) من عمليات استهداف ايرانية.<br />
لا شك أن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال تؤمن إيماناً راسخاً لا يتزعزع بأن (إسرائيل) هي العدو الأساسي والمركزي للأمة العربية وأن وجودها سيبقى وجوداً سرطانياً لا يشفى جسد الأمة العربية إلا باستئصاله، ولن يغني الحلف الجديد الذي مآله الفشل عن (إسرائيل) شيئاً، وسيسقط هذا الحلف كما سقط حلف بغداد لأنه يعاند إرادة الشعوب ويعاند ثوابت التاريخ.<br />
الحلف العربي الإسرائيلي وحلف بغداد وقفت وراءهما الإدارة الامريكية بهدف تأمين الحماية للكيان الصهيوني الذي يمثل الذراع الأمريكية في المنطقة في ظل تشابه شديد في ظروف نشأة الحلفين، فالاستقطاب العالمي بين روسيا والولايات المتحدة على أشده وأعاد بقوة الحرب الباردة بين القطبين إلى سالف عهدها بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، ومحور المقاومة يشابه إلى حد بعيد محور القومية العربية الذي كانت تمثله مصر وسوريا وتعاديه دول في المنطقة تحاول أن تتساوق مع السياسات الاستعمارية في المنطقة، وأظن جازماً أن مآل الحلف الجديد لن يختلف عن مآل الحلف القديم وقد يشهد الحلف الجديد نهايات مأساوية كما شهد الحلف القديم وفي التاريخ عبرة لمن يعتبر.</p>
|
| 63 |
امتحانات الثانوية العامة قصيدة في حب الوطن |
<p>امتحانات الثانوية العامة كما كل شيء في فلسطين، حالة مختلفة عما يحدث في كل دول العالم، فإذا كانت هذه الامتحانات تُدخل الطالب مرحلة جديدة في حياته العلمية وتحدد ملامح مستقبله، والاستعداد لها وخوضها والنجاح فيها هو التحدي الذي يواجهه طلاب الثانوية العامة في كل الدول المحيطة، فإن لفلسطين وغزة على وجه التحديد حكاية أخرى، فالتحدي الأول لطلاب الثانوية العامة في غزة هو تحمل كل ما يحيط بالطالب من ظروف فرضت عليه دون أن يكون له ذنب فيها، هذه الظروف التي لو مر بها أي طالب ثانوية عامة في أي مكان آخر سوى غزة لانتهى حلمه في النجاح ولا أظنه سيكون قادراً على خوض الامتحان، فطالب غزة عليه أن يتحمل جملة من الظروف أقلها انقطاع الكهرباء الدائم وأشدها أجواء الحرب ورائحة الموت والدمار التي لا تغادر سماء وبحر وأرض غزة، فلكم مرت ليالي على طلاب غزة يذاكرون دروسهم على ما استطاعت عائلاتهم أن توفره لهم من ضوء "الشموع" أو أضواء "اللد" المرهقة للعيون التي تعمل بالبطاريات وكم من مرة اغتالت طائرات العدو هدوء الليل - الذي يأنس الدارس بسجاه ويفضله على النهار في الدراسة عسى أن يجد فيه السكينة والطمأنينة - فأحالته إلى ظلام مرعب كئيب يعتريه ضجيج وأزيز لا يطاق، يعقبه في أغلب الأحوال صوت انفجارات هائلة فأبواق سيارات إسعاف فصراخ وعويل، ولكم مرت على طلاب غزة أيام من الحروب لم يرق لهم فيها جفن ولم تهدأ لهم فيها نفس ولم تستقر لهم حال، لكم مرت على طلاب غزة لحظات وجدوا فيها أنفسهم بلا مأوى وبلا عائلة أحياناً، كم مرت أيام على طلاب غزة فقدوا فيها أحباءهم ورفاقهم، كم مرت أيام على طلاب غزة حال بينهم وبين مقاعد الامتحان ارتقاؤهم شهداء أو غيبهم الأسر أو أقعدتهم الجراح، كم مرت أيام على طلاب غزة أعلنت نتائجهم وتفوقهم وهم شهداء أو أسرى.<br />
هذا التحدي الذي يواجهه طلاب غزة قبل أن يجلسوا على مقاعد الامتحان ليحققوا المعجزة بالتفوق رغم كل ما مروا به من آلام كانت بلا شك تدفع بالآمال والطموح والثقة بالله وحب الوطن، لم يكن تحدي طلاب غزة مجرد المذاكرة والاستعداد لخوض الامتحان فهذا أبسط تحدياتهم، ولذلك تميز طلاب غزة ولقد نجحوا أيما نجاح في الانتصار على التحدي الأكبر الذي واجهوه وسينتصرون دون شك على التحدي الأصغر وهو خوض الامتحان ليرفعوا رأس فلسطين كما رفعوها كل مرة، وسينطلقون بعد امتحانات الثانوية العامة ليخوضوا غمار الحياة في خدمة الوطن بالعلم والمعرفة ويراكموا عناصر القوة التي سبقتهم إليها من سبقهم ممن مزجوا العلم الذي نهلوه بحب الوطن الذي عشقوه فكانت لهم بصماتهم الرائعة التي شهدت بها مختلف الميادين، وسيكون لطلاب الثانوية العامة بصمة وأثر في صناعة التحرير الذي عماده العلم ووسيلته البناء وسياجه التضحية والفداء، فهم جيل كبر وترعرع على ثقافة المقاومة والسعي نحو النصر وتحدي العدو وقهر المستحيل، ولقد رأت عيونهم وسمعت آذانهم قصص البطولة من أبائهم واخوانهم وأصدقائهم ولا يوجد للهزيمة في نفوسهم وقع أو آثر.<br />
جيل الثانوية العامة جيل فلسطين الذي سيحمل أمانة التحرير وهو جدير بها وأهل لها وسيكمل الطريق الذي مهد بداياته أبطال عظام تربى جيل الثانوية على قصص بطولاتهم وتضحياتهم.<br />
أيام معدودة وستعلن بعدها النتائج وستكون بإذن الله نتائج فخر رفعه وعرس فلسطيني وطني، وستكون محطة ينطلق من بعدها طلاب الثانوية ليحملوا راية جديدة ويندفعوا بها نحو مستقبل واعد بعزم الشباب وإرادة الثوار وستكون فلسطين على موعد مع أبنائها وهذا الموعد لن يطول وقته.<br />
</p>
|
| 64 |
الأبعاد الدستورية والسياسة لغياب أبو مازن |
<p>بين الفينة والأخرى يثور النقاش والجدل حول قضية غياب الرئيس أبو مازن عن المشهد السياسي، خصوصاً وأن الرجل قد بلغ من الكبر سناً يجعل من مسألة خلافته حديثاً يهم المواطن الفلسطيني كونه يشغل عدة مناصب رسمية وحركية.<br />
وخلال الفترة الممتدة من عام 2005 حتى العام الجاري 2022 لم تفلح كل المحاولات التي بذلت من مختلف الجهات لإجراءات الانتخابات للمؤسسات الدستورية والرسمية الفلسطينية ومنها بطبيعة الحال تلك التي يرأسها أبو مازن. <br />
انتخب أبو مازن رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية بعد وفاة الرئيس الراحل ياسر في عام 2005، وذلك بعد أن تبوء المنصب رئيس المجلس التشريعي في ذلك الوقت السيد روحي فتوح لمدة 60 يوم حسب المادة 73 فقرة 2 من القانون الأساسي الفلسطيني التي تنص على "إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية في أي من الحالات السابقة - الحالات التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة وهي: الوفاة، والاستقالة، وفقد الأهيلة – يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمدة لا تزيد عن ستين يوماً تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني" وفعلاً جرت الانتخابات بتاريخ 9/1/2005 وقد حصل أبو مازن على ما نسبته 62.52% من إجمال عدد أصوات المقترعين، وبتاريخ 15/1/2005م أدى أبو مازن اليمين الدستورية أمام المجلس التشريعي الفلسطيني ليصبح الرئيس الثاني للسلطة الوطنية الفلسطينية. <br />
كان يفترض أن تجرى الانتخابات الرئاسية بعد مرور 4 سنوات حيث تنتهي الولاية الدستورية لأبى مازن بتاريخ 15/1/2009م حسب نص المادة 36 من القانون الأساسي لبتي تنص على" مدة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية هي أربع سنوات، ويحق للرئيس ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية على ان لا يشغل منصب الرئاسة أكثر من دورتين متتاليتين"، ولكن أحداث الانقسام التي جرت في عام 2007 عطلت الحياة الدستورية الفلسطينية ولم تفلح كل محاولات رأب الصدع وإنهاء آثار الانقسام التي بذلتها الأطراف المختلفة، وعلى كل الأحوال فقد استقر الوضع الدستوري سواءً بالتوافق الضمني أو بقوة الأمر الواقع على بقاء أبو مازن في سدة الرئاسة.<br />
اليوم في ظل الحديث عن صحة أبو مازن يثور التساؤل حول موضوع خلافة أبو مازن وبأي صورة ستتم معالجة القضية لاسيما بعد التعقيد الشديد الذي اعترى الوضع الدستوري للمؤسسات الفلسطينية كافة فقد صدر في عام 2018 قرار عن المحكمة الدستورية -التي شكلها أبو مازن- بحل المجلس التشريعي ذلك القرار الذي واجه رفضاً مؤسساتياً وشعبناً لمخالفته أبسط أصول الفقه الدستوري، خاصة وأن هناك نصاً صريحاً في القانون الأساسي الفلسطيني وعلى وجه التحديد المادة (113) التي تنص على عدم جواز حل المجلس التشريعي أو تعطيله في حالة الطوارئ، ولم يرد أي نص آخر يعطي الرئيس أو أي جهة أخرى صلاحية حل المجلس. <br />
لا شك في حالة غياب أبو مازن عن المشهد ستطرح على الفور عدة وجهات نظر وأظنها ستتمحور حول التوجيهات التالية:<br />
أولاً: التوجه الذي ستطرحه حركة حماس وهو التمسك بالقانون الأساسي الفلسطيني الذي يعني تولى رئيس المجلس التشريعي مهام الرئاسة لمدة 60 يوماً تجرى خلالها الانتخابات الرئاسية وهي الطريقة نفسها التي أعقبت وفاة الراحل ياسر عرفات، وبالتالي سيكون منصب الرئاسة خلال الستين يوماً التي تعقب غياب أبو مازن من نصيب السيد عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي، وهذا الخيار ستدفعه حركة فتح بدعوى أن المجلس التشريعي قد تم حله بقرار من المحكمة الدستورية، الأمر الذي سترفضه حركة حماس لا سيما وأنها لا تعترف بقرار الحل كما أسلفنا.<br />
ثانياً: ستطرح حركة فتح على ما أظن فكرة أن يتولى رئاسة السلطة الرئيس الذي سَيُنتخب لرئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وذلك باعتبار القانون الأساسي معطّل والمجلس التشريعي محلول علاوة على أن المجلس المركزي لمنظمة التحرير هو الذي أنشأ السلطة الوطنية وأن من يملك الإنشاء يملك التعديل والإلغاء، وقد يتم دعوة المجلس المركزي للمصادقة على هذا الخيار وكما هو معلوم فإن الغالبية الساحقة من أعضاء المجلس المركزي هم أعضاء في حركة فتح وبعض الفصائل الموالية لها ولم تفلح كافة المحاولات التي طرحت من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبعض الفصائل الأخرى للدخول في إطار المنظمة لتصبح بيتاً جامعاً لكافة الفصائل الفلسطينية.<br />
وبالتأكيد سترفض حركة حماس هذا الطرح تمسكاً منها بخيار القانون الأساسي علاوة على دفعها الدائم بأن المجلس المركزي هو مجلس غير منتخب وبالتالي فإن أعضاء اللجنة التنفيذية المنبثقة عن المجلس الوطني غير منتخبين ولا يمثلون الشعب الفلسطيني، وبالتالي لا يمكن لجهة غير منتخبة أن تفرض على الشعب الفلسطيني رئيساً غير منتخب، خصوصاً وأن الرئيسين اللذين توليا منصب الرئاسة وهما ياسر عرفات ومحمود عباس بدأت ولاية كل منهما بالانتخابات.<br />
ثالثاً: أما الفصائل الفلسطينية فستطرح بلا شك خيارها المفضل وهو اللجوء إلى الانتخابات وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بتوافق بين حركة فتح وحماس وهذا الأمر لم يجرِ التوافق عليه طوال الفترة السابقة.<br />
ما يجب استحضاره في هذه القضية أن شخص الرئيس الفلسطيني لم تعد قضية داخلية فلسطينية أبداً وذلك أن اعتراف المجتمع الدولي بالرئاسة الفلسطينية هو أمر لا يمكن التغاضي عنه، وفي ذات السياق تأتي إشكالية الإقرار بكافة الاتفاقيات التي وقعت عليها دولة فلسطين أو السلطة الفلسطينية لتشكل شرطاً دولياً وإقليميا للاعتراف والتعامل مع من يتبوأ منصب الرئاسة الفلسطينية، الأمر الذي يفرض تحدياً صعباً على حركة حماس وفي ذات السياق سيكون خياراً مريحاً لحركة فتح التي ما زالت تتشبث بالاتفاقات الموقعة.<br />
غياب الرئيس محمود عباس سيخلف إشكالية فلسطينية كبيرة خصوصاً وأن كل محاولات ترتيب البيت الفلسطيني خلال فترة رئاسته باءت بالفشل، ولم يكن الرجل وما زال غير مستعد لبذل الجهد المطلوب لرأب الصدع وإعادة اللحمة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي سيلقى على عاتق القوى الفلسطينية تحديات صعبة عليها تواجهها وتخرج منها برؤية وطنية جامعة فالوضع الفلسطيني أضعف من أن يتحمل مزيد من الأزمات</p>
|
| 65 |
على رسلكم فما زلنا على الثغر لم نغادر |
<p>انقشع غبار مسيرة الأعلام، ومرت المسيرة المقيتة من باب العمود إلى قلب القدس العتيقة، وشاهد العالم سوائب المستوطنين ينثرون أوساخ حقدهم وغيظهم وكرهم الكريه بين شواهد التاريخ من أزقة البلدة القديمة، وانتهت هذه المسيرة التي تشبه إلى حد كبير ضباباً قاتماً كريه الرائحة والمنظر غطى المدينة المقدسة لحين باعتداء سوائب المستوطنين على بعض البيوت العربي في البلدة القديمة، وهم يؤدون رقصاتهم الشيطانية في حالة من الهياج الوحشي الذي يخفي نفساً مشوهة مظلمة تكره كل ما عداها من بني البشر، لا شك أن هذه المسيرة أراد لها منظموها أن تكون على شاكلة مواكب النصر الهتلرية التي كان يحبها أدلوف هتلر حينما كان يدخل المدن مزهواً بنصر مكلل بالدماء والأشلاء دون أن يدور بخلده ولو للحظة أن مأساة غيابه التام عن المشهد ليست بعيدة.<br />
ورغم الادعاء الصهيوني المستمر بأن اليهودية ضحية النازية إلا أن الممارسة تتطابق إلى حد بعيد بين كل منهما في مشهد تقمص الضحية لشخصية الجلاد وهو مرض نفسي يعتري الضحية أحياناً.<br />
على أية حال لم يكن غريباً أن يُقدم نفتالي بينت الضعيف صاحب الائتلاف المتداعي على القيام بهذه المسيرة مفضلاً أن يحتمل نتائجها التي قد تؤدي إلى تصعيد على أن ينهار ائتلافه الحكومي الذي يرتكز على قوة المستوطنين، وقد أصبح من البطولة اليوم أن يؤخذ قرار بالمسيرة في ظل حنق المقاومة وتوعدها بعدما كانت البطولة في عرف نفتالي شرب الدم الفلسطيني من الجسد المدني الأعزل، تلك المعادلة التي داستها المقاومة وجعلت من هذه اللعبة ناراً تلظى يصلاها كل ما حاول مس الدم أو الجسد أو المقدس الفلسطيني بسوء، فأحجم الجبناء وفضلوا الخيار الأسهل برفع أعلامهم في تلك المسيرة التي يشهد المكان والزمان بغربتها وزيفها.<br />
لم يأت هذا التحول عبثا وإنما صيغت هذه المعادلة بالعرق والدماء والدموع والإصرار، ولقد حاول العدو مرة تلو المرة اسقاط هذه المعادلة وتبثت معادلة اليد الطولى التي كان يفاخر بها، ولكن عزيمة الرجال وقوة بأسهم والصبر على أذى المحتل جعله يرجع البصر كرَّةً أخرى لينقلب إليه بصره خاسئاً وهو حسير مسلماً بقواعد الاشتباك التي فرضتها المقاومة خوفاً من رجوم الشياطيين التي تزينت بها سماء الوطن، ولكن مثلما هي دائماً عادة المنزوين في الزوايا المظلمة الذين ترقب عيونهم الحدث وتتمنى قلوبهم الفشل فتراهم يفرحون لحزن شعبنا ويحزنون لفرحه ويخفون ما لا يبدون فيُكْرَهُون على التساوق أحياناً مع فيض المشاعر الوطنية الشعبية تجاه المقاومة فتخط أيديهم بعضاً من كلمات جافة سالت بها أقلامهم دون أن تنبض قلوبهم، ثم لا يلبثون إلا أن تطغى ضغائن قلوبهم على حبر أقلامهم فتفيض كلماتهم نفاقاً وتشفياً وحقداً نازفاً من نفوس مريضة.<br />
ولكن هيهات أن يوهن هؤلاء صدق مشاعر شعبنا تجاه من صان كرامتهم وحقق أمنهم ومنح نفوسهم السكينة في كل مرة ضربت سواعد الرجال بقوة العدو في مكامن عزته وفخره.<br />
لا بأس على المقاومة اليوم وهي تأخذ قراراتها وفقاً لما يقدره رجالها وقادتها سادة الميدان وحراس الوطن، ولا تثريب على النفوس التي تتوق لضرب العدو كلما عربد وتكبر فهذه طبيعة النفوس العزيزة والارواح الأبية التي لا تقبل الضميم. <br />
ولا عزاء لمن اتخذ من شيطان حقده إلهاً له يزفر بغضه وغله تجاه الأعز والأكرم من أبناء شعبنا. <br />
والخير كل الخير فيما هو قادم فالحرب لم تنته ولم يغادر الرجال الثغور وما زالت قبضاتهم على السلاح مشدودة وما زالت عيونهم ترنو نحو القدس وما زالت قلوبهم معلقة بالأقصى. <br />
صحيح أن الصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة كما يقول سيد قطب. <br />
ولا شك أن مقاومة إغراء الرد على صلف العدو وكبت الشوق إلى لقائه في الميدان هي مهمة شاقة، ولكنها حرب التحرير التي لا تُدار بالعاطفة بل بالحنكة والخبرة والدراسة المتأنية والقرارات الحكيمة.</p>
|
| 66 |
جنين وغزة تحملان عبء الوطن |
<p>هناك مدن اشتهرت عبر التاريخ بصمودها الأسطوري في مواجهة الاحتلال، وصاغت قصصاً ملهمة ما زالت الشعوب تستلهم منها قوة الإرادة والتحدي وتجاوز معايير المنطق في موازين القوة، وربما كانت مدينتا ستالينجراد وليننجراد من أشهر تلك المدن لكونها صمدت إبان الحرب العالمية الثانية في وجه الغزو النازي، وكان لصمودها الأثر البالغ في هزيمة النازية وسقطوها المدوي بعد أن كادت تُخضع القارة الأوربية كاملة لحكمها على الأقل.</p>
<p>لا أعتقد أن جنين وغزة في فلسطين تقلان عن ستالينجراد ولننجراد في صمودههما الأسطوري حيث تصمد المدينتان في مواجهة العدو الصهيوني، ويتشابه هذا الصمود ليس فقط في القدرة على التحدي وتجاوز نظريات القوة ولكن يتشابه الصمود في طبيعة العدو الذي يُقاوم، فالصهيونية اليوم نسخة مشوهة من النازية البائدة، بل يتميز صمود جنين وغزة في القدرة على الاستمرار في المقاومة رغم الفارق الهائل في موازين القوة وانعدام الدعم وإطباق الحصار المستمر على غزة والتنسيق الأمني على جنين وذلك لم تعرفه المدينتان الروسيتان مضرب المثل في التاريخ حيث كانت المدينتان تتلقيان الدعم المستمر من الجيش الروسي ولم تعرفا أبداً خيانة تشبه خانة التنسيق الأمني.</p>
<p> فإذا كانت النازية البائدة قد دعت إلى تفوق العرق الآري وجعلت من هذا الأساس العنصري دافعاً أيديولوجياً لحربها التي شملت أوربا كلها والعالم من بعدها، فإن الصهيونية قد جعلت من الدين رغم شتات العرق أساساً عنصرياً لإحتلالها لفلسطين، ومارسته بكل وقاحة بجلب اعراق وإثنيات لم تطأ اقدمهم فلسطين يوما ليستوطنوا فيها بزعم الحق الإلهي، صمود المدن الروسية في وجه الغزو النازي كان من خلفه تحالف دولي كبير اجتمع فيه الشرق الممثل بروسيا والغرب الممثل في بريطانيا والولايات المتحدة جعل من صمود هاتين المدينتين بداية سقوط النازية التي جُرمت بعد ذلك وأصبحت سبّة في جبين كل متطرف يدعو إلى تفوق العرق، بل وأصبح لفظ النازي يطلق على الشخص المجرم الذي لا يتورع عن إرتكاب أبشع الجرائم بحق الإنسانية، رغم التشابه بين النازية والصهيونية إلا أن الأخيرة تحظى بكل دعم وتأييد من الغرب- الذي حارب النازية- الذي ذهب بعيداً في الدفاع عن هذه العنصرية المقيتة بدعوى باطلة أن من حق هذه العنصرية ان تدافع عن نفسها ولقد تعدي الدعم إعطاءها حق الدفاع الى درجة وصف عمليات المقاومة التي تتصدى لها بالإرهاب بل ومعاقبة كل من يحاول أن يتصدى لنفوذها المتغلغل في العالم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل لقد سنت التشريعات التي تخدم تمدد هذه الصهيونية ويجري الآن معاقبة منظمة العفو الدولية التي وصفت الكيان الصهيوني بالعنصرية بقطع التمويل عنها، وذلك بعد أن شهدنا مثل هذا السلوك تجاه مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية حينما صدر عنهما بعض الإجراءات التي تدين تصرفات هذا الكيان أو سعت لمحاسبته على جرائمه.</p>
<p>مدينتا جنين وغزة تصدتا المرة تلو المرة للهجمات الوحشية التي شنها الكيان الصهيوني على قلة الإمكانيات ومازالتا تشدان ازر بعضهما بعضاً وشهدنا ملاحم بطولية منذ العام 2002 حتى اليوم وعلى مدار إثنين وعشرين عاماً كانت أبلغ وأعظم من مقاومة كثير من المدن، ولكن لم تشفع هذه المقاومة المجيدة التي عبرت عن الضمير الإنساني الجمعي برفض الظلم ومحاربته، لم تشفع لهما في ينالا ولو قسطاً قليلا من الدعم الذي نالته مدن أخرى مر عليها طيف مما مر بهما.</p>
<p>جنين اليوم تسمو من جديد وتشد عضدها بغزة وتسطر التاريخ مرة أخرى رغم الخذلان العربي الذي وصل إلى قاع المهانة بإدانة المقاومة لصالح العدو المغتصب ولم يكتفي بالصمت المعيب.</p>
<p>الصهيونية تتطاول اليوم على الإنسانية في ظل صمت مطبق من المجتمع الدولي الذي ذهب للدفاع عن "حق كييف في الدفاع عن نفسها" بل وزرودها بكل وسائل الدفاع ووفر لها الدعم السياسي والاقتصادي مازال صعوته عالياً لم يخفت ولكن لكييف فقط أما جنين وغزة فلا ناصر لهم.</p>
<p>الإحباط الذي قد يشعر به كل فلسطيني لا يولد استكانة ولن يقتل روح المقاومة في نفسه بل سيطلق مكامن التحدي لديه كلما زاد الإحباط من المجتمع الدولي، ولذلك رأينا هذا التحدي يتجلى بطولة عز نظيرها في النقب والخضيرة وتل الربيع وجنين.</p>
<p>وكما أسقطت المدن المقاومة قبل ثمانين عاماً الغزو النازي وكما أوقفت المقاومة الأوكرانية الهجوم السوفيتي ستوقف جنين وغزة تطاول الصهيونية، وستؤول الى نفس المصير الذي آلت إليه النازية، وسيحدث التاريخ الأجيال القادمة عن صمود جنين وغزة وستظل البطولات التي قدمها أبطال المدينتين منارات مضيئة لكل أحرار.</p>
|
| 67 |
كان ياما مكان |
<p>كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، هي عبارات كانت تسردها أمهاتنا لنا ونحن صغار عندما تحدثننا حكايات الماضي الغابر الذي لا يعود، وما حمل هذا الماضي من آمال وآلام من سعادة وشقاء وفرح وبؤس، ومن أجمل الحكايات التي كانت تحكيها الأمهات والجدات هي حكايا الوطن والأرض والحصاد، تلك الحكايات التي كانت تثير في النفس السعادة والبهجة، ثم يعقبها قصة الاحتلال والمجازر والهجرة وما تورثه في النفس من هم وغم وحزن، كان السؤال الملح الذي يقرع أدمغتنا الصغيرة بشدة لماذا لم ندافع عن أرضنا عن حقنا عن شعبنا؟، وكان جواب الأمهات والآباء البسيط لم يكن لدينا سلاح ندافع به عن أنفسنا ولم تسعفنا الجيوش العربية التي دخلت لنصرتنا فسلمت البلاد للصهاينة وهُجرنا عن مدننا وقرانا وسكنّا مخيمات اللاجئين.</p>
<p>اليوم بعد 73 عاماً من النكبة التي حلت بشعبنا نحن أيضاً نحكي لأطفالنا حكايا الوطن ولكنها ليست مثل تلك الحكايات التي كنا نسمعها ونحن صغار، وإنما نحكى لأطفالنا حكايا العز والشرف والكرامة، نحكى لهم حكايا يتغنى بها العرب والمسلمون في كل بلادهم، بل إن حكايانا هي حكايا العزة والكرامة المفقودة في بلاد العرب والمسلمين، ومن أجمل حكايانا التي نحكيها هذه الأيام هي حكاية تحطم أسطورة جيش الاحتلال الذي كان لا يقهر فقهرناه، وكان لا يهزم فهزمناه، وكان لا يذل فأذللناه.</p>
<p>نحكى لهم كيف يهزم بطل من أبطالنا دولة، وكيف يهرب أمام ثائر من ثوارنا جيش، وكيف يفرض مجاهد من أبنائنا منع التجول على عاصمة الاحتلال، نحكى لأبنائنا ونقول لهم كان ياما كان أن عَطّلت المقاومة مطارات وموانئ العدو وقصف بمئات الصواريخ مدن العدو ومستوطناته، ونحكى لهم بكل فخر كيف نقلت عدسات الإعلام مشاهد الدمار والخراب من مدن العدو ليشاهدها العالم أجمع، تلك المشاهد التي لم يكن يشاهدها العالم إلا في المدن الفلسطينية، نحكى لأبنائنا بكل عزة كيف أن النار تواجه بالنار، والدم يواجه بالدم، والقصف بالقصف، وكيف أن الاحتلال الذي لم يكن يهدد زمن الآباء والأجداد ولكنه كان يفعل مباشرة كيف أصبح هذه الأيام عاجز عن اتخاذ قرار فيجتمع مجلس وزرائه المصغر لأربع ساعات كاملة دون القدرة على اتخاذ قرار وهي ليست المرة الأولى، وكيف دفعه عجزه لاستخدام التهديد وسيلة لمداراة عجزه عن الفعل، وكيف أن تهديداته لقيادة شعبنا لم تهز شعرة من رأس أصغر طفل فلسطيني وأن تهديداته تهديدات العاجز الجوفاء الخاوية التي يطلقها ليكذب بها على شعبه الذي أصبح شعوره الطاغي هو شعور فقدان الأمن، نقول اليوم لأطفالنا كان يا مكان، كان قبل سنوات يجتاح جيش العدو جباليا والزيتون والشجاعية وخانيونس ورفح فيقتل وينسف البيوت ويعتقل ويعود، وكيف أصبح اليوم عاجز عن التقدم ولو أمتار قليلة في أرض غزة، وكيف صنع ثورانا هذه المعجزة الذي بدأها من سبقهم من أسلافهم، نقول لأطفالنا كان ياما كان أن أنطلق المجاهدون لقتال العدو في زمن الضعف والهوان العربي لا يملكون إلا بضع رصاصات في مسدس وبضع طلقات في رشاش كارلو وكيف أصبح اليوم صاروخ عياش يضرب كل شبر في مدن العدو من أم الرشاش وحتى رأس الناقورة، أجل نحكي لأطفالنا اليوم كيف فرض ثوارنا قواعد إشتباك على العدو وكيف فرضوا معادلة توازن الرعب، وكيف جعلوا من قرار الحرب الذي كان يتخذه قادة العدو بكل بساطة ليرفعوا أسهمهم الانتخابية بالدم الفلسطيني كيف أصبح هذا القرار من أصعب وأخطر القرارات التي يمكن لزعيم صهيوني أن يتخذه وذلك لعدم القدرة على تحمل تبعاته، وفي ذات الوقت كيف أصبح قرار قصف عاصمة العدو أسهل عند المقاومة من شربة ماء.</p>
<p>إذا كنا اليوم نحكي لأطفالنا قصص البطولة والفداء فأنني على يقين أنا قريباً جداً سنحكي لهم كان يا مكان أن كانت فلسطين محتلة من الصهاينة وحررها أبطالنا من هذا العار بالدم والنار.</p>
<p>سنحكي حكاية تحرير فلسطين وسنروي لهم الحكاية من البداية حتى النهاية ولكن بصيغة الماضي الذي لا يعود، أجل ستحرر فلسطين والاحتلال سيصبح جزءً من التاريخ الذي لا يعود.</p>
|
| 68 |
لماذا يكرهون الوحدة الوطنية |
<p>في قصيدته ثورة الشك التي غنتها أم كلثوم يقول الشاعر الأمير عبد الله الفيصل</p>
<p>وكم طافت على ظلال شك أقضت مضجعي واستعبدتني</p>
<p>وما أنا بالمصدق فيك قولاً ولكني شقيت بحسن ظني</p>
<p>ربما تصدق هذه الكلمات في واقع السلطة الفلسطينية التي أصبحت مرتهنة بيد حفنة من دهاقنة العلاقات السرية مع الاحتلال، ففي الوقت الذي تنادت فيه كافة فصائل العمل الوطني للعمل المشترك على قاعدة قطع العلاقة مع الاحتلال، وبرنامج كفاحي موحد يقوم على المقاومة الشعبية، كان هناك من تسلل لواذاً مبتعداً بخفة الثعلب في الظلام البهيم، وكأنه روح يهوذا الذي ترك جبل الزيتون ذات ليلة ليرتكب أعظم خيانات التاريخ، فيشي بالمسيح وحواريه، وهذا ما فعله ذلك الذي انسل بخفة ليتواصل مع الاحتلال، ليستحثه على قطع حبل الوصال الوطني، الذي تعلق به الشعب الفلسطيني ومن قبله القوى والفصائل الفلسطينية، وصدقت ثورة الشك التي كانت تعتمل في نفوس كثير من أبناء الوطن الذين كذبوا في قيادة السلطة سوء الظن، وعضوا على الجراح، وتناسوا الماضي بكل ما فيه من ألم، وأغمضوا أعينهم عن صور المآسي التي طبعت في ذاكرة الوطن، ليفتحوا صفة جديدة بيضاء ناصعة، ولكنهم جميعا شقوا بحسن ظنهم ، وقد نجحت مساعي ذاك الذي تسلل خلسة، ليعود حاملا بين يديه وعد الشيطان الغرور، ولسان حاله يقول قد افلح اليوم من استعلى، أجل لقد جاء بالسحر الذي يبطل العروة الوثقى التي خطها مزيج من دم الشهداء وزيت شجر الزيتون المحترق ودموع الفلسطينيين وعرقهم، لقد شقي الوطن بوعد الشيطان هذا، وسعد به أيما سعادة من راقت له ليالي الوصل الصهيونية، وهو ما فتئ يغني على نغماته</p>
<p>إن شئت تقتلني فانت محكمٌ من ذا يعارض سيداً في عبده.</p>
<p>هذا هو حال الذين يقتاتون على الانقسام، وليس في ذلك غرابة، فأي كارثة لها رجالها الذين يبرعون في استغلالها للإقتيات عليها، وبمرور الوقت تصبح حالة الفوضى أو الانقسام مصدراً للرزق أو مصدراً للزعامة وفرض الرأي، وكل ذلك يلبي رغبة مادية ومعنوية يصعب عليهم تركتها بعد مضى سنوات من الاعتياد عليها.</p>
<p>ولذلك يكرهون لم الشمل الفلسطيني، لأنه يعنى أن يعود لفلسطين هويتها، وللقضية مركزيتها، وللشعب كلمته، وهؤلاء يدركون تماماً أن الوحدة الوطنية تعنى عودتهم إلى غياهب النسيان مرة أخرى، وتعنى كذلك تجديد ثقة الشعب بمقاومته، بما يفرضه ذلك من تجديد ألق المقاومة شرعياً وميدانياً، لذلك هم يكرهون الوحدة كما يكرهها الاحتلال، أعداء مسار المقاومة راق لهم طوال الفترة السابقة حالة العزلة التي مورست ضدها، والحصار الذي أطبق عليها، ورقصوا فرحاً مع كل حرب شنت عليها. أملاً في القضاء على مشروعها الذي جاء على نقيض مشروعهم، وكانت فرصتهم في الانقسام ليعودوا ليتصدروا المشهد مرة أخرى، فصبوا جام حقدهم ومكرهم على مشروع المقاومة. ولذلك لابد من عزل كل هذه العوالق التي تعمل بنسق عالي الوتيرة مع قبائل التطبيع العربية وبتمويل سخي منها لإفشال مشروع الوحدة، وحينها ستنحسر وتختفي تلك الوجوه التي بكل تأكيد لا تريد للشعب الفلسطيني خيرا حتى لو زعمت غير </p>
<p>ولذلك أدعو أبناء فلسطين ليكونوا سياجاً حامياً وواقياً للوحدة الفلسطينية يحول دون وصول المفسدين إلى مبتغاهم. فهم وان استكثروا بالاحتلال سيبقون قلة، وكلمة الحق تعلو على كل ضجيج الباطل الذي يصور هذه الانتكاسة (انتصاراً) استخفافاً او استهتاراً أو جهلاً بقدرة شعبنا على تميز الغث من السمين، فشعبنا يعرف جيداً أن من فضل الاصطفاف بجانب الاحتلال على الوحدة الوطنية لن يكون أبداً هو الساعي بالخير لشعبنا وقضيتنا، وتبقى الكلمة الأخيرة للشعب.</p>
|
| 69 |
ماذا يعني أن تبدأ غزة الحرب؟ |
<p>تعودنا خلال الفترة الماضية أن يبدأ الاحتلال بشن الحرب على غزة كلما رأى ذلك ضرورياً لتحقيق أمنه، وكانت غزة تتصدى للعدوان بكل بسالة، وبعد أن يشعر العدو أنه حقق غايته ومراده من الحرب يطلب تدخل الوسطاء لوقف إطلاق النار.</p>
<p>عندما كان الاحتلال يبدأ الحرب في كل مرة، كان يأخذ قراره هذا معتمداً على ما يملكه من آلة عسكرية و نفوذ سياسي وقوة اقتصادية تمكنه من اتخاذ هذا القرار بثقة عالية، ذلك أن قرار الحرب ليس بالقرار الذي تُضمن نتائجه دائماً، وهو من أخطر القرارات التي قد تتخذها أي دولة على وجه الأرض، لأنه ببساطة في حالة الخطأ في اتخاذ هذا القرار فذلك يعني أن سيادة الدولة قد تتعرض لخطر الانتقاص أو الزوال، وقد يتعرض إقليم الدولة للاحتلال، وكذلك قد تتعرض مصالح الدولة الاقتصادية للخطر، وما يعنيه كل ذلك من خطر محدق على المستقبل الجيوسياسي لأي دولة، ولذلك فإن قرار الحرب يمثل خطر استراتيجي وجودي على أي دولة قد لا تتخذه في الوقت والزمن المناسب.</p>
<p>(إسرائيل) كما ذكرنا تعودت أن تتخذ قرارات الحرب بجرأة شديدة، وذلك أن أجهزة استخباراتها كانت تمدها دائماً بالمعلومات التي تؤكد لها ضعف خصمها الشديد تجاهها، فضلاً عن كشف كل نقاط ضعفه سواء العسكرية أو الأمنية أو الاقتصادية، الأمر الذي كانت تستغله (إسرائيل) أسوأ الاستغلال، متجاوزة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية في سبيل الوصول إلى مبتغاها على الطريقة الميكافيلية.</p>
<p>المقاومة الفلسطينية هي التي بدأت الحرب هذه المرة، صحيح أن الظرف الذي حدث في حي الشيخ جراح في القدس واقتحام المسجد الأقصى من قبل المستوطنين كان الدافع الأهم في بدء الحرب، لكن كان بوسع المقاومة أن تتريث أو أن تدع الاشتباك الشعبي يتوسع دون تدخل عسكري من جانبها، ولكن أن تبدأ المقاومة في إطلاق النار على العدو بعد أن تصدر له تحذيراً من رأس قيادة الحركة السياسية بعدم اللعب بالنار، ثم يتبعه تحذير من رأس قيادة المقاومة العسكرية وعلى لسان قائد أركان المقاومة نفسه، فهذا يعني أن المقاومة درست الخيارات بعناية ولديها من المعلومات الاستخبارية والقدرة العسكرية ما يمكنها من اتخاذ قرار الحرب وقد كان.</p>
<p>انعكاس هذا الأمر(أقصد اتخاذ قرار الحرب من المقاومة ضد العدو) شكل للعدو صدمة لم يكن يتوقعها، لأن ذلك يعني بكل بساطة انتقال عنصر المبادأة من العدو للمقاومة أو على الأقل وجود عنصر المبادأة لدى الطرفين بنفس المستوى، بما يمثله ذلك من تآكل قوة الردع للعدو لحدها الأقصى، وتزايد قوة ردع المقاومة لحدها الأعلى الأمر الذي مكنها من اتخاذ قرار الحرب إبتداءً كما أسلفنا.</p>
<p>هذا القرار الذي اتخذته المقاومة وضع العدو أمام خيارات صعبة، تتمثل في وجوب الرد على النار التي انطلقت من غزة بشكل ينهي وجودها تماماً، أو على الأقل يسكتها لوقت طويل جداً، وذلك كي يعيد العدو حالة الاستعلاء الصهيوني لسابق عهدها ويَجْبُر المعادلة التي كُسرت، وإلا فإن مستقبل الدولة بالنسبة للعدو قد أصبح في خطر، في ظل تعدد الجبهات التي يحارب عليها العدو، وما يمثله خطر انتقال عدوى المبادأة للجبهات الأخرى، سواء جبهة الجنوب اللبناني أو الجبهة السورية وأخيراً جبهة إيران، التي كانت إسرائيل حتى وقت قريب تضع الخطط لمهاجمة المفاعلات النووية الإيرانية لتمنع إيران من إكمال مشروعها النووي، محاولة جبر المعادلة التي كسرت دفع العدو إلى استخدام النار بكثافة مفرطة، وصلت الي حد استخدام 160 طائرة في غارة واحدة على منطقة شمال غزة التي لا تتجاوز مساحتها عشرة كيلو متر مربع في محاولة لإحداث حالة من الصدمة والرعب تدفع المقاومة لرفع الراية البيضاء، ولكن كانت المفاجئة للعدو برد المقاومة بكثافة نارية لم يعهدها، الأمر الذي أفقد العدو ميزة أخرى كان يعتمد عليها إعتماداً كاملاً في كل حروبه وهي الكثافة النارية الهائلة، التي تمكنه من اسكات النار المقابلة بسرعة وبشكل حاسم.</p>
<p>بعد مرور حوالي عشرة أيام على بدأ الحرب يحاول العدو الوصول إلى صورة نصر ينهي به هذه الجولة ولكنه لا يستطيع الحصول عليها، حتى وصل به الأمر أن يطلب من الوسطاء أن تتوقف المقاومة عن إطلاق النار أولاً ثم يتوقف هو، وذلك لحفظ ماء وجهه، إذ أن المقاومة هي التي بدأت إطلاق النار وهي التي يجب أن تبدأ بالتوقف، ولكن المقاومة ترفض منحه حتى هذه الصورة البسيطة من شكل النصر وتصر على التزامن في وقف النار مع تحقيق شروط المقاومة التي كانت سبب بدء الحرب.</p>
<p>هذه الجولة أدخلت الصراع مرحلة جديدة جعلت استقرار الكيان على المحك، إذ يمكن في أي لحظة أن تشتعل أي جبهة من الجبهات في أي وقت بقرار من قوى الممانعة والمقاومة، دون تخطيط أو توقع من العدو وفي أي زمان قد لا يناسب وما يمثله ذلك من خطر داهم ودائم على مشروع وجوده في المنطقة.</p>
|
| 70 |
الشعب الفلسطيني من التغريبة إلى القيامة |
عاش الشعب الفلسطيني منذ العام 1917 تحت نير الاحتلال البريطاني الذي كان اهم اهدافه إقامة وطن لليهود في فلسطين عملاً بوعد بلفور الصادر عام 1911، ومنذ ذلك التاريخ والشعب الفلسطيني يقاوم ويتحدى ويستبسل في الدفاع عن أرضه ولم يغفل عن المآل المظلم الذي تسعى سلطات الانتداب البريطاني إيصال الشعب الفلسطيني إليه وتبدى ذلك من خلال عدة شواهد كان أبرزها تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وهذا ما ادى إلى ثورة الشعب الفلسطيني أكثر من مرة ضد سلطات الإنتداب البريطاني ابتداءً بثورة النبي موسى في نيسان 1920 مروراً بثورة يافاً آيار 1921 وثورة البراق أغسطس 1929 وثورة الكف الأخضر 1930، وانتفاضة أكتوبر 1933، وحركة الشهيد عز الدين القسام 1935 – 1940 والثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، مما يعني انه لم تكد تمر سنة من سني الإنتداب البريطاني إلا وكان هناك عمل ثوري ضد هذا الإنتداب الأمر الذي يدل على مدى رفض الشعب الفلسطيني التام للإنتداب ومخططاته وكذلك الوعى الكبير الذي تمتع به الشعب الفلسطيني خلال تلك الفترة، إلا أن كل هذا العمل الثوري المقاوم لم يثن سلطات الإنتداب عن المضى قدماً في مخططاتها الرامية لإقامة وطن قومى لليهود في فلسطين وساعدها في ذلك الخيانة العربية التي بدأت فصولها الأولى مع تحالف بعض الأنظمة والشخصيات العربية مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية ( دولة الخلافة) وامتدت هذه الخيانة لتمرير المخطط البريطاني في فلسطين حتى كان ما كان ووقعت فلسطين ضحية هذه الخيانة القذرة وهجر الشعب الفلسطيني من أرضه في أبشع صورة تهجير قصرى عرفها تاريخ البشرية الحديثة على مرأى ومسمع من الأنظمة العربية التي ساهمت من خلال تحالفها مع بريطانيا في تشريده وامتدت خيانتها في الخفاء وقبل أن تظهر للعلن في علاقاتها المحرمة مع العدو الصهيوني منذ بداية نشأته ورغم مرارة التشرد وقسوة المحتل مارس الشعب الفلسطيني حقه وواجبه في مقاومة العدو وثار مرة أخرى ضد المغتصب الجديد فكانت الثورة الفلسطينية المسلحة التي انطلقت 1965 ثم انتفاضة الحجارة 1987 والانتفاضة الثانية 2000 قدم فيها شعبنا آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى وما زال متمسكاً بعهد أسلافه باسترجاع الأرض وطرد الغزاة... ورغم كارثة أوسلو التي أرادوها مقبرة للتاريخ الكفاحي الفلسطيني إلا أنها كانت بداية القيامة المجيدة لشعبنا لتتكاثف قواه الحية وتجترح معجزة العمل المقاوم الذي حقق ولأول مرة في تاريخ الصراع توازن الرعب بين الاحتلال والشعب المقاوم وبعد أن كانت اليد الطولي للاحتلال تضرب في كل مكان غير آبهة بقانون دولي أو أي قيم إنسانية وفي عنفوان غطرسة القوة التي أثقلت رأس العدو كانت قيامة المقاومة لتضع كيان العدو كله في حزام نار تشعله المقاومة متى أرادت وكيفما أرادت. وبإعجاز شعبي سيذكره كتاب التاريخ اصبحت صواريخ المقاومة تهدد عاصمة العدو التي ما تجرأت قيادة عربية في يوم ما على المساس بها خوفا جزعا من بطش العدو ... ولكنها إرادة الشعب وعبقرية المقاومة التي جعلت من جيش وجبروت العدو أضحوكة وحققت مقولة ( انه اوهن من بيت العنكبوت) وبعد أن صال هذا العدو وجال في أرض العرب قتلا وتدميرا .. ها هو يحسب الف الف حساب لكل حركة تصدر عنه خوفا من تفسر خطأ فيناله من عقاب المقاومة ما يعجز عن تحمله ... انها معجزة النضال الفلسطيني الذي تجلت قدرته في مواجهة عدوه فاستصغره وحقره واعاد املا مفقودا بأن فلسطين على مرأي البصر تنتظر في حلتها الجديدة يوما قريبا تزف فيها الى أبطالها القادمون من خلف التلال محررين في صبح فلسطيني مجيد هو أقرب مما يتصورون.
|
| 71 |
من الأجدر به أن يخاف |
ستون عاماً وما بكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
تميم البرغوتي
إتنان وسبعون عاماً من الخوف هي فترة مرور الزمن على كيان صنعته سطور من أحرف عابرة على أوراق الأمم المتحدة، بلا تاريخ .. بلا روح ... بلا جذور... يعيشون الخوف في كل لحظات حياتهم يعلمونه للأطفالهم... ويأكلونه في خبزهم ...وينفسونه في هوائهم ... مسكونون برعب الزوال وهوس المحارق .... وتاريخ مظلم من العبودية السوداء التي أنبتت شخصيتهم المشوهة .... لا يكفون عن ترديد مقولات أسلافهم ونبوءات احبارهم... يجمعون بهلع كل ما تقع عليه عيونهم من وسائل القتل ..ويبنون الجدر تلو الجدر ... وعيونهم تدور في محاجرها غائرة .... زائغة ... مضطربة ...مترقبة. يجوبون العالم كله بحثاً عن شرعية يتدثرون بها...علها تدفئُ برودة تشرد متغلغلة في أعماق نفوسهم المحطمة.... يقتلون لعل القتل يشبع شعورهم المفقود بالأمان ... ولكن هيهات أن يمنع كل هذا مصيرٌ محتوم سطروه بأيديهم لأنفسهم...
أرادوا أن يحاربوا الخوف بالقتل ... واليأس بالظلم ...والذل بالمكر.... والجبن بالخيانة .. ولكن ما يلبث شعاع الشمس البادي في الأفق أن يبدد غيومهم السوداء فيعود للسماء زرقتها وللأرض خضرتها وتنسكب مياه الينابيع زلالاً في مجاريها ويغرد العصفور لحنه الشجى.... هذه هي الأرض التي أرادها الله وزينها لعباده ... فهى تلفظ كل خبيث ولا يمكث فيها إلاَّ الجمال والايمان والصدق.
إثنان وسبعون عاماً ...حشوتم الأرض بسمكم ...وزرعتم فيها مستوطنات حقدكم ...ولكنها لا تلبث أن تلفظكم كما يلفظ البحر الجيفة .. فالأرض لا تقبل عفنكم مهما حاولتم مداراته و تجميل.ه
والخوف الكائن في غياهب نفوسكم المظلمة سيقتلكم عند صيحة الحق الصادقة. التي سيتهاوى معها بنيانكم الذي سطرته حروف عابرة على أوراق الأمم المتحدة وستدور دورة التاريخ.
لتكتب قصتكم البائسة في زاوية ضيقة منها ... هذه مقدمة زولكم المحتوم التي تعرفونها جيدا فكفوا السنتكم عن تهديدنا فلا عاصم لكم اليوم من أمر المقاومة شيء ..فلا صفقة القرن ولا تكالب الزعماء المنبت من هوى الشعوب سيؤخر قدركم .. إنما هي رجفة الموت التي تسري في كيانكم الهش ...وسيمر قريبا على مملكة خوفكم من يراها وهي خاوية على عروشها ويقول يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزؤون.. فلا راد لقضاء الله فهو واقع بكم لا محالة ويا لشقائكم حين تحل بكم دائرة السوء فأي أرض تقلكم وأي سماء تظلكم وقد قدمتم لأنفسكم مايسؤكم فلا تلومونا ولوموا انفسكم وسيبقى ذكركم في التاريخ سؤال كيف سولت لكم أنفسكم التطاول على خير أمة أخرجت للناس؟ .
|
| 72 |
خطة كوخافي للتعامل مع غزة |
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً – أبشر بطول سلامة يا مربعُ ... ربما يلخص بيت الشعر هذا، ما ذهب إليه الحال في دولة الاحتلال... وذلك يعني أن التهديدات الجوفاء التي كانت سمة غالبة للأنظمة العربية في السنوات الماضية أصبحت سمة واضحة للكيان الصهيوني في تعامله مع قوى المقاومة والجبهات الساخنة سواء في الشمال والجنوب، بل ربما لكثرة تصريحات زعماء وقادة العدو وتهديداتهم – أصبحت هذه التصريحات بمثابة إسطوانة مشروخة غير قابلة للتعاطى معها، لكثرة ما تم سماعها حتى وكأنها أصبحت معزوفة سمجة مل من سماعها المحللون، وأخر هذه التجليات ما تم إعلانه من خطة رئيس أركان حرب العدو من خطته المسماة "تنوفا" ، والتي وضعت الخطوط العامة التي سيعمل عليها جيش العدو خلال الفترة المقبلة حال شنت حرب ضد غزة، وأبرز ملامحها يتمثل في ايقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف العدو.
ما يدفع المرء للتساؤل منذ متى واسرائيل تعلن خططها للحرب وهي التي كانت تبادر الى العمل العسكري ضد أي تهديد محتمل لكيانها سوء كان هذا التهديد حاضرا أم في المستقبل ولسنا بحاجة هنا لذكر وقائع تاريخية لندلل على ما سبق.
لقد اعتمد العدو ولفترة طويلة جدا على استراتيجية العمل وفق مبدأ( إضرب العدو في أرضه بقوة وجنب جبهتك الداخلية القتال) إلا أن هذه الاستراتيجية القتالية لم تعد قابلة للتطبيق وذلك ابتداء منذ عام 2000 حينما اضطر العدو للانسحاب من جنوب لبنان تحت وطأة ضربات المقاومة ولأول مرة في التاريخ دون اتفاق سياسي يلبي مصالح العدو ، ومنذ ذلك الوقت حيث تطورت وتغيرت موازين الردع في المنطقة بشكل جلي تبرز ملامحه بشكل واضح في حالة التردد في شن حرب على أي من الجبهات بسبب الخوف من عدم ضمان نتائجها ،وهذا ما لا يتوقف المحللون العسكريون من ترديده من وقت لآخر ، ولذلك فإن نشر خطة رئيس الأركان الجديد لا تعدو كونها حلقة من حلقات الحرب النفسية التي أصبحت تعول عليها اسرائيل كثيراً أملاً منها في كسر الروح المعنوية للمقاومة ودفعها للتوصل معها إلى هدنة طويلة الأمد كما تتمنى، ولعل ما كتبه المحلل العسكري ألون بن دافيد، وضح ذلك تماماً حينما ذكر أن الخطة التي وضعها رئيس هيئة الأركان العامة أفيف كوخان وصودق عليها حديثاً لا تعد نقطة تحول في العقيدة القتالية للجيش الاسرائيلي كما أنها لا تقدم حلولاً عملية لنقاط الضعف في ذراع البر والقوى البشرية في الجيش الاسرائيلي. بمعنى ان الهاجس الصهيوني من شن أي حرب على الجبهات قائما بسبب التكلفة العالية التي قد يضطر العدو الى دفعها في حين ان الحرب تبقى غير مضمونة النتائج.
خلاصة القول أن كل ما يقوم به قادة الاحتلال هذه الايام يصب في أحد مسارين وهما:
المسار الأول: هو المزاودة الحزبية حيث انتخابات الكنيست على الأبواب.
المسار الثاني: فهو رفع الروح المعنوية للجنود وللمواطن الاسرائيلي التي تضررت كثيراً مع فقدان قوة الردع الصهيونية التي تتجلى معالمها شيئاً فشيئاً من خلال ارتباك وفوضى تصريحات قادة العدو في الوقت الذي يتحدث فيه الميدان حديثاً آخر تماماً يدركه كل من المواطن والجندي تماماً على طرفي الحدود.
|
| 73 |
هل يمنع اعتقال النواب العملية الديمقراطية؟ |
دائما يشكل الاحتلال عقبة في طريق أي انجاز فلسطيني، ويحاول بكافة السبل إحباط أي خطوة في اتجاه تحقيق حلم كل مواطن فلسطيني في الحرية والاستقلال، وكما هي عادته القذرة في وضع العقبات في طريق الوحدة الفلسطينية، يحاول الاحتلال شق الصف الفلسطيني من خلال التدخل المباشر والعملي علي الأرض، وذلك بتهديد المرشحين المحتملين لحركة حماس في الضفة الغربية بالاعتقال إذا ما قرروا ترشيح أنفسهم، لا شك أن الاحتلال عندما يقدم على هذه الخطوة لا يبتدع عملاً احتلالياً جديداً، فلقد أمضي عدد كبير من نواب كتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس وبعض نواب حركة فتح والجبهة الشعبية، جل الفترة السابقة قيد الاعتقال وما زال بعضهم معتقلا في السجون الصهيونية حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
إذا الترشح للانتخابات في الضفة الغربية من قبل أيٍ من قوى المقاومة، أو من أي فصيل فلسطيني آخر، اتخذ أحد نوابه أو مرشحيه موقفاً مناقضاً للاحتلال، أو داعماً للمقاومة يعني الاعتقال لدى الاحتلال، وهذا أمر لا يمكن أن تستقيم معه عملية ديمقراطية أو حياة نيابية، تصرف الاحتلال هذا يعيدنا الي الجدلية الأولى، وهي فكرة إجراء الانتخابات وممارسة الحياة الديمقراطية تحت سيطرة الاحتلال ومدي شفافية ونزاهة هذه العملية.
تجاربنا كشعب فلسطيني مع الاحتلال قاسية، وراسخة في وجدان الشعب الفلسطيني كبعد مظلم يظلل كل ما هو جميل بالسواد والكأبة، وعلى مدى سنى الاحتلال تحدى الشعب الفلسطيني هذا الظلام بفيض من نور، أنتجه الفلسطينيون من صمودهم على أرضهم، وتشبثهم بحقوقهم، ودفع ضريبة هذا الصمود من دمائهم وحرية أبنائهم و حصارهم، وكل ما قام به الاحتلال من بداية جريمة الاحتلال حتى هذه اللحظة.
اليوم يبرز تحدٍّ آخر أمام الشعب الفلسطيني، وهو التشبث بالديمقراطية التي يحاول الاحتلال حرمانه منها، وكعادة الشعب الفلسطيني سيتحدى إرادة الاحتلال بإرادة الكل الفلسطيني ليمنع الاحتلال من تنفيذ خطته، وهذا التحدي يتطلب وحدة الموقف الفلسطيني، وابتداع الوسائل التي تحيل خطط العدو إلى رماد تدوسه اقدام الفلسطينيين.
التحدي الأن هو منع بعض الفلسطينيين من الترشح للانتخابات من قبل العدو، لأنه يري فيهم تهديداً لكيانه، وعلى الشعب الفلسطيني ألا يسمح بمرور هذه القضية دون أن يكون له موقف حاسم، وهذا الموقف من وجهة نظري يكون في اتجاهين، الاتجاه الأول قانوني، أما الاتجاه الاخر فقد تحدث عنه السيد يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عندما قال انه لن يسمح للعدو بان يتدخل في الانتخابات الفلسطينية، وللمقاومة كلمتها في هذا السياق، أما البعد القانوني فطالما أن الاحتلال يستخدم قوته على الأرض في الضفة الغربية والقدس لإحباط العملية الديمقراطية، فلا بد أن يكون القانون الذي يحكم هذه العملية مستوعباً لهذا التحدي، حيث إن القانون معبر دائماً عن الحالة السياسية والثقافية والاقتصادية للمواطن، ولا يمكن أن يكون القانون بعيداً عن الواقع الذي يطبق فيه، وإلا أصبح قانوناً جامداً وغير عملي ولا يمكن تطبيقه، وكذلك لا يمكن للجهة التشريعية- أيا كانت هذه الجهة- أن تقف مكتوفة الأيدي أمام التحديات التي قد تحول دون تحقيق رغبات وطموح الشعب الذي تمثله، وتصدر القوانين باسمه، وإلا أصبحت جهة بعيدة عن نبض الشارع، ولا تسعى لتحقيق أهدافه وتطلعاته وطموحه.
فإذا كانت العقبة التي يضعها الاحتلال يمكن أن نتجاوزها بقانون يتوافق مع الحالة الفلسطينية التي تخضع لقوة الاحتلال في الضفة الغربية؛ فلابد من تجاوز هذه العقبة بتعديل القانون تعديلاً يفقد الاحتلال القدرة على التدخل في الانتخابات الفلسطينية أو إحباطها، وإذا ما قصرت الجهة المناط فيها التشريع في هذا الامر؛ فأقل ما يمكن أن يقال فيها، إنها تساوقت من حيث تدري أو لا تدري مع توجهات الاحتلال.
وعليه أرى أن الرئيس أبا مازن ملزم وطنياً الان بتعديل قانون الانتخابات باعتبار ذلك مطلباً وطنياً عاماً، ويجب أن ينص التعديل على اعتبار النائب المعتقل حاضراً في المجلس، من خلال إنابة منصوص عليها في القانون لأحد النواب الآخرين من كتلته البرلمانية نفسها أو غيرها، ويكون له الحق بتغيير هذه الانابة أو وقفها متى شاء، وبذلك يصبح اعتقال النواب بحد ذاته غير ذي قيمة، وسيجبر الاحتلال على التوقف عن اعتقال النواب، لأن الاعتقال لن يؤدي الغرض منه، أو سيستمر العدو بعناده ولكن دون أن يؤثر في العملية الديمقراطية، التي ستبقى مستمرة، ولكن بشكل يتناسب مع حالة التصدي والمقاومة لجرائم الاحتلال.
الحالة الوطنية الفلسطينية تستدعى اتخاذ هذا الإجراء على وجه السرعة، هذا إن كان الرئيس معنياً بأن تستمر العملية الديمقراطية في فلسطين رغم أنف الاحتلال، أما إذا كان للرئيس رأى آخر فليخبرنا به.
|
| 74 |
هل يوقف المجلس التأسيسي قرار ضم؟ |
في الوقت الذي تمضي فيه دولة الاحتلال قدماً نحو ضم الضفة الغربية، وفي عين عاصفة التصريحات التي أطلقتها السلطة الفلسطينية رداً على خطوات حكومة الاحتلال، والتي لم ينفذ منها شيء حتى اللحظة، سوى الامتناع عن قبول أموال المقاصة في العلن وقبولها سراً من تحت الطاولة.
في هذا الوقت الذي اشتعلت فيه حرب السلطة الكلامية ضد خطوة الضم الصهيونية، حيث أن السلطة جهزت ترسانة كلامية تطلقها بين الفينة والأخرى، والتي كان آخرها ما جاء على لسان نائب رئيس حركة فتح حيث أطلق " سلاحاً جديداً " ضد الضم من ضمن ما أطلقته السلطة من أسلحة كلامية وهذا " السلاح الأخير" تجلى في إعلان العالول عن نية السلطة في إنشاء مجلس تأسيسي للانتقال للدولة كما يزعم.
ولو افترضنا جدلاً أن هذا " المجلس التأسيسي" قد تم تشكيله " دون الخوض" في طريقة تشكيله ومن هم الأشخاص المرشحون ليكونوا أعضاء فيه وكيف سيتم اختيارهم، لو افترضنا أن المجلس التأم وأصبح في حيز لوجود ومارس دوره المناط به برلماناً مؤقت للشعب الفلسطيني كما يخططون
فهل سيوقف هذا المجلس قرار الضم؟ وماذا سيضيف هذا المجلس للمجالس الموجودة من وطني ومركزي وتشريعي ...؟ وما هو تأثيره على الحكومة الصهيونية؟ هل سترتيك حساباتها وتتعطل خططها وتنهار مشاريعها؟؟
الجواب اليقيني هو لا " كبيرة " لأنه عبارة عن صفر يضاف إلى الأصفار الكثيرة التي برعت في رصها " القيادة الفلسطينية" على أجندة العمل الوطني.. إذا من الداعي لهذه الخطوة في هذا الوقت بالذات؟ هل حشد أبو مازن توافقاً فلسطينياً لهذه الخطوة؟ وهل هي خطوة بديلة عن لم شمل الشعب الفلسطيني ودعوة الإطار القيادي المؤقت الذي من المفترض أن يكون مقدمة لإنهاء الانقسام؟؟ أم أنها استغلال رخيص للظرف الكارثي الذي يمر به الشعب الفلسطيني لتكريس الاستحواذ المقيت على القرار الفلسطيني من خلال شكل جديد من أشكال الحزبية الفلسطينية البائسة التي استهلكت إلى حد التحلل والتعفن.
وإذا كان أبو مازن قد عزم على إنشاء هذ المجلس التأسيسي فهل يا ترى سنرى مع هذا المجلس وجهاً جديداً للرئاسة؟ أم أن أبا مازن يرى في نفسه رجل كل المراحل والرئيس الأبدي القدري للشعب الفلسطيني؟ اظن الجواب واضح للقارئ فلم نسمع -ولو همساً- احداً يتحدث حول مقام الرئاسة السامي "فالحديث فيه حرام وهو مقام لا يجوز أن يشغله إلا أبو مازن" في عرف المطبلين، إذا فلتتغير كل الهياكل وتتبدل كل المجالس وتتحول كل المؤسسات " لنواجه الضم" ويبقى أبو مازن القائد الأوحد الذي يقود الشعب نحو الخلاص!
أليس من الغريب أن يطرح العالول فكرة مجلس تأسيسي لإيجاد قيادة برلمانية جديدة للشعب الفلسطيني ولا يطرح موضوع الرئاسة الذي ثبت لكل فلسطيني أن أبا مازن مارسه كأسوأ ما يمكن لرئيس أن يمارس دور الرئاسة؟
يبدو كأن قدر محمود عباس أن يخطط وينفذ المشاريع الفاشلة، والتي ما إن يبدأها حتى تجلب الشؤم والخراب على شعبنا، فهو من ورط أبا عمار في مشروع السلام الذي ما زلنا نحصد ثماره المرة حتى الآن، ثم أدت سياساته الفاشلة عندما تولى الرئاسة لحالة الفوضى والفلتان الأمني منذ بداية عهده التي انتهت بالانقسام، ثم استمر في الحفاظ على هذه الحالة ومارس خلالها سياسات قطع الرواتب وتشديد الحصار على غزة وكافة أشكال العقوبات الجماعية ضد شعبه في سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، ورفض كل الحلول للم الشمل الفلسطيني في الوقت الذي لم يفوت فرصة للقاء بالعدو إلا واستنفذها، ورهن الشعب والمؤسسات الفلسطينية كافة للاحتلال الذي لم يفوت الفرصة واستغل الوقت لقضم معظم أراضي الضفة الغربية إلى أن نضج مشروع إعلان الضم، ثم يأتينا أبو مازن بمشرعه الإبداعي " المجلس التأسيسي" فأي مصيبة يخبئها أبو مازن لشعبنا من خلال هذا المشروع وقد عهدناه ألا يأتي بمشرع إلا وفيه مصيبة تحل بشعبنا تكون أشد وأنكى من المصيبة التي سبقتها.
أن الشرفاء -وهم جل الشعب الفلسطيني- مدعوون اليوم لوقف هذه المهزلة، والبدء في اتخاذ خطوات عملية لإنهاء هذا العهد الأسود الذي امتد لخمسة عشر عاماً من الزمان، ووضع اجندة وطنية تتوافق عليها الفصائل وكل شرائح الشعب الفلسطيني، تقوم على أساس إطلاق المقاومة بأشكالها كافة ضد الاحتلال وهذا السبيل الوحيد الذي كان يفلح دائماً في مواجهة خطط الاحتلال ويفشلها قبل أن يعرف الشعب الفلسطيني مشروع السلام الأسود الذي أغرقتنا فيه محمود عباس.
|
| 75 |
وفاء الأحرار.. وفاء العاشقين |
الوفاء شيمة الأحرار، والاحرار أشد وفاء إذا ما عشقوا، واحرارنا عشقوا الأرض وعشقوا الحرية، فتجلت صفقة وفاء الأحرار بكل هذه المعاني، وكانت لوحة مميزة وبارزة في تاريخ الشعب الفلسطيني، رسم معالمها ثوارنا بخطوط من الدماء والعرق والدموع فأنتجت حرية وكرامة وعزاًّ وشموخاً، لم تكن وفاء الاحرار مجرد صفقة تبادل، ولكنها كانت صراع إرادات وصراع أدمغة، كانت معركة تدور على مدى خمس سنوات انتهت بنصر حاسم للمقاومة التي هزمت العدو في صراع الإرادة وكذلك في صراع الأدمغة، لقد كان يعلم العدو يقيناً أن وفاء الأحرار لها ما بعدها وقد كان... فعهد الثوار ماض حتى النهاية، ولن يبقى جندي صهيوني آمن ما دام يوجد ثائر واحد خلف القضبان، وما زالت كلمات الشيخ المؤسس رغم غياب الجسد يتردد صداها في عالم الأحياء ( بدنا أولادنا يروحوا غصبن عنهم)، لقد وفّى الأحرار في المرة الأولى وسيوفون في المرة الثانية والثالثة والرابعة، وستكسر نظرية الأمن الصهيوني في كل مرة بإرادة الثوار الأحرار فهذا عهدهم وهذا وفاؤهم، ومن أحق من الثوار عهداً ووفاء.
ما أجمل أن يكون في سدة القيادة اليوم من كان في السجن البارحة، وما أجمل أن يفرض سجين الأمس شروط اليوم، وما أعزها من أيام حينما يرضخ سجان اليوم لسجين الامس، ولذلك لم تكن وفاء الأحرار مجرد صفقة تبادل عابرة، ولكنها كانت هزيمة مازالت تظهر تجلياتها في كل موقف يقفه قائد المقاومة لينال من صلف العدو وغطرسته بعد ان ظنوا حينا من الزمن أنهم قهروا إرادته وغيبوا روحه خلف الجدران، لكن حرية الروح وعشق الأرض الممزوجتين بعزم الثوار بددت الوهم وحطمت الجدران وكسرت الاقفال وكتبت ملحمة خالدة في سفر الزمن أن صلف الطغيان يتهاوى أمام إرادة الروح.
بعد عشر سنوات مضت سيجثو العدو مرة أخرى ليقبل صاغرا ما تمنّع عنه حينا من الدهر ظاناً أن الزمن سيوهن عزائمنا أو ربما ينسينا بعضنا القابع خلف جدرانه الزائلة، ولكن بعد ست سنوات من حرب العصف المأكول وبضع شهور من سيف القدس، تبخرت تماما وساوس الشيطان من رأس العدو في تحرير أسراه دون الخضوع لشروط المقاومة، وها هو الزمن يعيد نفسه مرة اخرى.
|
| 76 |
وهل يُقَوًّم الوطن بالمال |
منذ فجر تاريخ البشرية عرف الإنسان صراع الحق والباطل، حيث مثل الحق الطهارة والنقاء والأصالة، في حين تمثل الباطل في الغدر والخيانة والنجاسة، وبقى الصراع الأزلي بينهما يظهر في كل عمل إنساني سواء كان جماعياً أم فردياً، ومن الطبيعي أن تنحاز الفطرة السليمة أفراداً وجماعات للحق، بينهما تنحاز الفطرة السقيمة إلى الباطل، وقد يلتبس في بعض الأحيان الحق والباطل على كثير من الناس، وذلك حين يلبس أدعياء الباطل أثواب زائفة، لا تعبر عن مكنونات نفوسهم المريضة، في محاولة للوصول إلى أفئدة عوام الناس من أصحاب الفطر السليمة للسيطرة على عقولهم، وسوقهم في مشاريع الباطل التي تسببت في شقاء الإنسانية وخلفت ما خلفت من بؤس وظلم.
طهارة النفس وطهارة اليد وطهارة السلاح، هي المظهر الأبرز لأم القضايا التي انحاز لها أصحاب الفطر السليمة في فلسطين، فكانت المقاومة الفلسطينية التي حملت على كاهلها عبء المشروع الوطني الفلسطيني، الذي ناءت بحمله كواهل كثير ممن التبس عليهم صف الحق من الباطل، فانهارت أمام مغريات الباطل مبادئهم وقيمهم وثوابتهم، واتبعوا أهواءهم السياسية التي زينتها لهم قوى البغي والباطل، وانساقوا في طريق وعر مظلم واصطفوا من حيث لا يشعرون في صف الباطل.
وبقيت المقاومة لوحدها تقاتل بطهارتها وإطفارها وجوعها ولم تقبل أن تأكل بثدييها.
ربما يذكرنا موقف السيد / إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي أعلن عنه مؤخراً برفض قبول هذا الإغراء السخي والدنس، من قوى الباطل بموقف تاريخي قبل حوالي مئة عام، عندما رفض السلطان العثماني عبد الحميد عرض سخي آخر، ملوثاً بسموم المكر الصهيوني، قدمه هرتزل للدولة العثمانية في أشد لحظات ضعفها، ليساومها على مبادئها وقيمها فرفضت وسطر السلطان عبد الحميد كلمات مضيئة بقي نورها منساباً عبر السنين.
"انصحوا هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض وروّاها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن.. ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا".
مضى السلطان عبد الحميد وبقي موقفه الثابت الشامخ الذي خلده التاريخ، وها هو التاريخ يعيد نفسه من جديد، ليتردد الموقف مرة أخرى وكأنه صدى قادم من عبق التاريخ، ولكن بصيغة أخرى ومن فم رجل اخر من رجال يصنعون التاريخ بمواقفهم وأعمالهم.
كثير من الكلمات تقال، وقليل منها تكون له قوة ألف ألف طلقة، وكثير منها تحلل ما حرم الله والبشر، فكم من الأوطان بيعت بكلمة، وكم من المبادئ أهدرت بعبارة، وكم من الحقوق ضيعت بتوقيع.
صحيح أن الرجال تصنع المواقف ولكن صحيح أيضا ان الموقف تظهر عظمة الرجال وكأنها حلقة متصلة منذ أن كان الموقف الذي يسمو على كل المواقف، حينما قال صلى الله عيه وسلم: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري لكفار قريش، ليرسم بذلك خطا فاصل بين صف الحق والباطل ويمتد مداه عبر التاريخ لمواقف لا يقفها إلا العظماء، الذين تشهد لها مشاهد التاريخ الصادقة مرورا بموقف الرشيد من ملك الروم وموقف صلاح الدين في بيت المقدس وموقف وسيف الدين قطز من هولاكو وموقف السلطان عبد الحميد من هرتزل، ويمتد هذا الإرث الخالد حتى التاريخ المعاصر حيث موقف هنية التاريخي والبطولي، الذي اتخذه في أشد لحظات الحصار والضيق وطأة، وقد ظن نخاسو السياسة أن المسرح قد هيئ، وأن ثمار الحصار المر قد استوت على سوقها، وليس أمام المقاومة إلا ان تقبل بالعرض المدنس، وقدموا عرضهم ليأخذوا الموقف الذي اخدوه من قبل وفي ظروف مشابهة من أخرين، لم تحل بينهم وبين قبوله عقيدتهم التي حملوها لأنها ناقصة بنقص البشر. ولكن هيهات لعقيدة من صنع رب البشر أن تزل بقدم بعد ثبوتها، فكان الجواب كشمس تشرق من بين غيوم سوداء (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها)
انها كلمات ذهبية تعبر من مبدأ تابث، بأن الوطن لا يقوم بالمال وتهون في سبيله التضحيات ومن أجله تقدم الأرواح والمهج.
|
| 77 |
لا تلوموا الشعوب على خياراتها |
كان للربيع العربي في العام 2011 وقع السحر على الشعوب العربية التي ما الفت هذه الحراكات الواسعة التي تنادي بحرية الشعوب وانعتاقها من ربقة الحكم الدكتاتوري الذي جثم على انفاسها منذ استقلالها بدايات القرن الماضي ، فامتداد فترة الحكم الدكتاتوري للشعوب العربية والاستكانة الظاهرة من قبل الشعوب ولد قناعة للكثيرين بأنه قد اصبح من سمت الشعوب العربية الاستسلام للحكم الدكتاتوري المطلق حتى وصلت القناعة بهم إلى الاعتقاد بأن جينات العرب تتنافر مع الحكم الديمقراطي ، لأنها لا تسطيع العيش الا تحت وطأة حكم شمولي متسلط، وقد صرح يوما أحد الممثلين العرب الذي حظي بشهرة عالمية لأحد الرؤساء الأمريكان بذلك حينما قال له (نحن العرب لا نستطيع ان نعيش الا بوجود حاكم قوي يحكمنا فنحن لا نعرف العيش بالديمقراطية) . لذلك كانت ثورات الربيع العربي بمثابة حالة تحرر جديدة من استعمار من نوع مختلف عن الاستعمار القديم الذي حكم الشعوب العربية لسنوات طوال فكان استعمار من طغم حاكمة ظنت أنها تمتلك حق الحكم الحصري للابد، فهي ترى في نفسها قدرة ملهمة على الحكم لا يتأتى لاحد سواها....
ورغم أن ثورات الربيع العربي انتكست بفعل عوامل عدة من ابرزها تحالف اقليمي يمتلك ميزات مالية اهدرت بسخاء من اجل احباط هذه الحركة النهضوية العربية...ولقد استحكمت حلقات هذه المؤامرة حتى ظننا جميعا انه كان حلم جميل مر كسحابة صيف .. ولكن كان للشعوب كلمة اخري واثبتت الشعوب العربية مرة اخري انها مازالت على العهد ماضية وان توقها للحرية لم تكن رغبة عابرة ولا هي مغامرة غير محسوبة ...وعادت روح الربيع العربي تجتاح العواصم العربية من جديد لترمم ما افسدته المنظومة الرجعية وتكرس واقعا جديدا عنوانه ان العرب لم ولن يقبلوا بالعودة للماضي الكئيب والاستكانة للحكم الدكتاتوري الفاسد أي كانت الشعارات التي يتغطى بها... فلا الشعارات الثورية عاصمة له.. ولا التمسح بالإسلامية تحميه ...ولا دعاوي الاستقرار والنمو الاقتصادي تجدي نفعا... فالجماهير العربية تتحرك للأمام صوب هدف واحد هو الحكم الديمقراطي والذي من خلاله فقط تتحقق كل تطلعات الشعوب من حرية وكرامة ونمو اقتصادي ومكان محترم تحت السماء وعلى رقعة مصانة من البسيطة..
ولعل ما ينبغي قوله ان تصور البعض المترسخ بأن الحراك الشعبي العربي سيولد بالضرورة اتجاها فكريا معينا هو وهم لا بد من تبديد تشابكاته فقد اثبتت الحقائق على الارض أن الدكتاتورية تجلت في أشكال اتخذت ابعادا فكرية مختلفة من اسلامية الى قومية الي ليبرالية.. وكلها لم تكن على قدر يؤهلها للحكم بشكل يؤدي للتطور الحضاري والاقتصادي، كما شهدت دول اخري في العالم كانت ظروفها أقرب ما تكون للواقع الدول العربية مثل اندونيسيا وماليزيا وتركيا.
والحقيقة ان الحركة الديمقراطية تدفع للحكم من هو أصلح واجدر فقط بغض النظر عن الفكر الذي يحمله او ينادي به والشعوب رقيب حسيب على الافعال و الاقوال فمن كان لديه بضاعة كاسدة فلا يعرضها على الشعوب، لأنها سئمت غش تجار السياسة واصبحت قادرة على التمييز بين الغث والسمين فلا تستغربوا ان تختار الشعوب شخصا من بقايا نظام قديم لأنها رأت فيه أنه يسير بها نحو التطور الحضاري المنشود او ربما صاحب فكر اسلامي تري فيه معززا لقيم مفقودة او ليبرالي يدعو للحرية والديمقراطية فلا تلوموا الشعوب على خياراتها ولا يلومن احد الا نفسه فالشعوب ستحترم من يحترمها وستقصي من يمتهن كرامتها او يستخف بتطلعاتها وليعلم كل من يري في نفسه زعيما ملها ان العصر الفرعوني " لا اريكم الا ما ارى ولا اهديكم الا سبيل الرشاد" اصبح من ارث الماضي الكريه الذي ستدرسه الاجيال القادمة كحلقة سوداء من تاريخ الأمة.
|